د. محمد الرويلي
كثيرًا ما تُقاس قيمة الطبيب داخل المستشفى بعدد المرضى الذين يعالجهم، والإجراءات التي يجريها، وما يدرّه من إيراد. والفكرة تبدو منطقية؛ فالمستشفى منشأة تحتاج إلى إيرادات حتى تستمر، والطبيب الذي يحقق نشاطًا أكبر يبدو للوهلة الأولى أكثر قيمة لها.
لكن هذا المنطق ليس صحيحًا دائمًا؛ فقد يكون الأطباء ذوو الكفاءة العالية أقل ربحًا للمستشفى، بينما يكون الأطباء ذوو الكفاءة المتدنية أكثر ربحًا له. كل ذلك بحسب الطريقة التي يحصل بها المستشفى على المال. فإذا كان المستشفى يحصل على أمواله من شركات التأمين بحسب الخدمات التي يقدمها، فإن كل فحص وإجراء ويوم تنويم إضافي قد يعني إيرادًا إضافيًا. وفي هذه الحالة قد يؤدي ضعف كفاءة الطبيب إلى تشخيص أقل دقة، وفحوصات وعلاجات لا يحتاجها المريض، أو مضاعفات تستدعي مزيدًا من العناية أو إقامة أطول. وكل هذه الخدمات قد ترفع إيرادات المستشفى.
وهذا ليس افتراضًا نظريًا. ففي دراسة نشرتها مجلة جاما المعروفة، وشملت نحو 34 ألف حالة جراحية في 12 مستشفى أمريكي، ارتبط حدوث المضاعفات لدى المرضى المؤمن عليهم تجاريًا بعائد مالي أعلى للمستشفى بنحو 39 ألف دولار للحالة مقارنة بمن لم تحدث لهم مضاعفات.
ولا نقول هنا إن المستشفى أو الطبيب يريدان النتيجة السيئة. الفكرة أن طريقة الدفع نفسها مصممة بحيث تزداد إيرادات المستشفى كلما احتاج المريض إلى خدمات إضافية، سواء كانت هذه الخدمات جزءًا من العلاج الأصلي أو أصبحت ضرورية بعد حدوث مشكلة أو مضاعفة.
لكن الصورة تنقلب إذا تغيرت طريقة الدفع. ففي نموذج الدفع المجمّع يحصل المستشفى على مبلغ مقطوع لعلاج حالة معينة خلال فترة محددة. فمثلًا قد يحصل على مبلغ واحد يغطي عملية استبدال المفصل، والتنويم، والمتابعة بعد الخروج، وأي رعاية مرتبطة بالحالة خلال الأسابيع التالية.
هنا لا يكسب المستشفى أكثر كلما زادت الخدمات، بل على العكس قد يخسر إذا ارتفعت تكلفة العلاج. فإذا طالت إقامة المريض، أو حدثت له مضاعفات، أو احتاج إلى إعادة دخول، فإن هذه التكاليف تُدفع من المبلغ نفسه الذي حصل عليه المستشفى.
لذلك يصبح من مصلحة المستشفى أن يعالج المريض جيدًا من المرة الأولى، وأن يقلل مدة التنويم، ويتجنب المضاعفات، ويحد من الفحوص والعلاجات غير الضرورية. فإذا استطاع علاج المريض بتكلفة أقل من المبلغ الذي حصل عليه، احتفظ بالفرق. أما إذا تجاوزت تكلفة العلاج المبلغ المحدد، فإنه يتحمل الخسارة.
وهنا يصبح الطبيب ذو الكفاءة العالية أكثر ربحًا للمستشفى في هذا النموذج؛ لأن دقة التشخيص، وحسن اختيار العلاج، وقلة المضاعفات، وقصر مدة التنويم، كلها تخفض تكلفة الحالة وتزيد ما يبقى للمستشفى من المبلغ المقطوع.
في دراسة شملت نحو 4 آلاف حالة لاستبدال المفاصل في نظام بابتست الصحي، استطاع النظام خفض تكلفة العلاج بنحو 21 % من خلال تطبيق نموذج الدفع المجمّع، وكان جزء مهم من هذا التوفير ناتجًا عن انخفاض استخدام المستلزمات الطبية والخدمات العلاجية بعد الخروج.
هنا تظهر الفكرة ببساطة: الطبيب لم يتغير، وكفاءته لم تتغير. الذي تغير هو الطريقة التي يحصل بها المستشفى على المال، فتغيرت معها القيمة الاقتصادية لهذه الكفاءة. فالطبيب الذي يبدو أقل ربحًا تحت طريقة دفع معينة قد يكون هو نفسه الأكثر ربحًا إذا تغيرت طريقة الدفع.