ليلى أمين السيف
هناك أشياء لا نستطيع أن نشرحها للآخرين لأننا نحن أنفسنا لا نعرف كيف بدأت. كل ما نعرفه أننا في لحظة يفترض أن نفرح فيها نشعر بشيء يشد الفرح من يده ويعيده إلى الخلف.
قيل إذا مات القلب ذهبت الرحمة وإذا مات العقل ذهبت الحكمة وإذا مات الضميرذهب كل شيء.
في الحياة هناك أناس لا يستطيعون أن يستمتعوا بما يشتهون؛ فما إن تمتدّ أيديهم إلى ما يرغبون حتى يمرّ في خاطرهم من حُرم منه فيوقظ فيهم تأنيب الضمير ويجعلهم يستكثرون على أنفسهم أية فرحة كان يمكن أن تمرّ عابرة لولا قلب لا يعرف كيف يتجاهل وجع الآخرين.
فقد يرغب أحدهم في قضاء أمسية جميلة في مطعم وحين يفكر في المبلغ الذي سيدفعه يتذكر صديق له يجمع ما يستطيع من أجل عملية ابنه فيخفّ شيء من حماسه ويبدأ يسأل نفسه إن كان الأولى أن يوجّه المال إليهما. وقد يجد شيئا ثمينا طالما أعجبه ويفكر جديا في شرائه ثم يتذكر امرأة يعرف أنها تؤجل حاجات أساسية لأن المال لا يكفيها فيعود إليه ذلك الشعور المربك.
هل أشتري ما أريده وهناك من يحتاج هذا المال لشيء أهم؟
وقد يشتهي قطعة حلوى في طريق عودته ثم يتذكر صديق له ويعرف أنه يحب هذا النوع من الحلوى فيشتري اثنتين؛ واحدة له وأخرى للصديق لأن فرحته ستكون أجمل حين يتخيل أنه سيشاركه إياها.
ولا تنتهي الحكاية هنا.
حتى حين تسعدهم نعمة قد لا يطلقون لفرحتهم العنان؛ يتذكرون من حُرم مثلها فيخفّفون من إظهار سعادتهم لا خوفا من حسد ولا خشية من عين وإنما مراعاة لشعورمن يعرفون أن الفرح عنده ليس بالشيء المتاح.
وكأن هناك قانونا خفيا يقول:إذا كان غيرك محروما فلا يحق لك أن تكون سعيدا بما تملك وهنا يبدأ الالتباس. لان ما يشعرون به في البداية يبدو شيئا جميلا جدا؛ قلب لا يستطيع ان يتجاهل آلام الآخرين وهذه رحمة وإحساس عال بمن حولنا. لكن الرحمة شيء والشعور الدائم بالذنب شيء آخر.
الرحمة تقول له: هناك انسان يحتاج فلينظر ماذا يستطيع ان يفعل اما تأنيب الضمير فيقول:
كيف يفرح وهو يعرف ان هناك من يتألم؟
الأولى تحرك الإنسان نحو الخيرأما الثانية فقد تدفعه إلى معاقبة نفسه وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة:هل يمكن أن يصبح الإنسان سيئا مع نفسه من شدة محاولته أن يكون جيدا مع الآخرين؟
ربما، فليس كل تنازل فضيلة ولا كل حرمان رحمة ولا كل إنفاق على النفس أنانية ما دام لا يبلغ حد التبذير ولا يغفل معه المرء عما أوجبه الله في ماله.
هناك لحظة دقيقة جدا يفقد فيها العطاء معناه الجميل حين لا تعود تعطي لأنك تستطيع بل لأنك تشعر أنك لا تستحق أن تحتفظ بما لديك وهذه اللحظة خطيرة لأن الإنسان يبدأ عندها في النظر إلى نعم الله عليه كأنها تهمة فكلما اتسعت النعمة اتسع الاتهام ولو أصبح غنيا قد يظن أن المشكلة ستنتهي. لكن ربما يحدث العكس. إذا كان يستطيع الآن أن يساعد أكثر فسيقول له ضميره:
كان بإمكانك أن تفعل أكثر.
