حذامي محجوب
يقول ابن عربي ذلك العابر بين ظاهر الأشياء وباطنها: «المكان إذا لم يؤنّث لا يُعوَّل عليه».
عبارة تبدو، للوهلة الأولى، كأنها واحدة من تلك الجمل الصوفية التي تحتاج إلى مفتاح لفكّ أسرارها والغوص في أغوارها.
لكنها، إذا أنزلناها من سماء التصوف إلى أرض المدن، قد تصبح سؤالا شديد المعاصرة: ماذا يعني أن يكون للمكان قلب؟ وماذا يحدث للمدينة حين تصبح قادرة على احتضان الإنسان، لا مجرد إيوائه؟.
فالمدن لا تُقاس فقط بعدد أبراجها، ولا باتساع شوارعها، ولا بارتفاع ناطحات سحابها.
هناك مدن جميلة لكنها باردة، ومدن فقيرة في الحجر لكنها غنية في الروح.
هناك أمكنة تدعوك إلى الإقامة فيها، وأخرى تجعلك، منذ اللحظة الأولى، تبحث عن طريق للهروب وللخروج.
ولعل الفارق كله يكمن في شيء لا يظهر على الخرائط: هل أُتيح للمكان أن يُؤنَّث؟.
وتأنيث المكان هنا ليس مسألة نحوية، ولا يعني أن تصبح المدينة امرأة بالمعنى البيولوجي، وإنما أن تستعيد صفات الأنوثة بمعناها الحضاري الكامل: القدرة على الاحتضان، والرعاية، وصناعة الألفة، وحفظ الذاكرة، وإنتاج الجمال، وإفساح المجال للحياة كي تتكاثر فيه بدل أن تختنق.
فالمدينة التي لا تعرف كيف تحتضن، تتحول إلى كتلة من الحجر.
أما المدينة التي تعرف كيف تصغي إلى سكانها، وتحفظ ذاكرتهم، وتحمي ضعفهم، وتتيح لهم أن يحبوا ويعملوا ويحلموا، فإنها تصبح كائنا حيا وبروح كاملة.
ولذلك لم تكن مصادفة أن ارتبط تاريخ الحضارات الكبرى بالنساء، حتى عندما كتب التاريخ نفسه بأقلام الرجال.
من قرطبة إلى القاهرة، ومن دمشق إلى بغداد، ومن مكة إلى الرياض، لم تكن النساء مجرد ساكنات مدن، كنّ جزءا من الطريقة التي تشكلت بها الذاكرة الحضارية للمكان.
في قرطبة، حين كانت المدينة واحدة من أعظم مراكز الحضارة في العالم، لم يكن المشهد الحضاري قائما على القصور والمساجد والمكتبات وحدها.
كانت هناك نساء عالِمات وأديبات وشاعرات شاركن في الحياة العلمية والثقافية، وكانت ولّادة بنت المستكفي واحدة من أشهر الوجوه التي اختصرت ذلك التداخل بين المدينة والشعر والمرأة والحياة.
لم تكن ولّادة مجرد امرأة عاشت في مدينة قرطبة، كانت روح قرطبة نفسها، في جانب من جوانبها، تعيش من خلال حضورها.
وفي بغداد، عاصمة الدولة العباسية، لم تكن الحضارة مجرد مشروع للسلطة والخلفاء والمترجمين والفلاسفة.
كانت النساء أيضا جزءا من الحياة الثقافية والعلمية والاجتماعية، من الشاعرات والمغنيات إلى العالمات والراويات.
وفي واحدة من أكثر الحضارات انفتاحا على المعرفة، كان البيت والمجلس والمكتبة والمدينة فضاءات متداخلة لصناعة الثقافة.
أما القاهرة، فربما لا تحتاج إلى كثير من الشرح لكي نفهم كيف يمكن لمدينة أن تحمل طبقات متراكمة من الأنوثة والذاكرة.
القاهرة ليست فقط جامع الأزهر وقلعة صلاح الدين وخان الخليلي والنيل.
القاهرة أيضا أصوات النساء في البيوت القديمة، ورائحة الخبز، وأغاني أم كلثوم التي جعلت المدينة تُسمع في العالم العربي كله، وكتابات رضوى عاشور وبنت الشاطئ وهدى شعراوي، وملايين النساء اللواتي صنعن، بصمت، الحياة اليومية لمدينة لا تنام.
