حين نتحدث عن التنمية المستدامة والسعي إلى تحقيق مستهدفات رؤية المملكة العربية السعودية 2030، قد تبدو المسألة للوهلة الأولى وكأن مسؤولية التنمية تقع على الدولة، باعتبارها المعنية بوضع القوانين والسياسات والتشريعات، وتهدف من خلالها إلى خدمة المواطن وتحقيق المصلحة العامة، فيما يتمثل دور القطاع الخاص في الاستثمار وتوفير فرص العمل وزيادة الإنتاج والإسهام في النمو الاقتصادي.
وبحسب ما أشارت إليه دراسة للجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا «الإسكوا»، فقد سادت في نظريات التنمية التقليدية ثنائية الدولة والقطاع الخاص -أو السوق- والتساؤل حول أيهما أقدر على قيادة عملية التنمية. إلا أن النظريات التنموية المعاصرة تجاوزت هذه الثنائية، وأصبحت تنظر إلى الدولة والقطاع الخاص بوصفهما شريكين في إدارة التنمية وخدمة المجتمع. ومن هنا برز دور الشريك الثالث، المتمثل في القطاع غير الربحي والجمعيات والمؤسسات الأهلية.
وهنا يبرز سؤال مهم: إذا كانت الدولة والقطاع الخاص يمثلان قوتين أساسيتين في عملية التنمية، فما الحاجة إلى شريك ثالث؟ وما الذي يمكن أن تضيفه الجمعيات والمؤسسات الأهلية؟
ويقودنا ذلك إلى سؤال آخر يتعلق بطبيعة التنمية نفسها: هل التنمية مجرد خدمات تقدمها الدولة ونمو اقتصادي يصنعه السوق، أم أنها عملية أوسع تتطلب مشاركة المجتمع في تحديد احتياجاته والتعبير عن مصالحه والمساهمة في القضايا التي تمسه؟
تزايد حضور القطاع غير الربحي خلال العقود الماضية نتيجة الحاجة إلى قطاع يعمل إلى جانب الدولة والسوق، ويهتم بالقضايا الاجتماعية والإنسانية والثقافية والبيئية وغيرها، دون أن يكون تحقيق الربح غايته الأساسية. فهو يتجه في جوهره إلى خدمة المجتمع ومصالحه، ويعمل في مساحات لا يمكن إخضاعها دائماً لمنطق السوق أو قياسها بالعائد الاقتصادي المباشر.
وتتضح أهمية هذا الدور إذا نظرنا إلى التنمية بمفهومها الشامل؛ فهي لا تقتصر على تقديم الخدمات أو زيادة الناتج الاقتصادي، وإنما تشمل الجوانب الاجتماعية، والثقافية، والبيئية، وغيرها. وهذا ما يظهر في أهداف التنمية المستدامة السبعة عشرة، التي تتناول إلى جانب النمو الاقتصادي قضايا التعليم والصحة والمساواة والعدالة وحماية البيئة وتعزيز الشراكات.
ومن هنا يأتي مفهوم الشراكة في التنمية؛ إذ لا تتحقق التنمية الشاملة بجهد قطاع واحد، وإنما بالتكامل بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص والقطاع غير الربحي. وقد دعا الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون إلى إشراك المجتمع المدني في تحقيق أهداف التنمية المستدامة وبناء المستقبل المنشود، مؤكدًا أهمية الشراكة بين الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني.
ويعكس ذلك تحولا في النظرة إلى هذه المؤسسات؛ فلم يعد دورها مقتصراً على تقديم الخدمات الخيرية والاجتماعية، بل اتسع ليشمل تنفيذ المبادرات، وتعزيز المشاركة المجتمعية، والمساهمة في تقديم الرؤى والمقترحات المرتبطة بالسياسات والخدمات العامة.
وتتميز الجمعيات والمؤسسات الأهلية بقربها من المجتمع، مما يجعلها أكثر قدرة على الوصول إلى الفئات المستهدفة، وفهم احتياجاتها، ورصد التحديات التي تواجهها. وهذا يجعل برامجها ومبادراتها أكثر ارتباطاً بالواقع واستجابة للاحتياجات الفعلية، كما يمكن أن يسهم في توجيه الموارد نحو المشروعات الأكثر نفعاً للمجتمع.
كما يمتلك القطاع غير الربحي رأسمالاً اجتماعيا يقوم على الثقة والعمل التطوعي والمبادرات المجتمعية، وهي عناصر لا يمكن بناؤها بالأنظمة وحدها، وإنما تنشأ من التفاعل المباشر بين الأفراد ومؤسساتهم. وتتجلى أهمية ذلك بصورة خاصة في الأزمات والكوارث، حيث تؤدي هذه المؤسسات دوراً مسانداً لجهود الدولة والمجتمع.
وتتنوع مجالات عمل هذه المؤسسات بين الثقافية والمهنية والعلمية والحقوقية والخيرية والبيئية وغيرها، مما يمنحها خبرات متخصصة تمكّنها من نقل احتياجات المجتمع وتقديم رؤى ومقترحات تسهم في تطوير الخدمات والسياسات العامة.
ولا يقتصر دورها على تنفيذ المشروعات والبرامج، بل يمتد إلى بناء الإنسان، من خلال ترسيخ قيم المواطنة والعمل التطوعي والمسؤولية تجاه المجتمع، وتنمية روح المبادرة، وبناء جسور التواصل بين المواطن ومؤسسات الدولة. وبذلك تصبح شريكاً في التنمية من خلال الإسهام في بناء مجتمع أكثر وعياً وقدرة على المشاركة في صناعة مستقبله.
ويظهر دور آخر لهذه المؤسسات في إطار الحوكمة التشاركية، التي تقوم على مبادئ من بينها المشاركة والشفافية والمساءلة وقياس أثر السياسات والخدمات. فبحكم قرب هذه المؤسسات من الفئات المستهدفة، يمكنها رصد أثر السياسات والبرامج على أرض الواقع، ونقل التجربة الفعلية للمجتمع إلى الجهات المعنية، بما يسهم في تحسين الخدمات ومعالجة أوجه القصور.
وعندما يصبح المجتمع، بأفراده ومؤسساته الأهلية وغير الربحية، شريكا في التنمية، فإنه يسهم بصورة أكثر فاعلية في نقل احتياجاته ومصالحه إلى المؤسسات العامة. ولعل القيمة الحقيقية لهذه المؤسسات لا تكمن في عدد المبادرات التي تنفذها فحسب، وإنما في قدرتها على تحويل الفرد من متلقٍ للتنمية إلى شريك في صنعها، ومن مستفيد من الخدمات إلى مواطن فاعل يشارك في تحمل مسؤولية مجتمعه ووطنه.
وهذا التحول يمثل جانباً مهماً من فلسفة التنمية المعاصرة، التي تقوم على المشاركة والتمكين، لا على تقديم الخدمات وحدها.
وبناءً على ما سبق، تتضح أهمية هذا القطاع ودوره في مسيرة التنمية، بما يستدعي الاستثمار في قدراته، ودعمه من قبل الجهات الرسمية لمواجهة التحديات التي تحدّ من فاعليته، وتعزيز دوره كشريك فاعل في التنمية.
ولعل هذا الحديث يقودنا في مقالات مقبلة إلى مناقشة بعض قضايا القطاع الثقافي غير الربحي، والتحديات التي تواجهه، والفرص التي يمكن أن يسهم من خلالها في التنمية الثقافية.
** **
غادة غوث - المديرة التنفيذية لجمعية الفلسفة السعودية