يساعد عشرة فيتذكر الحادي عشر. يتصدق فيتذكر من لم يتصدق عليه.
يعطي فيرثي لمن بقي محتاجا. وحتى لو امتلك الملايين فلن يستطيع أن ينتشل العالم كله من أحزانه. فهل يعقل أن يجعل الإنسان راحته مشروطة بانتهاء حاجة البشر؟
لن يحدث ذلك لأن الحاجة لا تنتهي والمرض لا ينتهي والفقر لا ينتهي والحزن لا ينتهي.
والعالم لن يصبح عادلا تماما لمجرد أن شخصا واحدا أصبح قادرا على العطاء. ولهذا ربما ليست المشكلة في أن هناك ضميرا حيا. ربما المشكلة أننا طلبنا من الضمير وظيفة لم يُخلق لها.
أردنا أن يمنعنا من القسوة فطلبنا منه بعد ذلك أن يمنعنا من الفرح. طلبنا منه أن يذكرنا بالمحتاج فتحول إلى صوت يمنعنا من الاستمتاع.
طلبنا منه أن يجعلنا رحماء فانتهى بنا الأمر إلى أن نكون قساة على أنفسنا ثم يحدث شيء لا ننتبه إليه إلا متأخرا وحينها تتضاءل قدرتنا على الفرح.
وهذا أخطر مما يبدو فالإنسان الذي لا يستطيع أن يستمتع بنعمة ما لا يصبح بالضرورة أكثر عطاء بل قد يصبح فقط أكثر تعبا وقد يصل إلى مرحلة يخفي فيها فرحته لا تواضعا بل خوفا من أن يكون سعيدا أمام من حُرم. وهكذا لا يعود السؤال:
هل أستطيع أن أساعد؟ بل يصبح :هل يحق لي أصلًا أن أفرح؟
وهنا أريد أن نتوقف.
لا يريد الانسان ان يفقد ذلك الجزء الجميل منه الذي يتذكر الآخرين ولا يريد ان يصبح ممن يرون وجع الأخرين وإحتياجهم ولا يشعرون به لكنه في الوقت نفسه لا يريد ان يقضي عمره معتذرا عن كل نعمة ولا ان تتحول كل لحظة فرح الى سؤال عن كل المحتاجين.
يريد فقط ان يتعلم كيف يكون رحيما دون ان يكون قاسيا على نفسه.ان يساعد حين يستطيع ثم يعود الى حياته دون ان يشعر انه خان احدا. ان يأكل وجبته ويشتري ما يحبه ويضحك ويفرح دون ان يشعر ان عليه ان يبرر كل ذلك امام ضميره.
ربما ما يحتاجه القلب الحساس ليس ان يتخلى عن رحمته بل ان يعرف متى يعطي ومتى يترك لنفسه حقها. يعطي حين يستطيع لا بدافع الذنب بل وفاء للنعمة وشكرا عليها.
فهو في النهاية ليس مطالبا باصلاح العالم كله. هو عبد له قدرة محدودة ومال محدود وعمر محدود. يفعل ما يستطيع ثم يترك ما لا يستطيع لمن لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
فربما لم تكن المشكلة يوما في ان الضمير حي أكثر مما ينبغي.
ربما كانت في أن القلب لم يتعلم بعد أن الرحمة حين تكون صادقة يجب أن تتسع لصاحبها أيضا.
وفي نهاية المطاف إذا ارتاح الضمير ارتفع المقام؛ حينها يتعلم المرء أن يحسن إلى غيره دون أن يسيء إلى نفسه وأن يرى فضل الله عليه دون أن ينسى حق غيره في هذه النعم؛ فالضمير الحي نعمة والانصاف ان يحفظ للآخرين حقهم ولنفسه حقها.
. يارب سامحني بلطفك ليا اخطيت # عبدك همومه في ضميره مقيمة
انت العظيم اللي سميت وتعاليت # وأنا الضعيف اللي ذنوبه عظيمة.