أصبح الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة جزءاً متنامياً من بيئة العمل الإعلامي، بعدما انتقل من نطاق التجارب التقنية إلى غرف الأخبار والإنتاج الصحفي والتحرير والتوزيع وتحليل البيانات، ويكشف تقرير معهد رويترز لدراسة الصحافة لعام 2026 أن 97 في المائة من المؤسسات الإعلامية التي شملها المسح ترى أهمية استخدام الذكاء الاصطناعي في المهام الخلفية والأعمال التشغيلية، بينما بلغت نسبة المؤسسات التي ترى أهميته في جمع الأخبار 82 في المائة، وفي تطوير البرمجيات والمنتجات 81 في المائة، وشمل المسح 280 قائداً إعلامياً في 51 دولة وإقليماً، وهو ما أكده معهد رويترز لدراسة الصحافة، يناير 2026م.
هذه الأرقام تعكس تحولاً في طريقة إدارة المؤسسات الإعلامية لعملياتها اليومية، فالذكاء الاصطناعي يستطيع التعامل مع كميات كبيرة من المعلومات خلال وقت قصير، ويساعد الصحفي في تفريغ المقابلات والتسجيلات، وتلخيص الوثائق، وترجمة النصوص، وتحليل البيانات، واستخراج المعلومات من الملفات الطويلة، واقتراح العناوين والملخصات، وهي مهام كانت تحتاج في السابق إلى وقت بشري طويل.
لكن سرعة الآلة لا تعني انتقال المسؤولية إليها، فالخبر الصحفي ليس مجرد كلمات مرتبة بصورة صحيحة، وإنما عملية مهنية تبدأ من الوصول إلى المعلومة، ثم التحقق من مصدرها، وفهم سياقها، ومقارنتها بالمصادر الأخرى، والتأكد من دقة الأسماء والأرقام والتواريخ، ثم صياغتها بما يحافظ على المعنى ويمنع التضليل، ولهذا تظل المسؤولية التحريرية في يد الصحفي والمؤسسة الإعلامية مهما تطورت الأدوات التقنية.
وتؤكد وكالة أسوشيتد برس في معاييرها المحدثة الخاصة بالذكاء الاصطناعي إمكانية استخدام هذه التقنيات في البحث الأولي، وتلخيص الوثائق، والتفريغ والترجمة، والمساعدة في اقتراح العناوين والملخصات وتحسين اللغة، لكنها تشدد على ضرورة مراجعة الصحفيين للمخرجات وتحريرها قبل النشر، وتؤكد أن الذكاء الاصطناعي لا يحل محل التغطية الصحفية أو المصادر أو الحكم التحريري أو عملية التحقق، هذا ما أشارت اليه، وكالة أسوشيتدبرس بشأن تحديث معايير غرفة الأخبار الخاصة بالذكاء الاصطناعي، 23 يوليو 2026م.
وتتضح أهمية هذا المبدأ عندما ننتقل من المهام المساندة إلى صناعة الخبر نفسه، فقد أظهرت دراسة دولية أجراها اتحاد الإذاعات الأوروبية وهيئة الإذاعة البريطانية وشملت 22 مؤسسة إعلامية عامة في 18 دولة وبـ14 لغة، بعد تحليل أكثر من 3000 إجابة قدمتها أربعة من أبرز المساعدات الذكية، أن نحو 45 في المائة من الإجابات تضمنت تحريفاً للمحتوى الإخباري وفق معايير الدراسة، إلى جانب مشكلات في الإسناد والدقة والسياق، وهو ما خلص اليه اتحاد الإذاعات الأوروبية، سويسرا، دراسة التشويه المنهجي للأخبار في المساعدات الذكية، 21 أكتوبر 2025م.
وتكشف هذه النتيجة جانباً بالغ الأهمية في العلاقة بين الإعلام والذكاء الاصطناعي، فالأنظمة الذكية قد تنتج نصاً متماسكاً من الناحية اللغوية، لكنه لا يكون بالضرورة صحيحاً من الناحية الصحفية، وقد يظهر الخطأ في رقم أو تاريخ أو اسم أو مصدر، وقد يقدم النظام معلومة صحيحة في سياق خاطئ، ولذلك لا يمكن أن يكون المظهر اللغوي للنص معياراً للحكم على صحته.
وهنا تظهر قيمة الصحفي المحترف الذي يعرف كيف يتعامل مع الذكاء الاصطناعي دون أن يتنازل عن أدوات المهنة الأساسية، فالصحفي يستطيع استخدام النظام الذكي للوصول إلى نقاط أولية داخل وثيقة ضخمة، لكنه يعود إلى الوثيقة الأصلية للتحقق. ويمكنه استخدامه لتفريغ مقابلة طويلة، لكنه يراجع النص مقابل التسجيل، ويستطيع الاستفادة منه في ترجمة مادة، لكنه يدقق المصطلحات والأسماء والمعاني قبل النشر، هذا الاستخدام يجعل الذكاء الاصطناعي أداة لرفع كفاءة الصحفي بدلاً من أن يكون بديلاً عنه.
