كان أبي يفتح النافذة قبل شروق الشمس، وصوت المذياع الخشبي يملأ سكون الصباح تتداخل معه رائحة القهوة ورائحة الثَّرَى إثر سُقيا الجيران حديقتهم. امتزجت تلك الروائح والأصوات ولم أعلم أنها ستكون كذكرى ليوم ما، ذات يوم استيقظت على صوت أبي وهو يتنحنح في طريقه لغرفتي، وكأنه يستأذن الصمت قبل أن يدخل، فقد كانت خطواته خفيفة لا تكاد تُسمع. ورثت عنه ذلك الهدوء دون أن أعلم حتى أصبحت أمشي بالطريقة ذاتها، وتعلمت أن أترك صوتاً حين اقترب من أحد حتى لا أفزع أحدا بحضوري، ولم يكن أبي وحده من من اعتدت سماع صوته في ذلك الصباح، فقد كانت الحارة متوهجة بأصوات الأطفال وشيئاً فشيئاً يفتح باب من هُنا وينادى على طفل هُناك، من هنا طفلٌ ذاهب إلى المدرسة، وأطفال آخرون لم يبلغوا السن للذهاب إليها، ويتعالى صوت سائق الباص والبائع آخر الطريق من هنا...
هذه هي الرياض التي عرفتها الحي الذي كبرت فيه، والبيوت التي أعرفها، والحوانيت التي اعتدت المرور بها، والأبواب التي كانت تُفتح مع بداية النهار. كنت أعرف تفاصيلها دون أن أحاول حفظها، وذكريات المدرسة، والأطفال، وأصوات الجيران، والحدائق التي تُسقى في المساء، وكنت أعيش كل ذلك ببساطة دون أن أفكر كثيراً فيما حولي.
وفي فناء بيتنا كانت هناك شجرة الترنج كانت تكبر معي حتى أصبحت جزءاً من طفولتي. كان أبي قد غرسها يوم مولدي فكبرتُ وكنت أشعر دائماً أنها أختٌ لي وُلدت في اليوم نفسه وظلت ترافقني عاماً بعد عام، وكنت كلما اشتهيت ثمرها ناديت أبي ليقطف لي منها فيمد يده إلى أغصانها ويعود إلي بثمرةٍ أعرف طعمها كما أعرف طعم تلك الأيام.
لم أكن أعرف يومها أنني كنت أحفظ أبي دون أن أقصد. أحفظ صوته، وخطواته، وطريقته في احتساء قهوته، وحتى اللحظات التي كان يصمت فيها طويلًا أمام المذياع أو التلفاز. كنت أظنها تفاصيل عابرة حتى اكتشفت أن أكثر ما يبقى من الإنسان هي الأشياء التي لم ننتبه إليها وهو حاضر.
كان أبي في بيتنا الدفءَ كله أباً حنوناً حاضراً بيننا، يسارع إلى مساعدتنا والعناية بنا كما عُرف بعطائه للناس وقضاء حوائجهم. وخارج البيت، كان رجل دولةٍ يزنُ الأمور بحكمةٍ ورجاحة رأيه، عمل مستشاراً بوزارة الخارجية ومديراً عاماً للتنظيم والتطوير الإداري فيها، يحملُ على عاتقه هيبة المسؤولية ومكانةً رفيعة بين الناس.
ولم تكن طريقته في تعليمي تقتصر على الأشياء الكبيرة، بل كان يعلّمني من أبسط المواقف حتى من قرارٍ لم أكن أراه وقتها أكبر من اختيار لونٍ لغرفتي.
أذكر أنني كنت في الخامسة من عمري حين أيقظني أبي من النوم لنذهب إلى أحد محلات فرش الأرضيات لغرفتي. كنت صغيرة، ولم أكن أعرف ماذا أريد بالضبط حتى وقفت أمام لونين الموف والوردي. أخذت أنظر إليهما وأتنقل بينهما في حيرة، ثم التفتُّ إلى أبي وقلت:
- بابا، ماذا أختار؟
فقال بكل هدوء:
- أنتِ اختاري.
ظننت أنني إذا سألته مرة أخرى سيختار عني، فقلت:
- حسناً أي منهم يعجبك أكثر؟
لكنه ظل على إجابته، ولم يبدِ لي رأياً. بقيت مترددة، ومضت قرابة نصف ساعة وربما أكثر وأنا ما زلت واقفة أمام اللونين، بينما كان أبي ينتظرني دون استعجال أو ضجر. لم يقل لي: (هيّا اختاري).
