د. عبدالله بن محمد بن عبدالعزيز الفاضل
يقف مجلس الشورى في موقع محوري ضمن منظومة الحوكمة الوطنية؛ إذ يتجاوز دوره مناقشة السياسات العامة ومراجعة الأداء الحكومي إلى رسم ملامح التطوير المؤسسي وتجويد المخرجات. وتكتسب هذه الاختصاصات أهمية استثنائية في القطاعات المرتبطة بالتنمية واستدامة بناء القدرات الوطنية، وفي مقدمتها التعليم العالي والبحث العلمي.
وفي ظل التحولات التنموية المتسارعة التي تشهدها المملكة العربية السعودية في إطار رؤية 2030، لم تعد الجامعات مجرد مؤسسات تعليمية تقتصر مهامها على التدريس ومنح الدرجات العلمية، بل أصبحت منظومات معرفية تتكامل فيها وظائف التعليم والبحث والابتكار وخدمة المجتمع. ومن ثم، فإن تقييم أدائها لا يصح أن يقف عند الحدود الإدارية والمالية التقليدية، بل يمتد ليشمل جودة البرامج الأكاديمية، وكفاءة البحث العلمي، ومدى ملاءمة مخرجاتها لأولويات التنمية ومتطلبات المستقبل.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية قراءة دور مجلس الشورى في متابعة أداء الجامعات، وما تتيحه مناقشاته وتوصياته من فرص لتطوير منظومة التقويم الأكاديمي، وتعزيز الحوكمة المؤسسية، والانتقال من الاكتفاء برصد الأنشطة والإنجازات الكمية إلى الاهتمام بجودة المخرجات وأثرها العلمي والتنموي الملموس.
مجلس الشورى والرقابة المؤسسية:
تستند اختصاصات مجلس الشورى إلى نظامه الراسخ، والذي يمنحه صلاحية مناقشة السياسات العامة، ودراسة الأنظمة واللوائح، وتقويم التقارير السنوية للوزارات والأجهزة الحكومية. وتتيح هذه الاختصاصات مساحة مؤسسية للوقوف على التحديات الشاملة، وتحليل المؤشرات، وصياغة توصيات تستهدف رفع كفاءة العمل العام وتطوير آلياته.
إن الرقابة المؤسسية الفاعلة لا تقف عند حدود رصد القصور، بل تتعداها إلى استكشاف فرص التحسين، وتعزيز كفاءة الإنفاق واستثمار الموارد، وترسيخ ثقافة الشفافية والمسؤولية. إذ لا تُقاس فاعلية الدور الشوري بحجم التقارير المناقَشة أو عدد التوصيات المرفوعة فحسب، بل بمدى ما تُنتجه تلك الأعمال من رؤى استراتيجية تُترجم إلى أثر تنموي ملموس يدعم التكامل بين مؤسسات الدولة.
وتزداد أهمية هذا النهج في القطاعات المتصلة مباشرة ببناء الإنسان وتنمية قدراته؛ حيث تتطلب جودة الأداء مراجعة مستمرة للممارسات والبرامج، لضمان توافقها مع التطلعات الوطنية.
التعليم العالي والبحث العلمي في منظومة التنمية:
يقف التعليم العالي والبحث العلمي في صدارة الأولويات الوطنية، لما يضطلعان به من دور رئيس في إعداد الكفاءات، وتنمية رأس المال البشري، وتوسيع قاعدة الاقتصاد المعرفي. فلم تعد مكانة الجامعات تُقاس بقدرتها الاستيعابية أو أعداد خريجيها، بل بقدر ما ترتبط بنوعية مخرجاتها، ورصانة بيئتها البحثية، ومدى إسهامها في معالجة القضايا المجتمعية والتحولات الاقتصادية.
إن التحول نحو التميز يستدعي تطويرًا مستمرًا للمناهج، وتعزيز فاعلية الدراسات العليا، والارتقاء بمستوى الإشراف الأكاديمي. كما يفرض مراجعة دقيقة لمسار التوافق بين البرامج الجامعية ومتطلبات التنمية، مع الحفاظ على أهمية التخصصات الأساسية والإنسانية في تشكيل الوعي وبناء المعرفة.
ومن هنا، يصبح تقويم الأداء الجامعي عملية تنموية تتجاوز المدخلات والأنشطة إلى قياس النتائج والمخرجات؛ فالحديث عن زيادة أعداد البحوث أو التوسع في البرامج لا يعكس الجودة الحقيقية ما لم يقترن بمؤشرات دقيقة تعكس عمق التعلم، وأصالة الإنتاج العلمي، وأثره التطبيقي.
من تقويم الجامعة إلى تقويم مكوناتها الأكاديمية:
لا تكتمل صورة الأداء الجامعي بالقراءة الإجمالية للمؤشرات العامة، بل تتطلب نفاذًا إلى المكونات الأكاديمية الدقيقة؛ كالكليات، والأقسام العلمية، وبرامج الدراسات العليا، والمراكز البحثية. فهذه المكونات هي البيئة المباشرة التي تُصمَّم فيها البرامج، وتُصاغ من خلالها تجربة الطالب والباحث.