إننا نخطئ حين نختصر صناعة المدن في الرجال وحدهم الذين شيدوا القصور والجسور، وننسى النساء اللواتي صنعن المعنى الذي يجعل لهذه الحجارة قيمة.
فالمدينة قد تبنيها السلطة، لكن المجتمع، اساسا المرأة هو الذي يمنحها روحها.
لذلك فإن سؤال ابن عربي يمكن أن يتحول اليوم إلى سؤال سياسي وثقافي واجتماعي في آن واحد: كيف نعرف أن للمدينة روح وصالحة لحياة؟.
ربما تكون الإجابة أبسط مما نظن:
انظر إلى نسائها.
هل تمشي المرأة في شوارعها بأمان؟ هل تستطيع أن تتعلم وتعمل وتبدع؟ هل تستطيع أن تتنقل دون خوف؟ هل تجد مكانا في جامعاتها ومؤسساتها ومراكز القرار؟ هل تستطيع أن تملك صوتا مسموعا في المجال العام؟ هل تستطيع الأم أن تربي أبناءها دون أن تصبح المدينة عدوا يوميا لها؟.
لكن المسألة لا تتوقف عند الأمان والحقوق، على أهميتهما.
المدينة المؤنثة هي أيضا المدينة التي لا تقتل الجمال باسم الوظيفة، ولا تهدم الذاكرة باسم الحداثة، ولا تحول الإنسان إلى رقم في طابور طويل.
هي تلك المدينة التي تترك مكانًا لشجرة.
لنافذة تطل على شارع قديم.
لمقهى يجلس فيه العابرون.
لساحة يتعارف فيها الناس.
لمكتبة. لمسرح. للموسيقى. وللطفل الذي يريد أن يركض.
فالمدينة، في النهاية، ليست ما تراه العين فقط، إنها ما تعيشه و تشعر به الروح.
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا تبقى بعض المدن في ذاكرتنا حتى بعد أن نغادرها بعقود، بينما تختفي مدن أخرى من الذاكرة بمجرد أن نغلق باب الفندق.
هناك أمكنة تترك عنوانها في جواز السفر، وأمكنة تترك عنوانها في القلب.
مكة، مثلا، ليست مجرد جغرافيا.
هي مكان ارتبط في الوجدان الإنساني بالسكينة والعبادة واللقاء، وبذاكرة ملايين البشر الذين حملوا منها شيئا لا تستطيع الخرائط وصفه. وحين تتطور مكة اليوم في إطار مشاريع ضخمة لخدمة ضيوف الرحمن، فإن القضية لا تتعلق فقط بالبنية التحتية أو التكنولوجيا أو إدارة الحشود، وإنما بسؤال أعمق : كيف يمكن للمدينة أن تستقبل ملايين البشر من ثقافات ولغات وأعمار مختلفة، وتحافظ في الوقت نفسه على المعنى الإنساني والروحي للمكان؟.
إنها واحدة من أعقد صور «تأنيث المكان»، أن يصبح التطور وسيلة لمزيد من الاحتضان، لا مجرد استعراض للقوة العمرانية.
وفي الرياض، نرى وجهًا آخر للقصة.
مدينة تتحول بسرعة هائلة، وتعيد تعريف علاقتها بالمستقبل، وتفتح فضاءات جديدة للمرأة والثقافة والفنون والترفيه والعمل، بينما تحاول في الوقت نفسه أن تحتفظ بذاكرتها المحلية وهويتها السعودية.
فالمدينة الحديثة ليست تلك التي تمحو ماضيها كي تبدو جديدة، بل تلك التي تستطيع أن تجعل الماضي جزءًا من مستقبلها.
وهنا تصبح المرأة مرة أخرى مقياسًا للتحول.
حين تنتقل المرأة من هامش المدينة إلى قلبها، لا تتغير المرأة وحدها، تتغير المدينة نفسها.
تتغير ساعات العمل، وتصميم المواصلات، والفضاءات العامة، والخدمات، والجامعات، والمؤسسات الثقافية، وطريقة التفكير في الأسرة، وحتى معنى الشارع.
وحين تدخل المرأة مجال الطيران والهندسة والإعلام والدبلوماسية والفنون والاقتصاد والبحث العلمي، فإنها لا «تدخل»، المدينة فحسب، إنها تعيد رسم حدودها.
لذلك فإن الحديث عن تأنيث المكان ليس حديثًا عن النساء وحدهن.
