رمضان جريدي العنزي
(1)
ولا خير في حُسن الجسوم وطولها
إذا لم يزن حُسن الجسومِ عقولُ
ما أكثر الذين أسرفوا في العناية بما تراه العيون، وأهملوا ما تُدركه البصائر، فهذّبوا ملامحهم، وتأنّقوا في هيئاتهم، وأطالوا النظر في المرآة، حتى ظنّوا أن حسن الصورة يغني عن حسن السيرة، وأن امتلاء الجسد يمكن أن يستر فراغ العقل، وما أشد بؤس الإنسان حين يتحول جسده إلى أعظم إنجازاته، يفاخر بطوله، ويتباهى بهيئته، ويستمد قيمته من صورةٍ لم يصنعها، ثم إذا نطق كشف بنفسه أن وراء ذلك المظهر عقلًا لم يتهذّب، ووعيًا لم ينضج، وشخصيةً لم تجد ما تتكئ عليه سوى شكلها، فلا تغترّ بمن يملأ العين ولا يملأ العقل، ولا بمن يطول جسده ويقصر منطقه، ولا بمن يلمع وجهه وتخبو قيمته.
(2)
الرجل العاقل الفطن لا يجعل من نفسه مادةً للضحك والتندر، يعرف قدره، ويزن كلماته، ويحسن مواضع حضوره وانصرافه، الرجل الحقيقي يعرف متى يلين، ومتى يصمت، ومتى يتجاوز، ومتى يضع لكل شيء حده، لا يستخفه استفزاز، ولا تحبطه إساءة، يعرف قدر نفسه، ويحفظ قدر الآخرين، ويظل ثابتًا بثقة، يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يكون التجاوز أرفع من الرد، يتكلم حين يكون للكلام موضع، ويصمت حين يكون الصمت أبلغ، ويعرف أن بعض المواقف يكون التجاوز فيها أرفع من الرد.
(3)
أنواع الرجيم ليس ما يُنقص وزن الجسد، بل ما يُخفف أوزار الروح، أن تتوقف عن أكل لحوم الناس بالغيبة، وعن نهش كراماتهم بالهمز واللمز، وعن تتبع عثراتهم ونشر زلاتهم، فكم من جسدٍ خفيفٍ على الميزان، مثقلٍ بالذنوب، وكم من لسانٍ لا يتعب من الكلام، وهو يحمل لصاحبه أثقالًا لا يشعر بها، فإن أردتَ حميةً نافعة، فابدأ بلسانك، فبعض الحِميات تُنقص الوزن، وحمية اللسان تُنقص الذنوب، فاحذر أن تنقص كيلوغراماتٍ من جسدك، وتجمع أطنانًا من المظالم على روحك، فخفة الجسد لا تنفع صاحبه إذا أثقلت الغيبةُ والنميمة ميزانه.