إبراهيم بن يوسف المالك
في صباح هادئ من صباحات مدينة دورهام البريطانية، وبينما أحتسي قهوتي في أحد المقاهي المطلة على مباني جامعة دورهام العريقة، التي يعود تاريخها إلى عام 1832، وجدت نفسي أعود بالذاكرة ثلاثين عاماً إلى الوراء.
لم يكن ذلك الشاب الذي بدأ أول وظيفة له في سبتمبر 1996 يتخيل إلى أين ستقوده الأيام. لم يكن يعرف الكثير عن الاستراتيجيات، ولا عن الحوكمة، ولا عن التحولات المؤسسية، ولم يكن لقب الدكتوراه ضمن أحلامه أو أهدافه. كان يفكر ببساطة في أن يعمل، ويتعلم، ويبني مستقبله خطوة بخطوة، بيديه لا بمساعدة أحد.
بعد أشهر قليلة من بداية العمل، بدأت الدراسة الجامعية. ومنذ ذلك الوقت، لم يكن العمل والدراسة مسارين منفصلين، بل كانا طريقاً واحداً يسيران جنباً إلى جنب. كنت أدرس صباحاً وأعمل مساءً، أو أدرس وأفكر في مسؤوليات العمل، دون أن أشعر أن هناك تناقضاً بين الاثنين. ربما كانت تلك السنوات هي الأكثر بساطة، لكنها كانت أيضاً الأهم في تشكيل شخصيتي المهنية والإنسانية.
تعلمت خلالها قيمة الوقت، واحترام الالتزام، وتحمل المسؤولية، وفهم الناس بمختلف طبائعهم وخلفياتهم. لم تكن الرواتب كبيرة، ولم تكن المناصب براقة، لكن تلك المرحلة كانت مدرسة حقيقية في الحياة.
ثم بدأت الرحلة تتسع عاماً بعد عام.
انتقلت بين محطات متعددة، عملت في القطاع الخاص، وخضت تجربة التعليم العالي، وشاركت في مبادرات ومشاريع متنوعة، وواصلت دراساتي العليا، وسافرت طلباً للعلم والخبرة، وكنت شاهداً على تحولات كبيرة في بيئات العمل والمؤسسات.
وفي خضم كل ذلك، لم تغب الكتابة عن المشهد.
منذ عام 2004، بدأت زاوية «إستراتيجية»، متنقلة بين الصحافة والاهتمامات الفكرية والمهنية، محاولة قراءة الواقع من منظور إداري واقتصادي وإنساني. لم تكن الكتابة وظيفة، بقدر ما كانت مساحة للتأمل والتعلم ومشاركة الأفكار.
وخلال هذه السنوات، تعرفت على النجاح كما تعرفت على الإخفاق، واتخذت قرارات صائبة وأخرى كنت سأعيد التفكير فيها لو عاد بي الزمن، لكنني أدركت أن قيمة التجربة لا تكمن في خلوها من الأخطاء، بل في قدرتها على تشكيل الإنسان وصقل نظرته للحياة.
ولم تخلُ الرحلة من محطات صحية اختبرت قدرتي على الصبر وإعادة ترتيب الأولويات. غير أنها، ولله الحمد، لم تكن سبباً للتراجع أو الاستسلام، بل كانت من التجارب التي أعادت تشكيل نظرتي للحياة والعمل والوقت. خرجت منها أكثر امتناناً للعافية، وأكثر وعياً بقيمة الفرص التي تمنحها لنا الأيام، وبعطش أكبر لمواصلة التعلم والعمل وتحقيق ما أؤمن بقيمته وجدواه.
وعلى امتداد هذه العقود، كنت كثيراً ما أنصح الشباب بألا يجعلوا الدكتوراه هدفاً بحد ذاته، خصوصاً إذا كان طموحهم ينصب على القطاع الخاص والعمل التنفيذي. كنت أرى أن الخبرة العملية، والماجستير في الوقت المناسب، والتطوير المهني المستمر، قد تكون في كثير من الأحيان أكثر ملاءمة لطبيعة السوق ومتطلباته.
وحتى عندما كان البعض يخاطبني بلقب «دكتور» بحكم طبيعة المناصب التي شغلتها في التعليم العالي، كنت أصحح لهم مبتسماً بأنني لا أحمل هذه الدرجة.
لم أشعر يوماً أن اللقب وحده يصنع القيمة.
وكانت السنوات تمضي بسرعة أكبر مما نتخيل.
واليوم، وأنا أجلس في دورهام، بعد ثلاثين عاماً وشهرٍ من أول يوم عمل، أبتسم وأنا أتذكر أن قرار الالتحاق ببرنامج الدكتوراه لم يكن بحثاً عن لقب، ولا استجابة لتوقعات الآخرين، بل كان استجابة لشيء آخر أكثر عمقاً.
كانت رغبة في إعادة التموضع.
وفي منح الخبرات المتراكمة إطاراً علمياً أكثر نضجاً.
وفي تخصيص مساحة جديدة للتأمل والبحث والتعلم الذي لا يجب أن ينقطع.
لقد عشت من التجارب المهنية ما كنت أطمح إليه وأكثر. عملت، وتعلمت، وسافرت، وحققت ما كنت أرجوه في مراحل مختلفة من حياتي. لذلك، لم تكن السنوات الأربع أو الخمس أو الست التي يتطلبها هذا المسار تشكل عبئاً أو مصدراً للقلق.
فالوقت سيمضي على أي حال.
والسؤال الحقيقي ليس: كم من الوقت سنحتاج؟
بل: كيف نريد أن نقضي ما تبقى منه؟
وأعتقد أن من أجمل الدروس التي تعلمتها خلال هذه الرحلة أن الحياة المهنية ليست سباقاً واحداً بخط نهاية واضح. لكل إنسان مساره الخاص، ولكل مرحلة من العمر أولوياتها وأسئلتها المختلفة.
ما كان مناسباً لي في الخامسة والعشرين ليس بالضرورة مناسباً في الخمسين، والعكس صحيح.
وربما تكمن الحكمة في أن نعرف ما الذي نحتاج إليه فعلاً في كل مرحلة، دون أن نستسلم لضغوط المقارنات أو الصور النمطية.
وأنا أكتب هذه السطور من دورهام، لا أشعر أنني وصلت إلى نهاية الطريق.
بل أشعر أنني أقف على عتبة فصل جديد.
فصل أكثر هدوءاً، وأكثر نضجاً، وربما أكثر قدرة على التأثير.
ولو عاد بي الزمن إلى سبتمبر 1996، والتقيت بذلك الشاب الذي كان يستعد لأول يوم عمل في حياته، لما أخبرته كثيراً عن المستقبل.
ربما كنت سأقول له شيئاً واحداً فقط:
استمر…
فالطريق سيكون أطول مما تتوقع، وأجمل مما تتخيل.