ولم يغضب، ولم يتدخل ليحسم الأمر، وكأن الوقت لم يكن مهماً بقدر أن أصل إلى قراري بنفسي.
اخترت في النهاية وانتهى الأمر بالنسبة لي عند ذلك الحد. أما بالنسبة لأبي فلم يكن الأمر مجرد اختيار لون لفرش غرفتي. كان يعلّمني دون أن أشعر أن أعتاد الاختيار، وأن يكون لي رأي وقرار، حتى وإن كان القرار صغيراً جداً.
وربما لهذا بقي ذلك الموقف في ذاكرتي لأنني، كلما كبرت أدركت أن أبي لم يكن يبحث عن الإجابة الصحيحة بقدر ما كان يريدني أن أتعلم كيف أصل إليها بنفسي.
كلما اشتقت إلى ذلك الزمن، كنت أظن أن كل شيء سيبقى كما هو البيت، وأبي وصوت المذياع وحتى الرياض التي كنت أراها من نافذة بيتنا. لم أتخيل أنها ستكبر هي الأخرى، وتتغير ملامحها يوماً بعد يوم.
كان أبي يقف عند النافذة يراقب منظر البيوت وهي تُبنى والعمران وهو يمتد أكثر يوماً بعد يوم ويراقب بصمت. اقتربت منه وجلست جواره:
- ماذا ترى يا أبي؟ ظل صامتاً للحظة وملامحه تتغير شيئا فشيئا، ثم قال:
- أرى الرياض تكبر يا ابنتي... وأخاف أن تكبر وننسى كيف كانت وأخاف.....
- رديت عليه بماذا؟
- قال: لا شيء -حفظك الله- من كل شر..
قالها بابتسامةٍ هادئة ثم عاد بنظره إلى النافذة. لم أفهم يومها سبب إطالته النظر، ولم ألحّ عليه بالسؤال. ظننته شارداً كعادته أو لعل في الحارة ما لفت انتباهه.
اقتربت منه أكثر، وأسندت رأسي إلى ذراعه، وبقيت أراقب الطريق معه دون أن أعرف ما الذي كان يراه. كان صمته أطول من المعتاد، لكنه لم يكن صمتاً أخافني فقد كنت صغيرة، وكان أبي في نظري قادراً على كل شيء.
لم أكن أعرف أن أبي كان يخفي عني خوفاً أكبر من أن أفهمه، وأن عينيه اللتين كانتا تتأملان الحي لم تكونا تراقبان ما يحدث أمامهما فحسب بل كانتا تودّعان أشياء لم أكن أعرف أنها ستصبح يوماً جزءاً من ماضينا.
كنت أعرف الرياض جيداً، أو هكذا كنت أظن. أعرف حارتنا وبيوتها، وحوانيتها ووجوه أهلها، وأعرف الطريق إلى كل مكانٍ اعتدت الذهاب إليه، لكنني لم أكن أرى الصورة كاملة. كنت أعيش تفاصيل المدينة يوماً بيوم، بينما كانت هي تتسع وتتغير من حولي دون أن أشعر. ومثلما كانت الرياض تتغير من حولي دون أن أنتبه، كان أبي يتغير أيضاً، لكنني لم أكن أملك وقتها ما يكفي من العمر لأفهم ذلك، كنت لا أزال أراه كما عرفته دائماً أبي الهادئ الحليم الصبور دافئ القلب
وطيب المحيّا. تفاصيل التي كنت أراها عادية أصبحت لاحقاً أشياء أبحث عنها في ذاكرتي.
بدأت ألاحظ أشياء صغيرة لم أفهم معناها في وقتها تعباً يظهر عليه أحياناً، وصمتاً يطول أكثر مما اعتدت، وأياماً لم يكن فيها كما عهدته كنت أراها مجرد تفاصيل عابرة، وأعود إلى عالمي الصغير، دون أن أسأل نفسي: لماذا؟
ففي طفولتي، لم يكن المرض شيئاً أفهمه، ولم أكن أعرف أن الإنسان قد يخفي خوفه خلف ابتسامة أو أن الصمت أحياناً يقول أشياء لا تستطيع الكلمات قولها.
