د. محمد بن إبراهيم الملحم
إذا اتفقنا على أن الطالب ينبغي أن يتعلم عن الذكاء الاصطناعي، كما قررناه في المقالة السابقة فإن السؤال الأصعب يصبح: كيف نعلّمه؟ والواقع أن هناك خطأ ينبغي تجنبه في مثل هذه المناقشة وهو عدم التفريق بين تعليم الذكاء الاصطناعي واستخدام أدواته.
فإتقان تشغيل الأداة ليس دليلاً على فهمها، كما أن سرعة الحصول على الإجابة لا تعني حدوث التعلم، ولهذا فإن الأكثر إتزاناً أن نبدأ بالمفهوم قبل الأداة، وبالتفكير قبل الشاشة، وهذا المنطق هو ما يلفت النظر في ما اطّلعت عليه في توصيف مبادرة دائرة التعليم والمعرفة في أبوظبي لتعليم الذكاء الاصطناعي، حيث تقول إنها تبني مساراً يمتد من رياض الأطفال إلى الصف الثاني عشر، ففي السنوات الأولى لا يبدأ الطفل باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بل بأنشطة مناسبة لعمره لتنمية التفكير المنطقي والنقدي واكتشاف الأنماط والتصنيف، ثم ينتقل تدريجياً إلى التعامل مع الأدوات نفسها، وتقييم مخرجاتها، ثم تطوير حلول باستخدامها، ويستنتج من ذلك أن الغاية التي يسعى لها هذا التصميم هي أن يدعم الذكاء الاصطناعي تفكير الطالب ويوسعه، لا أن يحل محله.
وقد تبدو هذه الفكرة أقصد تعليم الذكاء الاصطناعي من دون شاشة متناقضة في ظاهرها، لكنها في الحقيقة تميز بين جوهر الفكرة وأداتها. فهناك اتجاه يعرف بـUnplugged AI يقوم على تعليم بعض مفاهيم الذكاء الاصطناعي من خلال البطاقات والألعاب والمحاكاة والتصنيف. فيستطيع الطالب مثلاً أن يفهم كيف تعمل شجرة القرار، أو كيف يعتمد التصنيف على خصائص وبيانات، قبل أن يفتح برنامجاً أو يدرب نموذجاً رقمياً، وتشير بعض الدراسات الصغيرة إلى أن هذا المدخل يمكن أن يساعد في بناء الاستيعاب المفاهيمي، ففي دراسة يونانية عام 2025 تعلم 47 طالباً في الصف التاسع (صف ثالث متوسط) مفهوم أشجار القرار بأنشطة غير رقمية، وأظهرت الاختبارات القبلية والبعدية تحسناً في الفهم، كما قارنت دراسة أخرى منشورة في العام نفسه بين التعلم الرقمي وحده ومسار يبدأ بأنشطة غير رقمية ثم ينتقل إلى الأنشطة الرقمية، ووجدت نتائج مشجعة للمسار المختلط، وهذه الأدلة تدعم بقوة المنطق التربوي في أن يفهم الطالب المفهوم أولاً، ثم يستخدم التقنية لفحصه وتطبيقه.
ومن المهم أيضا عدم الخلط بين الذكاء الاصطناعي عموماً والذكاء الاصطناعي التوليدي، فتعليم الطفل كيف يتعلم النظام من البيانات، أو لماذا يخطئ في التصنيف، أو كيف يمكن أن تنحاز نتائجه، شيء مختلف عن إعطائه أداة توليدية مفتوحة وطلب التعامل معها بنفسه ليستفيد من وظيفتها، وسبب الاهتمام بفهم طبيعة عمل الذكاء الاصطناعي التوليدي هو أنه يقدم التقنية في ثوب جديد فلم تعد هي تلك التي لا تخطئ! بل هو يحمل معه مشكلات جديدة لا يمكن تجنبها: فقد ينتج معلومات خاطئة بصياغة مقنعة، وقد ينجز مهام يفترض أن يقوم بها الطالب بنفسه ليبني الطالب من خلالها مهاراته، هذا عدا ما يتعلق بالخصوصية والنزاهة الأكاديمية.
ولهذا، فإن السؤال التربوي الصحيح ليس: في أي عمر نبدأ «الذكاء الاصطناعي»؟ بل: أي نوع من المعرفة بالذكاء الاصطناعي يناسب كل عمر، وأي نوع من الاستخدام نسمح به في كل مرحلة؟ وجدير بالذكر أن اليونسكو دعت في إرشاداتها للذكاء الاصطناعي التوليدي إلى مراعاة العمر، وحماية الخصوصية، ووضع حد عمري للتفاعل المستقل مع منصات الذكاء الاصطناعي التوليدي، لذلك ففي السنوات الثلاث الأولى يمكن أن ينصب التعليم على المنطق، والتصنيف، والأنماط، والتمييز بين قرار الإنسان وقرار الآلة، وفهم أن النظام لا يعرف الأشياء بالطريقة التي يعرفها بها الإنسان، ولا تبدو هناك حاجة تربوية لأن يبدأ طفل صغير بتعلم كتابة الأوامر الموجهة إلى روبوت محادثة.
أما في السنوات العليا من المرحلة الابتدائية يمكن الانتقال إلى تجارب رقمية بسيطة تكشف للطالب كيف يتعلم النموذج من الأمثلة، وكيف تتغير النتيجة عندما تكون البيانات ناقصة أو غير متوازنة، والهدف هنا ليس أن يتقن الطالب أدوات متقدمة، بل أن يعرف أن ما يظهر أمامه على الشاشة نتيجة لبيانات وتدريب واحتمالات، وليس معرفة معصومة.
وفي المرحلة المتوسطة يمكن أن يصبح الحديث أكثر عمقاً عن التحيز والخصوصية وجودة البيانات، وأن يبدأ الطالب في مقارنة مخرجات أنظمة مختلفة من الذكاء الاصطناعي حيث كل منها يتخصص بمجال، كما يتعلم بناء نماذج بسيطة. أما في المرحلة الثانوية فيصبح من الممكن تناول الذكاء الاصطناعي التوليدي بصورة صريحة: كيف تعمل النماذج اللغوية الكبيرة، ولماذا تولد أحياناً معلومات مختلقة، وكيف نتحقق من المصادر، وهذا أهم جانب وهو التقويم، والذي يكون اهتمامه بمسار التفكير وتفسير الطالب لخطواته، والدفاع الشفهي عن عمله، والعمل المرحلي داخل الصف، وتوثيق مواضع استخدام الذكاء الاصطناعي.
وقد أسلفت الذكر أن بالمملكة ظهرت بداية مهمة تتمثل في الدليل الرسمي للذكاء الاصطناعي التوليدي ومقرر «مدخل إلى الذكاء الاصطناعي» في المرحلة الثانوية، لكن الخطوة التالية، في تقديري، ينبغي أن تكون بناء إطار متدرج عبر المراحل يحدد ما الذي ينبغي أن يفهمه الطالب في كل مرحلة، وما الذي يسمح له أن يستخدمه، ومتى، وتحت أي إشراف، فالمطلوب ليس طالباً يجيد سؤال الآلة، فهذا يتعلمه بسرعة خارج المدرسة، وهذا عندي يشبه من يقول سأعلم الطلاب كيف يستخدمون الجوال للاتصال او للتراسل النصي، بل المطلوب هو طالب يعرف كيف يفحص جواب الآلة، ويشك فيه عند الحاجة، ويتحقق منه، ويعرف متى يستفيد منها، كما أنه يعرف متى يكون التعلم الحقيقي في أن يعمل من دونها.
** **
- مدير عام تعليم سابقاً