بدر عبد الكريم السعيد
الأمانة هي المهمة العظيمة والشاملة التي خلق الإنسان للوفاء بها في الحياة الدنيا فهي خلقٌ عظيمٌ ومسؤوليةٌ كبرى، ولا تقتصر الأمانة على رد الأموال أو حفظ الأسرار فقط، بل تمتد لتشمل كل جوانب حياة الإنسان، فالمؤتمنُ مُطالبٌ بحفظِ ما وُكِلَ إليه وأدائه كاملاً دون نقص أو تقصير، امتثالاً لأمر الله ورسوله في ردِّ الحقوق لأصحابها فالأمانة هي أساس ثقة الناس وعلامة من علامات صدق الإيمان وأساس استقرار المجتمعات وعلامة على كمال الإيمان وحسن الخلق، قال صلى الله عليه وسلم: «لا إيمان لمن لا أمانة له»، فمن يؤدي الأمانة يحفظ حقوق الناس وودائعهم، ومكانته ووصفه بالأمين الذي لا يغدر ولا يكذب، إن الأمانة ضرورة من ضرورات الحياة، ولابد من العناية بها حتى تتحقق للمجتمع السعادة والاطمئنان، فترسيخ الأمانة في المجتمع ينطلق من أسس متكاملة تشمل عدة جوانب أساسية تتضافر معاً لبناء بيئة تسودها الثقة والنزاهة ومنها: تعزيز مراقبة الله في السر والعلن، ونشر الوعي بأن الأمانة جزء لا يتجزأ من إيمان الفرد وعقيدته، تنشئة الأطفال منذ الصغر على قيم الصدق وحفظ الحقوق، وتوفير القدوة الصالحة داخل المحيط العائلي، ويُعد دمج قيم النزاهة في المناهج الدراسية للأطفال والطلاب خطوة أساسية لبناء جيل مسؤول، صادق، وقادر على اتخاذ قرارات أخلاقية مستقرة، كما أن إطلاق الحملات التوعوية الإعلامية والمجتمعية عن فضل الأمانة تبين الأثر الايجابي الكبير على الفرد والمجتمع،
كما تتعدد أشكال الأمانة وتظهر في مواقف يومية مختلفة تعكس معادن الناس كإعادة الشخص أي شيء أو مال تركه شخص آخر لديه لصاحبه سواء كان هذا المبلغ أو الشيء صغيراً أم كبيراً، فمن واجب الشخص الأمين حفظه من أي خراب، أو أذى حتى يعود صاحبه ولو بعد سنين طويلة، وكذلك الأمانة تكون عند البيع، فلا يبيع الإنسان شيئاً تالفاً أو فيه خلل ما دون أن يظهر عيب هذا الشيء للمشتري، الأمانة في العمل وهي مسؤولية كبيرة يجب أداء المهام الوظيفية بإتقان، واحترام وقت الدوام والمحافظة على ممتلكات العمل، وعدم استغلال المنصب، الأمانة العلمية والفكرية وتوثيق مصادر المعلومات، ونسب الأفكار لأصحابها وعدم السرقة، أمانة المجالس والأسرار وكتمان ما يدور فيها من خصوصيات، وعدم إفشاء أسرار الأصدقاء أو العائلة، الأمانةُ في الشَّهادةِ بتحَمُّلِها بحسَبِ ما هي عليه في الواقِعِ، وبأدائِها دونَ تحريفٍ أو تغييرٍ، أو زيادةٍ أو نقصانٍ، الأمانةُ في النُّصحِ والمشورةِ، وفي تربيةِ الأولادِ، وكُلِّ إنسانٍ في عَمَلِه، وكذلك عندما يعثر شخص على محفظة يجب بذل الجهد للوصول إلى صاحبها وإعادتها اليه كاملة، استشارة صديق وأن تقدم له النصيحة بكل صدق، وغيرها كثير من المواقف الحية التي تجسد الأمانة وما لها من أهمية في المجتمع والتي تعتبر أساس استقرار المجتمع وبناء الثقة بين أفراده، فالأمانة تقوي الروابط بين الناس وتخلق بيئة آمنة ومتعاونة تقضي على الغش والخيانة وتدعم العدالة.
فالثقافة العربية تزخر بالقصص التراثية وبالمواقف التي تبيّن أهمية الأمانة والصدق وتبرز أثرهما الإيجابي على حياة الأفراد والمجتمع، وقصّة «بائعة اللبن» وابنتها هي واحدة من أشهر القصص التي حدثت في عهد الخليفة العادل عمر بن الخطاب، وهي تُسلّط الضوء على أهميّة الصدق والأمانة، ففي إحدى الليالي كان عمر بن الخطاب يمشي في شوارع المدينة المنورة يتفقد الناس ويسأل عن أحوالهم وبينما كان يمر بمنزلٍ متواضع، سمع محادثةً بين أم وابنتها قالت الأم -التي كانت تبيع اللبن في السوق- لابنتها: «قومي إلى اللبن فاخلطيه بالماء» وقد طلبت منها ذلك حتى تزيد الكميّة، فتبيع أكثر وتربح أكثر دون أن يُلاحظ أحد ذلك» لكن الابنة رفضت قائلةً: «أمّاه، كيف نفعل ذلك؟ لقد نهى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عن خلط اللبن بالماء!» أجابت الأم: «قومي إلى اللبن فاخلطيه بالماء فإنّك بموضعٍ لا يراك فيه عمر!» كان رد الابنة حازمًا ومليئًا بالاقتناع، حيث قالت: «حتى لو لم يرنا عمر، فإنَّ الله يرانا. وما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاء». تأثَّر عمر بن الخطّاب ممَّا سمع من صدق وأمانة الفتاة، فطلب ممّن كان معه أن يحفظ موضع البيت ليعود إليه مرةً أخرى، ثم مضيا. ولمّا أصبح، طلب منه عمر أن يمضي إلى موضع المنزل فينظر من القائلة ومن المقول لها وهل لها من زوج. فلمّا علم أنّه لا زوج لها، زوّجها من ابنه عاصم وأنجبا الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين.