ثامر الشهراني
في اليمن، لا يبدو أن المعركة بدأت اليوم؛ الذي بدأ اليوم هو القرار بإنهاء مرحلة كانت فيها الحرب تُدار بالانتظار، والتهدئة تُمنح فرصة بعد أخرى، بينما كانت الدولة تخسر من نفوذها وقرارها كلما طال أمد التسوية المؤجلة.
حين يعلن رشاد العليمي أن اليمن انتقل من «مرحلة الاستعداد إلى مرحلة العمل لاستعادة الدولة»، فإن الرسالة تتجاوز الميدان إلى السياسة: لم يعد مقبولًا أن تتحول الهدنة إلى حالة دائمة، ولا أن يصبح السلام غطاءً لإدارة الانقلاب بدل إنهائه. لقد استُنفدت فرص التهدئة، وحان وقت اختبار معادلة مختلفة.
الإعلان العسكري هنا لا يعني تغيير خرائط السيطرة بل محاولة لإعادة تعريف الصراع: من يملك القرار اليمني؟ ومن يحدد مستقبل اليمن؟ ومن يحتكر السلاح باسم الدولة أو خارجها؟ ولهذا جاء التأكيد بأن العمليات ليست حربًا على صنعاء أو الحديدة أو صعدة، ولا على مذهب أو قبيلة، وإنما على مشروع صادر قرار اليمنيين.
هذا التفريق مهم سياسيًا؛ لأن المواطن لا ينبغي أن يكون طرفًا في المعركة، بل هدفًا لنتيجتها: الأمن. لذلك جاءت عبارة العليمي الحاسمة بأن نجاح المعركة لن يقاس بعدد المدن المستعادة، بل بعدد المواطنين الذين يعود إليهم الأمن. هنا ينتقل معيار النصر من الجغرافيا إلى الدولة، ومن السيطرة إلى حماية الإنسان.
في قلب هذه المعادلة تقف السعودية. فوصف العليمي المملكة بأنها «شريك أصيل في المصير والأمن» يعكس حقيقة تتجاوز المجاملة؛ فأمن اليمن يرتبط بأمن المملكة، واستقراره ينعكس على البحر الأحمر وباب المندب وأمن المنطقة. ولهذا فإن استعادة الدولة اليمنية ليست شأنًا داخليًا منفصلًا عن محيطه.
الفراغ الذي طال أمده منح الميليشيات والوكلاء مساحة أوسع، وكلما تأخر الحسم السياسي ارتفعت تكلفة الانقسام. لكن المعركة لا تنتهي عند الميدان؛ فاستعادة الأرض دون مؤسسات فاعلة قد تعيد إنتاج الأزمة بصيغة أخرى. المطلوب دولة تملك قرارها، وأمن يخضع لمؤسساتها، ومسار سياسي يمنع إعادة تدوير الميليشيا.
أما المجتمع الدولي، فلم يعد أمامه متسع لإدارة الأزمة بالبيانات وحدها. فالتجميد ليس سلامًا، والتهدئة التي لا تنتهي إلى دولة قابلة للحياة ليست حلًا. المطلوب دعم مسار يعيد القرار إلى مؤسسات الدولة، ويحمي المدنيين، ويمنع تحويل أي تسوية إلى نافذة جديدة لترسيخ واقع السلاح.
وعليه، فإن السؤال السياسي الأهم ليس متى تنتهي العمليات، بل: هل تتحول هذه اللحظة إلى نقطة فاصلة تعيد القرار إلى الدولة، وتنهي واقع الميليشيا، وتفتح طريقًا لسلام يحمي سيادة اليمن وأمنه، أم أن تسوية جديدة ستعيد إنتاج المعادلة نفسها التي أبقت اليمن رهينة للانقسام؟