ويظل القسم العلمي هو النواة الصلبة والوحدة الأساسية في البناء الأكاديمي؛ ففيه تتشكل جودة البرامج، ومنه تنطلق معايير الإشراف والبحث والتطوير. لذا، فإن تجويد التعليم الجامعي يستلزم تقويم أداء الأقسام، وقياس كفاءة هيئة التدريس، وضمان اتساق المناهج مع تطورات المعرفة.
كما يتيح التقويم التفصيلي اكتشاف الفروق النوعية بين التخصصات، وتحديد فرص التحسين بدقة، وتوجيه الدعم إلى موقع الاحتياج التنموي. ولا يعني هذا التوجه الانتقاص من الاستقلالية الأكاديمية للجامعات، بل يمثل مدخلًا معززًا للتطوير المؤسسي المبني على المعايير الموضوعية والأدلة الموثوقة.
ويتسع هذا المنظور الشامل ليشمل المعاهد التابعة للجامعات والمراكز المتخصصة، لكونها امتدادًا لرسالة الجامعة الأكاديمية والتأهيلية. وإن إدراج هذه الوحدات ضمن منظومة التقييم، مع مراعاة طبيعة اختصاصاتها، يعزز التناغم المؤسسي ويكفل تحقيق الاستفادة القصوى من موارد الجامعة.
مجلس الشورى وبناء الاقتصاد المعرفي… من إنتاج المعرفة إلى تحقيق الأثر:
تتجاوز القيمة الحقيقية للجامعات الحديثة مجرد منح الدرجات العلمية أو تراكم البحوث للنشر المكتبي، لترتبط مباشرة بمدى قدرتها على تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية وحلول تنموية مستدامة.
وفي هذا السياق، يتجاوز الدور الرقابي لمجلس الشورى متابعة الأرقام المجردة، ليناقش عمق الإنتاج البحثي ومدى ارتباطه بالأولويات الوطنية، مع التركيز على كفاءة الإنفاق على البحث والابتكار، وتسهيل نقل المعرفة من المختبرات الأكاديمية إلى التطبيقات العملية والقطاعات الإنتاجية.
إن بناء الشراكات بين المؤسسات الأكاديمية والقطاعين العام والخاص يضمن توجيه الجهود البحثية نحو التحديات الوطنية الكبرى، دون المساس بالقيم العلمية الأصيلة. وهنا تتكامل الشفافية والرؤية التقييمية لمجلس الشورى مع الدور التنفيذي والأكاديمي للجامعات، لدعم التحول نحو اقتصاد قائم على المعرفة.
الرقابة المؤسسية وتحسين الخدمات العامة:
ولا ينفصل دور مجلس الشورى في تطوير قطاع التعليم العالي والبحث العلمي عن مسؤوليته الشاملة تجاه مختلف القطاعات الخدمية والتنموية كالصحية، والبلدية، والإسكانية، والاقتصادية. فهذه القطاعات جميعها تتكامل في بناء جودة الحياة وتحقيق التنمية المستدامة.
وتوفر مناقشة التقارير السنوية لهذه الجهات تحت قبة المجلس منصة مؤسسية لمراجعة مستوى الإنجاز، وفهم التحديات، وقياس رضا المستفيدين، وتطوير كفاءة التنفيذ. فالهدف الأسمى للرقابة الشورية ليس مجرد المساءلة، بل تحويل التوصيات والملاحظات إلى فرص تحسين عملية تُعزز الثقة بالمؤسسات الوطنية وترتقي بجودة خدماتها.
الخاتمة:
يعكس دور مجلس الشورى في متابعة أداء الجامعات والأجهزة الحكومية تكامل المنظومة الوطنية في دعم التطوير، وتعزيز الحوكمة، ورفع كفاءة الأداء. ويظل قطاع التعليم العالي والبحث العلمي المحرك الأساسي لبناء رأس المال المعرفي وتطوير القدرات الوطنية الشاملة.
إن تجويد المنظومة التعليمية يتطلب قراءة شمولية تفصيلية تستوعب الأقسام العلمية، والبرامج، والمعاهد، والمراكز البحثية، وتوازن بين استقلال القرار الأكاديمي ومتطلبات الجودة والمساءلة. ليظل التكامل بين الدور التوصياتي لمجلس الشورى والمسؤولية الأكاديمية والتنفيذية للجامعات والجهات المعنية هو الطريق الأمثل لتحويل المعرفة إلى أثر تنموي مستدام يخدم الوطن والمواطن.
وفّق الله سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ومتّعه بموفور الصحة والعافية، وسدّد على طريق الخير خطاه، وحفظ الله سيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وبارك في جهودهما المباركة لخدمة هذا الوطن العزيز ورفعة شأنه.
كما نسأله سبحانه أن يمدّ معالي رئيس مجلس الشورى وأعضاءه الكرام بعونه وتوفيقه، وأن يسدد آراءهم وتوصياتهم لما فيه خير البلاد والعباد، وأن يديم على المملكة العربية السعودية أمنها وأمانها واستقرارها وازدهارها.
** **
- أستاذ الدراسات العليا بقسم الدعوة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقًا