عبدالرحمن بن محمد القشعمي
حين أقبل أبرهة بجنده وفيله، لم تكن مكة يومها تملك من أسباب القوة ما يردّ عنها جيشًا عظيمًا، ولم يكن بين أهلها من يملك دفعًا أو عدةً توازي ما جاء به المعتدي.
ومع ذلك، بقي البيت آمنًا؛ لأن للبيت ربًّا يحميه.
حماه الله يوم كانت الأصنام تحيط به، وحمى أهله وليس فيهم يومها من يقول: لا إله إلا الله. فكيف ببيتٍ عُمِّر بالتوحيد، وارتفعت في رحابه أصوات الملبّين، وأحاطت به صفوف الراكعين والساجدين؟
إن الكعبة المشرفة ليست حجرًا في وادٍ، ولا بناءً تختصره الجدران؛ إنها قبلة المسلمين، ومهوى أفئدتهم، وموضع اجتماعهم على اختلاف أوطانهم وألسنتهم وألوانهم. إليها تتجه الوجوه في الصلاة، وإليها تهفو القلوب في الحج والعمرة، وعندها تتجرد النفوس من فوارق الدنيا، فلا يبقى إلا عبدٌ يقف بين يدي ربه (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ).
ومن هنا، فإن استهداف مكة المكرمة أو تعريض أمنها للخطر ليس أمرًا عابرًا في وجدان المسلمين؛ إنه مساس بمكانة أقدس البقاع، وترويع لمن احتمى بحرم الله، وانتهاك لمعنى الأمن الذي جعله الله من خصائص هذا المكان المبارك.
وإذا كان ترويع المسلم من أعظم ما حذّر منه الشرع، فكيف إذا كان الترويع في حرم الله؟ وكيف إذا كان المستهدف بلدًا يأوي إلى بيته الحرام ملايين المسلمين، ويستقبل كل عام وفودًا جاءت آمنةً مطمئنةً لأداء شعائرها؟
إن ما أقدم عليه جماعة الحوثي من إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه مكة المكرمة، لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد عمل عسكري في سياق نزاع؛ فمكة لها حرمتها، والكعبة لها مكانتها. والمشاعر لها قدسيتها.
قال الله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا).
فالأمن في مكة ليس تفصيلًا عابرًا، بل معنى راسخًا في تاريخ هذا البيت، ارتبط به منذ دعوة إبراهيم - عليه السلام -: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا).
ولهذا، فإن القلوب حين تسمع خبرًا يستهدف مكة، لا تستقبل الخبر كغيره من الأخبار؛ إذ تهتز في أعماقها مشاعر لا تختصرها النزاعات، ولا تحتويها خرائط الصراع.
هناك شيء أعمق: قبلةٌ نعرفها منذ صغرنا، وبيتٌ نتوجه إليه كل يوم، وحرمٌ جعل الله له من الهيبة ما يجعله فوق طمع الطامعين، وأسمى من نزغات المعتدين.
ويبقى اليقين الذي لا يتبدل:
للبيت ربٌّ يحميه.
وللبيت أهلٌ يخدمونه، وبلدٌ سخّر الله له ولاةً ورجالاً وإمكاناتٍ لحماية ضيوف الرحمن، وسيظل هذا الحرم بإذن الله واحةً للأمن، وقبلةً للموحدين، ومهوىً للأفئدة.
فمهما علا ضجيج الطائرات، ومهما دوّت الصواريخ، يبقى للبيت ربٌّ لا يغفل، وحرمٌ جعله الله آمنًا، وقلوب ملايين المسلمين معلقة به.
اللهم احفظ مكة وأهلها، واحفظ بلاد الحرمين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا، وسائر بلاد المسلمين.