كما تشير نتائج تقرير معهد رويترز لعام 2026 إلى أن 44 في المائة من المؤسسات الإعلامية المشاركة وصفت نتائج مبادرات الذكاء الاصطناعي لديها بأنها واعدة، في حين وصفتها 42 في المائة بأنها محدودة. كما أظهر التقرير أن 67 في المائة من المشاركين قالوا إن مؤسساتهم لم توفر وظائف حتى ذلك الوقت نتيجة مكاسب الكفاءة الناتجة عن الذكاء الاصطناعي، بينما أشار 16 في المائة إلى انخفاض طفيف في أعداد العاملين، وذكرت 9 في المائة من المؤسسات إضافة وظائف أو تكاليف جديدة مرتبطة بهذه التقنيات، وتوضح هذه النتائج أن الحديث عن اختفاء الصحفيين بصورة فورية لا يستند إلى صورة مكتملة عن واقع المؤسسات الإعلامية. فالمؤسسات لا تزال بحاجة إلى الصحفي الذي يعمل في الميدان، ويبني شبكة مصادر، ويجري المقابلات، ويتابع الملفات، ويكشف المعلومات الجديدة، ويحلل الأحداث، ويعرف طبيعة الجمهور الذي يخاطبه.
ومن المرجح أن تتغير طبيعة الوظائف الإعلامية أكثر من اختفاء المهنة نفسها. وستتراجع أهمية بعض المهام الروتينية والمتكررة، بينما ترتفع قيمة مهارات التحقيق والتحليل والتحقق وإدارة المصادر وصناعة القصص الأصلية.
ويظهر تحول آخر في التعامل مع البيانات، فالصحفي لم يعد مضطراً إلى قراءة آلاف الصفحات بصورة يدوية حتى يكتشف نمطاً أو رقماً مهماً، إذ يمكن للأنظمة الذكية مساعدته في فرز البيانات وتصنيفها واستخراج العلاقات الأولية بينها، لكن النتيجة التي تنتجها الآلة تظل نقطة بداية وليست نتيجة نهائية؛ لأن تفسير العلاقة بين الأرقام يحتاج إلى معرفة بالسياق، وفهم لطبيعة البيانات، والتأكد من مصدرها وطريقة جمعها.
وهذا يفتح مجالاً واسعاً أمام الصحافة الاستقصائية، التي يمكن أن تستفيد من الذكاء الاصطناعي في تحليل قواعد البيانات والوثائق والسجلات، واكتشاف الأنماط التي قد يصعب ملاحظتها بالقراءة التقليدية، لكن القيمة الصحفية الحقيقية تظهر عندما يحول الصحفي هذه المؤشرات إلى معلومات موثقة، ويصل إلى المصادر، ويختبر الفرضيات، ثم يقدم للجمهور مادة أصلية قابلة للتحقق.
وفي المقابل، يفرض الذكاء الاصطناعي تحدياً كبيراً يتعلق بالصور ومقاطع الفيديو والأصوات المصطنعة. فقد أصبح إنتاج محتوى يبدو حقيقياً أكثر سهولة، الأمر الذي جعل التحقق الرقمي جزءاً أساسياً من العمل الصحفي الحديث. ولم يعد الصحفي معنياً فقط بالتأكد من صحة النص، بل أصبح مطالباً بفحص مصدر الصورة وتاريخها وسياقها، والتأكد من عدم اجتزائها أو تعديلها أو إعادة استخدامها في سياق مختلف.
وتشير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يوفر فرصاً واسعة أمام الإعلام، لكنه يطرح في الوقت نفسه تحديات تتعلق بالمعلومات المضللة، وحقوق المؤلف، والخصوصية، واستقلالية الصحافة، ونزاهة البيئة المعلوماتية، ومن هنا فإن المؤسسات الإعلامية تحتاج إلى سياسات واضحة تحدد كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي داخل غرف الأخبار. ويشمل ذلك تحديد المواد التي يمكن إنتاجها بمساعدة الآلة، والمواد التي تحتاج إلى مراجعة بشرية إلزامية، وطريقة التعامل مع الصور والأصوات الاصطناعية، وضوابط استخدام البيانات، وحماية المعلومات السرية، والإفصاح للجمهور عندما يكون للذكاء الاصطناعي دور جوهري في إنتاج المحتوى.
كما أن تدريب الصحفيين أصبح ضرورة مهنية، لأن معرفة استخدام الأدوات الذكية لا تعني مجرد القدرة على كتابة أوامر للنظام، وإنما تتطلب فهماً لحدوده وأخطائه وطريقة تعامله مع المصادر والبيانات، الصحفي الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي دون معرفة حدوده قد يقع في أخطاء أكثر خطورة من الصحفي الذي لا يستخدمه، لأن سرعة إنتاج المعلومات قد تمنح الخطأ قدرة أكبر على الانتشار.
