«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
بين حياة الكاتب وحياة النص مسافة شائكة؛ فقد تستعير الرواية من الذاكرة أمكنتها، ومن التجربة تفاصيلها، ومن حياة صاحبها بعض ملامحه، ثم تعيد بناء ذلك كله داخل عالم متخيل تحكمه ضرورات الفن ومنطق السرد. ومن هذه المنطقة الفاصلة بين السيرة والتخييل، تفتح جمعية آداب وفنون السرد «نالا»، مساء الاثنين 12 أكتوبر، سؤال «سيرذاتية الرواية السعودية»، في محاضرة يقدمها أستاذ الأدب والنقد الدكتور صالح معيض الغامدي، وتديرها الدكتورة دخنة بنت علي العمري، على مسرح مركز سرد الثقافي.
وتأتي المحاضرة في سياق الاحتفاء باليوم العالمي للرواية العربية، الذي يتجاوز الاحتفاء بالرواية بوصفها جنسًا أدبيًا إلى استعادة الأسئلة التي يطرحها هذا الفن حول الإنسان والذاكرة والمجتمع وتحولات المكان. فالرواية، حتى حين تنطلق من التخييل، تظل قادرة على التقاط أثر الواقع وتحويل التجربة الفردية إلى مادة فنية تتجاوز حدود صاحبها.ويكتسب موضوع اللقاء خصوصيته من المسار النقدي للدكتور صالح معيض الغامدي في دراسة السيرة الذاتية والأدب الذاتي وعلاقتهما بالأجناس السردية. ففي بحثه «سيرذاتية الرواية العربية السعودية»، الذي قدمه في ندوة الرواية المصاحبة للمؤتمر السابع لرؤساء الأندية الأدبية في القصيم، ناقش ما وصفه بـ«المنهج السيرذاتي» في قراءة الرواية السعودية؛ أي الميل إلى قراءة بعض الأعمال الروائية في ضوء سيرة مؤلفيها، والنظر إلى الشخصيات والأحداث بوصفها امتدادًا مباشرًا لحياتهم.ويرصد الغامدي في هذا السياق عددًا من المؤشرات التي دفعت إلى هذه القراءة، من بينها حضور ضمير المتكلم، وتشابه الأمكنة والأزمنة، وتقاطع بعض الوقائع الروائية مع التاريخ الشخصي للكاتب، إضافة إلى ما يرتبط بما يمكن تسميته «الوعي الكتابي للمبدع»، حين يتحدث الراوي أو البطل عن الكتابة وتجربتها وأسئلتها.
غير أن الغامدي لا يتعامل مع هذه المؤشرات بوصفها أدلة كافية على تطابق الرواية مع سيرة صاحبها؛ فحضور التجربة الشخصية في النص لا يلغي استقلال التخييل، كما أن استعارة الرواية لبعض عناصر الواقع لا تجعلها سيرة ذاتية بالضرورة. ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين المادة الحياتية التي قد يستمد منها الروائي تجربته، وبين العمل الفني الذي يعيد تشكيل تلك المادة وفق منطق السرد وبنية التخييل.
ويحذر هذا المنظور النقدي من الإفراط في اختزال الرواية في حياة مؤلفها؛ لأن القراءة السيرذاتية حين تتحول إلى حكم مسبق قد تصرف الانتباه عن تقنيات السرد وبناء الشخصيات وجماليات التخييل، وتحول النص من عالم أدبي مستقل إلى مجرد وثيقة للبحث عن حياة الكاتب. كما أن الربط الحرفي بين الروائي وشخصياته قد يضع المبدع في حرج اجتماعي وأخلاقي، ويحد من مساحة الحرية التي يحتاج إليها في اختلاق الشخصيات والأحداث ومعالجة الموضوعات الشائكة.