محمد البهيدل
«حين يلتقي شغف التاريخ بعراقة الحاضر، وحين تفتح الملاعب أبوابها لتعانق أصداء الأهازيج العربية، تثبت المملكة العربية السعودية مجدداً أنها ليست مجرد حاضنة للبطولات، بل هي صانعةٌ لشغف لا ينتهي وموطنٌ دائم للإبداع التنظيمي.»
لقد أسدلت المملكة الستار على النسخة السابعة والعشرين من بطولة كأس الخليج العربي لكرة القدم (خليجي 27)، لتترك خلفها إرثاً إضافياً من النجاحات الباهرة التي تعانق رؤيتها الطموحة.
لم تكن هذه البطولة مجرد منافسة كروية على المستطيل الأخضر، بل كانت عرساً خليجياً نابضاً بالحياة، تجسدت فيه أسمى معاني الأخوة، والتنافس الشريف، والتقارب الشعبي الذي طالما جمع أبناء الخليج تحت سقف المحبة.
من ملاعب عالمية الطراز خطفت الأنظار، مروراً بجهود تنظيمية استثنائية إدارةً وحضوراً، وصولاً إلى احتفالية كروية عمت الفرحة فيها كل الشوارع، نجحت السعودية في كتابة فصل جديد ومبهر في تاريخ البطولات الإقليمية، مؤكدةً بأن الرياضة في المملكة تتجاوز حدود المنافسة لتصبح جسراً للتواصل الإنساني والثقافي.
يا سعودي ما شاء الله
على الأهازيج الجماهيرية الشجية، لم يكن مجرد تتويج بلقب إقليمي عادي، ولم تكن مجرد بطولة انضمّت إلى خزائن الاتحاد السعودي لكرة القدم فحسب؛ بل كانت «فرحة عارمة» حُبست في الصدور لثلاثة وعشرين عاماً كاملة! عقود من الزمن والمنتخب السعودي الأول -الذي يدرك القاصي والداني أنه سيد وكبير هذه القارة بلا منازع- يغيب عن منصات التتويج الآسيوية والعامة بمعناها الحقيقي، مكتفياً بالتأهل المتكرر لنهائيات كأس العالم والمشاركة المونديالية.
صحيح أن بلوغ المونديال دأب سعودي دائم، لكنه كان يأتي عبر بوابات التصفيات الشاقة، وبقيت غصة غياب الألقاب الكبرى تؤرق عشاق الأخضر وتطرح ألف علامة استفهام وسط جيل تلو الآخر. اليوم، انكسر الصمت، واهتزت الشباك، وتكللت الجهود بإنجاز مدوٍّ تمثل في تحقيق لقب كأس الخليج في نسختها السابعة والعشرين (خليجي 27)؛ إنجاز جاء بكل جدارة واستحقاق، مُحطماً للأرقام القياسية، وناطقاً بلغة التفوق المطلق من المباراة الأولى وحتى صافرة النهاية.
تصريح أيقظ «الوحوش»
وفي خضم مشوار البطولة، وتحديداً قبيل المواجهة الختامية الكبرى، أبى القدر إلا أن يضع بصمته التحفيزية عبر تصريح ناري من مدرب المنتخب الإماراتي السيد «زلاتكو داليتش» -ذلك المدرب القوي، صاحب الخبرة العريضة، ومدرب منتخب كرواتيا السابق وصيف العالم- والذي حاول استفزاز الشارع الرياضي ولاعبي منتخبنا في تصريح فضائي شهير، عندما وصف لقاء النهائي بـ «السهل» بالنسبة لفريقه، ناصحاً لاعبيه بالاستمتاع فقط!.
هذا الغرور الفني كان بمثابة الشرارة التي أيقظت «الوحوش السعودية» والطيور الجارحة الكامنة في صدور نجومنا. لقد تحولت تلك الكلمات إلى وقود حارق أشعل حماسة لاعبي الأخضر داخل المستطيلة الخضراء، فكان الرد بليغاً، قاسياً، وفي الوقت ذاته راقياً وميدانياً.
سيادة مطلقة وشباك نظيفة
لم يكتفِ الأخضر بالفوز، بل فرض سيطرة تاريخية مطلقة؛ أنهى اللقاء النهائي بشباك نظيفة، بل وأنهى البطولة بأكملها بشباك نظيفة تماماً، في إثبات قاطع على صلابة المنظومة الدفاعية وانضباطها التام. وتسابق نجوم الأخضر على خطف الأضواء وحصد الجوائز الفردية، لترسخ الهيمنة السعودية في سجلات البطولة: هداف البطولة. أفضل لاعب في البطولة. أفضل حارس مرمى في البطولة. وأفضل لاعب في المباراة النهائية. لم يترك نجومنا شيئاً للصدفة؛ بل أخذوا كل شيء لأنهم استحقوا كل شيء.
بصمة الكابتن فهد المفرج
لم يكن النجاح الإداري الذي ظهر عليه المنتخب في هذه البطولة وليد الصدفة، بل كان انعكاساً حقيقياً لخبرة وحنكة كفاءة وطنية استثنائية تمثلت في الكابتن «فهد المفرج»، مدير المنتخب.
الرجل الذي عُرف بنجاحاته المطلقة واستقراره الإداري العريض داخل نادي الهلال، حيث وقف شامخاً على منصات التتويج وحقق عشرات البطولات والإنجازات التاريخية مع الزعيم، ها هو ينقل هذه الثقافة الاحترافية العالية وروح الانتصار إلى صفوف المنتخب الوطني.
لقد نجح المفرج، بهدوئه المعهود وخبرته الميدانية والإدارية الطويلة، في توفير بيئة استقرار مثالية امتصت كل الضغوط والانقسامات الجماهيرية والإعلامية التي سبقت انطلاقة البطولة، وحول غرفة الملابس إلى حصن منغلق على التركيز والعمل الصامت. إن وجود شخصية بحجم فهد المفرج، الذي يمتلك في سجله «عقيدة الفوز» ولا يقبل بغير الذهب بدائل، كان صمام الأمان الحقيقي والإداري الذي ضمن تكاتف المنظومة وترجمتها للجهود إلى ملحمة كروية خلدت في تاريخ الكرة السعودية.
ختاماً.. بداية لمرحلة جديدة
عادت الفرحة إلى الشارع السعودي، وتذوق الجهور طعم المجد الذي طال انتظاره. إن خليجي 27 لم تكن سوى محطة تصحيح كبرى، وبداية لعودة الهيبة الحقيقية للكرة السعودية التي تؤكد دائماً وأبداً أنها مهما غابت، فإنها لا ترحل، ومتى ما حضرت.. حضرت بالعرش والتاج. مبروك لكل وطننا، ومبروك لكل من صدق في حب هذا الشعار والأبطال.