وتكشف بيانات معهد رويترز عن تغير آخر في علاقة الجمهور بالأخبار. فقد ارتفع الاستخدام الأسبوعي للمساعدات الذكية للوصول إلى المعلومات في ستة أسواق من 18 في المائة إلى 34 في المائة بين عامي 2024 و2025، وفق نتائج التقرير الخاص بالاستخدامات الناشئة للمساعدات الذكية في الأخبار، وهذا التحول يعني أن المؤسسات الإعلامية تواجه منافسة جديدة على انتباه الجمهور، فالمستخدم يستطيع الحصول على ملخص لموضوع واسع من خلال مساعد ذكي دون زيارة عشرات المواقع. ولذلك تصبح قيمة المحتوى الأصلي أكثر أهمية، خصوصاً التحقيقات والتقارير الميدانية والحوارات الحصرية والبيانات التي تنتجها المؤسسة نفسها.
كما يتوقع قادة المؤسسات الإعلامية المشاركون في تقرير معهد رويترز انخفاضاً بنسبة 43 في المائة في حركة الزيارات القادمة من محركات البحث خلال السنوات الثلاث المقبلة نتيجة التحولات التي تحدثها واجهات الذكاء الاصطناعي في الوصول إلى المعلومات، وهو توقع مبني على آراء المشاركين في المسح وليس نتيجة مستقبلية مؤكدة، «المصدر ـ معهد رويترز لدراسة الصحافة، المملكة المتحدة، تقرير اتجاهات وتوقعات الصحافة والإعلام والتقنية لعام 2026، 12 يناير 2026».
وهذا يعني أن المؤسسة الإعلامية مطالبة بإعادة التفكير في مفهوم المحتوى نفسه. فإعادة صياغة المعلومات المنشورة في مواقع أخرى لن تكون كافية في بيئة تستطيع فيها الأنظمة الذكية تلخيص ملايين الصفحات خلال وقت قصير، بينما سيظل التحقيق الأصلي، والتغطية الميدانية، والمعلومة الحصرية، والتحليل المتخصص، والبيانات الموثقة أكثر قدرة على بناء علاقة مستدامة مع الجمهور.
وأرى أن المؤسسات الإعلامية العربية أمام فرصة كبيرة للاستفادة من هذه التحولات إذا تعاملت مع الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة مهنية مساندة، وليس بديلاً عن الصحفي. فالمرحلة الجديدة تحتاج إلى صحفي يجمع بين مهارات المهنة التقليدية والقدرة على استخدام أدوات تحليل البيانات والبحث الرقمي والتحقق من المحتوى الاصطناعي.
كما أن كليات الإعلام مطالبة بتطوير برامجها التطبيقية لتشمل الذكاء الاصطناعي والتحقق الرقمي وتحليل البيانات وإنتاج المحتوى متعدد الوسائط، بحيث يتخرج الطالب وهو قادر على استخدام التقنية، وفي الوقت نفسه يمتلك أساسيات المهنة الصحفية من البحث والتحقق والمقابلة والكتابة والتحرير.
إن مستقبل الإعلام لن يتحدد بمن يستطيع إنتاج النص الأسرع، لأن الآلة تتفوق في السرعة، وإنما بمن يستطيع تقديم المعلومة الأكثر موثوقية والأكثر أصالة والأفضل سياقاً. فالذكاء الاصطناعي يستطيع جمع المعلومات وتلخيصها وإعادة تنظيمها، لكنه لا يعفي المؤسسة الإعلامية من مسؤوليتها تجاه الحقيقة.
التحول الحقيقي الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي في الإعلام لا يتمثل في استبدال الصحفي، وإنما في إعادة تعريف المهارات التي يحتاجها الصحفي. فالصحفي القادم سيكون مطالباً بأن يكون أكثر قدرة على التحقق والتحليل، وأكثر فهماً للبيانات والتقنيات الرقمية، وأكثر حرصاً على المصادر الأصلية، لأن قيمة الإعلام في عصر الذكاء الاصطناعي ستزداد بقدر ما يزداد الالتزام بالدقة والاستقلالية والمسؤولية المهنية.
وسيظل الجمهور بحاجة إلى مؤسسة إعلامية يعرف من يقف وراء معلوماتها، وكيف حصلت عليها، وكيف تحققت منها، ومن يتحمل مسؤولية نشرها. وهذه الثقة هي العنصر الذي لا تستطيع الخوارزمية أن تنتجه بمفردها، مهما بلغت قدرتها على الكتابة والتحليل والسرعة.
رسالة:
تشرفت اليوم بالعودة للكتابة في صحيفة الجزيرة الرائعة التي شجعتني بكثرة المقالات المهمة والممتعة، وجذبتني بكثرة الخبراء والكتاب المميزين الذين أسعد كل صباح بالقراءة لهم، وما جذبني أيضاً الاهتمام بالنشر وبالمقالات النوعية الفريدة حتى أصبحت الجزيرة مرجعا حقيقيا لكتابة المقال، وبشكل لائق، وهنا أقدم جزيل الشكر لأستاذنا القدير خالد المالك أحد رموز الصحافة العربية والسعودية بالذات والذي اعتبره آخر جيل العمالقة في الإعلام السعودي.
** **
د. عيسى الربعي - دكتوراه صحافة وإعلام