كنت أظن أن أبي سيبقى مثل البيت والمدينة.
وتمر عليك أيام ولا تدرك فيها سرعة الرحيل والتغيير، وهي تذهب ولا تعود كما اعتدت عليها.
ذات يوم، كان عيد الأضحى كعادته مليئا بالفرحة والاجتماعات العائلية مليئة بالبهجة والشكولاتة والأضحية، بدأ كل شيء يبدو طبيعياً، وكان أبي بيننا طبيعياً، يضحك ويتحدث بيننا، وكنت أراه كما رأيته دائماً، الإنسان الحكيم المرح اللطيف... لم يخطر في بالي أنني أعيش ألطف لحظات حياتي.
بعد العيد بقليل بدأ التغيير.
بدأ الموضوع وكأنه بسيطاً، أو كنت أظن ذلك، بدأ الشحوب يعلو مُحيّاه الوضيء، وأثقل المرضُ نفسه حتى غدا الصمتُ مأواه، وكنت ألاحظ عليه التعب أكثر وأراه يذهب إلى المستشفى في حينٍ وحين، ويعود بوجهٍ مختلف، كان يتألم أحياناً كان لا يأكل الطعام المعتاد حتى طباعه التي عرفتها هادئةً وحليمة، بدأ المرض يغيّره شيئًا فشيئًا، فأصبح سريع الغضب، وكأن الألم لم يعد يسكن جسده وحده..
وكنت أتساءل كثيراً، ولم أكن أعرف أن الألم الذي كان يخفيه عني لم يكن تعباً عابراً، وأن ما بدأ بعد العيد سيأخذنا إلى أيام لم أكن أعرف كيف ستنتهي..
أخبرتني أمي، في أحد الأيام بشكل هادئ أن ما في بطن أبي هو ورم والأمر أكبر مما أظن، ومنذ ذلك الوقت دخلت كلمة جديدة إلى بيتنا السرطان.
كنت أعرف الكلمة، لكنني لم أكن أعرف معناها الحقيقي، لم أكن أعرف أن كلمة واحدة يمكن أن تغيّر شكل الأيام، وأن تجعلنا نعد الوجبات ونراقب الألم وننتظر مواعيد المستشفى ونفرح بالأيام التي يأكل فيها أبي كما كان.
لم أكن أعرف أن المرض لا يأخذ من الإنسان صحته وحدها، بل يأخذ معه أشياء صغيرة كثيرة أشياء لا ننتبه لقيمتها إلا حين نفتقدها.
مرت الأيام حتى أصبح المستشفى مكاناً نذهب إليه ثم نعود، أصبحت أحمل كتبي معي وأذاكر هناك، وكان هناك الرجل الذي لا زال حتى في أصعب لحظاته وهو يتلقى العلاج يشجعني، كنت أحاول دائما أن أتصرف بشكل طبيعي، كنت أعلم أنه لا يحب أن يراني قلقة، كان يحاول أن يخفف عني قبل أن أخفف عنه، يبتسم حين ألتفت إليه، ويسألني عما أذاكره ويساعدني في تسميعه، شعرت في لحظات أن كل واحد منا يحمل عن الآخر ما استطاع، كنت أراه يتألم، وأحاول ألا أظهر خوفي. وهو كان يراني أخاف ويحاول ألا يُريني ألمه.
وحين كان يشتد عليه الألم، كان يطلب من أمي أن تأخذني إلى مكان آخر بعيداً عن عينيه، لم يكن يريدني أن أراه ضعيفاً، وهو لا يعلم أنه دائماً كان القوي الشجاع في نظري، وربما كان يخشى أن تبقى صورته الأخيرة في ذاكرتي رجلًا يتألم، كم كنت أتمنى أن يعلم نظرتي الحقيقية لمدى قوته وصموده على الألم.
كنت أحياناً أعود بعد دقائق، فأجده قد استعاد ابتسامته، فأتصرف وكأنني صدقته.
الآباء لا يحمون أبناءهم من الأشياء نفسها، بل يحمونهم من رؤيتها.
غالباً ما كانت عودتي من المستشفى تتقاطع مع أشدّ أيام أبي مرضاً، الأيام التي كان يتشبث فيها بكبريائه كي لا ألمح في عينيه نظرة ضعف أعود فأتلمّس في الأرجاء أنه طلب سنداً من أحد إخوته ليكون إلى جواره بدلاً مني، وكأنه يشفق علي من ثقلٍ يعرف أنه يفوق طاقتي، ويريد أن يجنبني مرارة رؤيته وهو يتألم.