إنه حديث عن نوع المدينة التي نريد أن نعيش فيها.
مدينة تقوم على الصرامة والخوف والإقصاء، أم مدينة تقوم على الثقة والتنوع والتعايش؟.
مدينة تنظر إلى الإنسان بوصفه مستهلكا، أم مدينة تراه بوصفه ذاكرة ومشروعا وحلما؟.
مدينة تهدم القديم لأنه قديم، أم مدينة تعرف أن بعض الأشياء لا تصبح أقل قيمة لأنها عاشت طويلًا؟.
لقد كانت الحضارات العظيمة تعرف، بطريقتها الخاصة، أن المكان يحتاج إلى أكثر من الجدران.
فالبيت العربي القديم لم يكن مجرد غرفة للنوم.
كان فناءً، ونافورة، وشجرة، وخصوصية، ودفئًا عائليا.
والمدينة القديمة لم تكن مجرد أحياء متجاورة، كانت شبكة من العلاقات، والأسواق، والمساجد، والحمامات، والمدارس، والبيوت، والذاكرة.
كانت المدينة تُبنى حول الإنسان.
أما بعض مدن عصرنا، فقد أصبح الإنسان فيها هو العنصر الوحيد الذي لم يعد يُسأل عن رأيه.
نصمم الطريق للسيارة، والمبنى للمستثمر، والساحة للإعلان، والحي للأرقام، ثم نسأل في النهاية: لماذا لا يشعر الناس بأنهم ينتمون؟.
لأن الانتماء لا يُبنى بالخرسانة وحدها. الانتماء يحتاج إلى مكان يحب أهله. وهنا تعود إلينا عبارة ابن عربي بكل قوتها.
«المكان إذا لم يؤنَّث لا يُعوَّل عليه».
كأن الرجل، قبل قرون، كان يقول لنا إن المكان الذي لا يعرف معنى الاحتضان لا يمكن أن يكون وطنا كاملًا، بهذا المعنى، ليس ضعفًا في المكان، بل شرط قوته.
الرحم نفسه مكان. والبيت مكان. والمدينة مكان. والأرض أم.ولذلك ربما لم يكن غريبا أن تكون أكثر الكلمات التصاقا بالانتماء في لغتنا مؤنثة: الأرض، الدار، المدينة، البلاد، الوطن، الأم. حتى الوطن الذي نذكره بصيغة المذكر، كثيرًا ما نعود فنبحث له عن صورة الأم. نقول: أمّ الوطن، أمّ المدن، أرض الأمجاد، حضن الوطن. كأن اللغة نفسها تعرف ما ننساه نحن أحيانا: أن المكان لا يصبح وطنا إلا عندما يمنحنا شعورا بأن لنا فيه مكانا.ولهذا فإن مستقبل المدن العربية لن تحدده فقط ناطحات السحاب، والذكاء الاصطناعي، والسيارات ذاتية القيادة.
سيحدده سؤال أكثر إنسانية: هل ستظل هذه المدن قادرة على أن تكون أمكنة للحياة؟ هل سيجد فيها الطفل فسحة؟ والمرأة أمانًا؟ والشاب فرصة؟ والكبير كرامة؟ والغريب مكانًا؟ والفنان منصة؟ والباحث مختبرًا؟ والعاشق مقعدًا؟ والذاكرة بيتا؟.إذا استطاعت المدينة أن تجيب عن هذه الأسئلة، فإنها تكون قد تجاوزت معنى العمران إلى معنى الحضارة.
أما إذا عجزت، فلن تنقذها كل أبراج العالم.
لأن المدينة التي لا تحتضن أهلها تظل، مهما ارتفعت أبراجها، مجرد مكان.
وربما كان هذا هو المعنى الأكثر حداثة لعبارة ابن عربي: «المكان الذي لا يؤنَّث... لا يُعوَّل عليه».
فالمدينة لا تصبح عظيمة عندما تكون أعلى من المدن الأخرى، بل عندما تكون أقدر على جعل الإنسان يشعر بأنه ليس عابرًا فيها.
وحين تفعل ذلك، تتحول الحجارة إلى ذاكرة، والشوارع إلى حكايات، والبيوت إلى دفء، والساحات إلى لقاءات، والمدينة نفسها إلى كائن حي.
عندها فقط لا نسكن المكان. بل يسكن المكان فينا.