كان في تصرفه ذاك حنان صامت يفصح عن كل ما يتحاشى قوله. أدخل المنزل بخطواتٍ ثقيلة وأنا أجرّ خلفي خوفاً ينقبض له صدري، وأتوجّس في داخلي: كيف سأجده غداً؟ هل سيسمح لي في الإطالة؟
وفي أحد الأيام، وكنت جالسة إلى جواره قال لي أبي: يا ابنتي، لا تثقين بكل من يبتسم لك، ولا تعطين قلبك لكل من يقترب منك، الناس ليسوا سواء، وبعضهم لا تعرفين حقيقته إلا بعد وقت، كوني طيبة، لكن لا تكوني غافلة، وساعدي من تستطيعين مساعدته، لكن لا تجعلي حاجتك لأحد سببًا لأن يملكك.
واجعلي علمك وشهادتك وتعبك ومثابرتك سنداً لك، لا تجعلي قوتك معلقة بإنسان فالناس تتغير، والظروف تتغير، أما ما تبنينه في نفسك فيبقى لك.
تعلمي، واجتهدي، وكوني قادرة على الوقوف وحدك، ليس لأنك لا تحتاجين أحداً، بل لأنك لا تعرفين من سيبقى معك إلى آخر الطريق.
واحفظي كرامتك، يا ابنتي، ولا تجعلي طيبة قلبك باباً يدخل منه من لا يستحق.
كنت أستمع إليه يومها عيوني كانت تملأ الدموع ولكن كنت أصمت لا أريد أن أجعله يقلق هذه النصائح أصبحت يوماً أشياء أعود إليها كلما أثقلتني الحياة.
اليوم أفهم أن أبي لم يكن يعلّمني كيف أعيش أياماً عادية، بل كان يتركني مستعدة للأيام التي لن يكون فيها بجانبي.
المرض أخذ من أبي أشياء كثيرة وسرق أبي مني لكنه لم يأخذ حكمه التي عرفتني عليه.
كان يقول لي كلاماً بسيطاً كلّما كنت أكبر اكتشف أن بعض الكلمات لا نفهم قيمتها إلا بعد أن تفقد صاحبها. كان يعلّمني أن الإنسان لا يملك كل ما يحدث له، لكنه يملك الطريقة التي يواجه بها ما يحدث. وكان يكرر عليّ أن أختار قراراتي بنفسي، وألا أجعل خوفي سببًا لأترك ما أريده.
لم أفهم كثيراً من كلامه وأنا صغيرة، ولم أعرف معنى تغيير الحياة. كنت أسمعه ثم أعود إلى عالمي.. إلى كتبي وألعابي وغرفتي وأيامي الصغيرة.
أما الآن، فأفهم أن أبي كان يترك لي أشياء أبقى بها حين لا يبقى هو.كان يعلّمني الحياة، دون أن يخبرني أنه يعلّمني كيف أعيشها من دونه.
ومرت الأيام. مع عقل طفلة كانت تظن أن أمور الحياة ستعود كما هي، ولكن للمرض كلمة أخرى.
بالرغم من تغيير هيئته كان قلبه ثابتاً وظل يحاول أن يكون أبي الذي أعرفه.
وأنا أيضاً كنت أتمسك بالصورة القديمة.
كنت أريد أن أصدق أن المرض مرحلة وستنتهي، وأن أبي سيعود إلى النافذة، وسيفتحها قبل شروق الشمس، وسيعود المذياع إلى صوته، وستعود الرياض كما كانت، لكن بعض الأشياء حين تبدأ بالرحيل، لا تخبرنا أنها لن تعود. ثم جاء اليوم الذي لم أفهم فيه أنني أعيش آخر مرة.
آخر مرة أسمع فيها صوته، وآخر مرة أراه أمامي، وآخر مرة أظن أن الغد سيحمل معه فرصة أخرى.
رحل أبي. فجر الرابع من نوفمبر 2017..
ورحلت معه أشياء كثيرة لم أكن أعرف أنها كانت معلقة بوجوده. انطفأ التلفاز، انطفأ المذياع حتى شجرة الترنج لم تعد تثمر حتى ماتت، والرياض لم تبق على حالها ولم تجعلني هذه الدنيا على حالي بعد رحيله، لم يتغير البيت وحده أو الرياض وحدها تغيرت أنا أيضًا.
أصبحت الأماكن التي أعرفها تحمل شيئاً غريباً. النافذة التي كان يقف عندها لم تعد نافذة، والمذياع لم يعد مجرد مذياع، والطريق الذي اعتدت أن أراه من خلفه صار يذكرني بأنه لم يعد هناك من يراه معي.
حتى الرياض التي كنت أظن أنني أعرفها، بدت لي مختلفة يوماً بعد يوم، كبرت المدينة، وتغيرت الحارة، وتبدلت الوجوه، لكن أكثر ما تغير كان الشيء الذي كنت أراه من نافذة بيتنا: أنا.
دخلت بعدها أيام لم أعرف كيف أعبرها. أيام طويلة وباردة، شعرت فيها أنني أكبر قبل أواني، وأن شيئاً في داخلي انطفأ ولم أعرف كيف أعيده. كنت أتعلم كيف أعيش دون أن أسمع صوته، دون أن أحمل سندا يحميني، وكيف أتخذ قراراتي دون أن ألتفت لأعرف رأيه، وكيف أمر بالأشياء التي كنت أعود إليه فيها دائماً.
وأحياناً كنت أبحث عنه في تفاصيل صغيرة جداً في رائحة القهوة، في الجرائد التي كان يقرأها، في نافذة مفتوحة قبل شروق الشمس، وفي لحظات أتردد فيها أمام أي قرار وأتذكر جملته القديمة.
(أنتِ اختاري) أبي لم يكن يعلّمني اختيار ألوان غرفتي أو ثيابي، كان يهيئني، دون أن أعرف، لاختيارات أكبر بكثير..
ومع مرور السنوات، لم تعد ذكرياتي عن أبي تؤلمني بالطريقة ذاتها، ما زالت تؤلمني، نعم، لكنني تعلمت أن أراها بنظرة أخرى، تعلمت أن النعمة ليست دائمًا في الأشياء الكبيرة التي نلتفت إليها، بل في التفاصيل التي نظن أنها ستبقى إلى الأبد، وكيف تستمتع في اللحظة نفسها قبل أن تفوت.تعلمت أن الإنسان قد يعيش سنوات وهو يظن أنه يعرف قيمة ما لديه، ثم يأتي يوم واحد يجعله يدرك أنه لم يكن يعرفها بما يكفي.
تحمل المسؤوليات في عمر صغير لم يكن شيئا يكسرني بقدر ما يجعلني أتعلم كيف أصبح شخصية قوية بسبب أبي.
نعم أتذكر أنه كان يخاف أن تكبر الرياض فننسى كيف كانت،لكنه لم يكن يعرف أنني رغم كل ما تغير، لن أنسى، لن أنسى كيف كانت ولن أنسى كيف كان هوَ، لن أنسى جمال أبي خطواته الهادئة لطفه ودفء يده، وهي تمسك يدي. وكيف كان يتفقدني، ويسألني دائماً عن أحوالي، ولن أنسى أنني كنت أعيش أجمل الأشياء دون أن أعرف أنها كانت جميلة، ربما هذه هي الحياة أن نعيش النعمة أولًا، ثم نفهم قيمتها حين تصبح ذكرى. ولهذا، لم أعد أخاف من تغيّر الأشياء كما كنت، فقد فهمت أخيراً أن بعض الأشياء لا تبقى في المكان الذي عشناها فيه، لكنها تبقى فينا.
وأبي... لم يبقَ في البيت، ولا في الحارة، ولا عند النافذة.
لكنه بقي فيّ. في كلماته التي ما زلت أسمعها وفي هدوئه، وحتى ملامحه شيئاً منه مازال يسكن وجهي الذي ورثته عنه. وفي تفاصيل صغيرة لم أعد أراها عابرة كما كنت، ومهما تغيّرت الرياض، وتبدلت البيوت، وكبرت الأيام، بقي شيء واحد لم يتغير أبي الذي ظننته يوماً سيبقى إلى الأبد، بقي في قلبي.
رحم الله أبي، سعود بن عبدالعزيز السديري، وجمعني به في جنات النعيم.
** **
- سارة سعود عبدالعزيز السديري