د. إبراهيم الشمسان أبو أوس
الأصل فك الإدغام في المثلين إن وجب سكون الثاني لجزم أو إسناد؛ لأن سكون ثاني المثلين يمنع الإدغام، ويؤول إلى التقاء ساكنين وهو محذور، ولكن من اللغات، كلغة تميم، ما تبقي الإدغام وتتخلص من التقاء الساكنين بتحريك المثل الثاني، وقد ورد استعمال الفكّ وهو لغة الحجاز والإدغام وهي لغة تميم في القرآن الكريم، قال تعالى {وَمَن يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَه فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ}[13-الأنفال]، وقال {وَمَن يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ}[4-الحشر]، ويفكّ الإدغام من الفعل المضعف المسند إلى ضمير رفع متحرك، نحو: مررْتُ، ولكن أثر من لغات العرب ما أبقى التضعيف، قال سيبويه «وزعم الخليل أنَّ ناسًا من بكر بن وائل يقولون: رَدَّنَ ومَدَّنَ ورَدَّتُ، جعلوه بمنزلة ردَّ ومدَّ» (1). قال السيرافي «كأنهم أدخلوا النون والتاء على حرف قد أدغم فيه ما قبله فكرهوا نقض بنية الحرف. وهذه لغة رديئة فاشية في عوام أهل بغداد» (2).
أما المضعّف المعتل الذي يجب حذف لامه متى لاقت واو الجماعة فقد يبقي بعض العرب المضعف ولا يحذفون، قال سيبويه «فإذا قلت فَعَلُوا وأُفْعِلوا قلت: حَيُوا وأُحْيُوا، لأنك قد تحذفها في خَشُوا وأُخشُوا. قال الشاعر:
وكُنَّا حَسِبْناهُمْ فَوارِسَ كَهْمَسٍ ... حَيُوا بعدَ ما ماتوا من الدَّهْر أَعْصُرَا
وقد قال بعضهم: حَيّوا وعَيُّوا. لـمّا رأوها في الواحد والاثنين والمؤنث إذا قالوا حيَّتِ المرأة، بمنزلة المضاعف من غير الياء، أجروا الجمع على ذلك.
قال الشاعر:
عَيُّوا بأَمْرِهِمُ كما ... عَيّتْ بَبْيضتها الحَمامَةْ» (3)
وأمّا الناس اليوم في اللغة الدارجة وربما لغة بعض المثقفين فيبقون على الإدغام ويتخلصون بإقحام ياء وقاية تتحمل السكون، فيقولون: (مرَّيْتُ)، ووجدته مستعملًا في بعض كتب التراث المتأخرة، منها: ما جاء في «مرآة الزمان في تواريخ الأعيان» لسبط ابن الجوزي(654هـ)، 13/ 252: «فإن استمرَّيتَ على عادتك، أفسدتهم وأَبطرتهم». وفي «السلوك في طبقات العلماء والملوك» لبهاء الدين الجُنْدي (732هـ)، 2/ 151: «فَلم ألتفت على كَلَامه ثمَّ استمرّيت على الْقِرَاءَة». وفي «البداية والنهاية» لابن كثير (774هـ)، 12/ 338: «فإنك إن استمرّيت بها نُسبت إليك من أول الأمر إلى آخره». وفي خزانة الأدب وغاية الأرب لابن حجة الحموي(837هـ)، 1/ 47: «ولما جمعت ديواني استهلّيت خطبتي بقولي: الحمد لله الذي لا يحصر مجموع فضله ديوان». وفي تاريخ دمشق لابن عساكر(571هـ)، 7/ 128: «رجلان من أهل الشام إذا رأيت رجلًا يحبهما اطمأنّيت إليه: الأوزاعي وأبو إسحاق الفزاري». وفي (خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر) لمحمد أمين بن فضل الله(1111هـ)، 1/ 62: «فَلَمَّا استقرّيت بهَا قدم زين العابدين الْمَنَاوِيّ».
وأنكر ذلك أستاذنا أحمد مختار عمر رحمه الله، فعد من الخطأ «إبقاء التضعيف في الفعل، وزيادة ياء بعده»، وعدّد من لغة الإعلام أمثلة: قولهم (استغلَّيتم الأرض) والصواب: استغللْتم، و(استقلَّيْتُ برأيي) والصواب: استقللْتُ، واستشفَّيْت من كلام الرئيس...) والصواب: استشْفَفْتُ(4). ثم عاد إلى قبول هذه الظاهرة، قال «ويمكن أن يظلّ الإدغام كما هو هروبًا من ثقل التوالي لحرفين مثلين بينهما حركة، وحينئذٍ تضاف (ياء فارقة) بين صيغتي المتكلم والغائبة المؤنثة»(5).
وكذلك خطّأ الزعبلاوي هذا التركيب قال «ومما يخطئ به الكتَّاب صوغ (استفعل) إذا كانت عينه ولامه حرفًا مشدّدًا مدغمًا، نحو (استبدَّ) ، فالدال المشدّدة المدغمة هي عين الفعل ولامه، فإذا أرادوا إلحاق تاء الفاعل بالفعل قالوا (استبدّيْت) بإضافة الياء الساكنة بعد الدال المشددة تخفيفًا، كما قالوا في (استقلَّ) و (استغلَّ) : (استقلّيْت واستغلّيْت. والقاعدة في ذلك فك الإدغام في الحرف المشدد وهو الدال في (استبدَّ). واللام في (استقلَّ واستغلَّ). فتقول: (استبددتُ واستقللتُ واستغللتُ)، كما تقول: استكتبتُ، ولا وجه لإدخال الياء الساكنة البتة»(6).
وكان الذي دعا أستاذنا أحمد مختار إلى قبول الظاهرة مشابهتها مشابهة ظاهرية للتخلص من التضعيف، وهو ما جاء في قول سيبويه «(باب ما شذ فأبدل مكان اللام الياءَ لكراهية التضعيف، وليس بمطّرد) وذلك قولك: تسرَّيْتُ، وتظنَّيْتُ، وتقصَّيْتُ»(7). قال الأستاذ «ولهذا ما يشبهه عند العرب، حين عمدوا إلى إبدال بعض الحروف المكررة ياء، في مثل: «يَتَسَنَّن ويتسَنَّى»، و«تَظَنَّنْت وتَظَنَّيت»، و«تقضَّضْت وتَقَضَّيْت»، و«تَسَرَّرْت وتَسَرَّيْت»، و«دَسَّس ودَسَّى»، و«تَمَطَّط وتَمَطَّى»، و«تَحَنَّنت وتحنَّيْت»، و«أمْلَلْت وأمْلَيْت»، و«مربَّب ومربَّى»، وغير ذلك، ومن ثمَّ يمكن قبول الاستعمال المرفوض» (8).
والذي فعله العرب، عندي، هو أنهم كرهوا المتماثلات اللفظية فحذفوا اللام وأدخلوا ياء الوقاية حماية للمدغم الذي يدل إدغامه على البنية. والناس اليوم أرادوا بقاء المدغم بعد الإسناد كما كان قبله (عدَّيْتُ)، أما قول العرب القدماء فمقبول لغةً ولكنه ليس من العربية المشتركة فلا يقاس عليه، وأما استعمال الناس اليوم فليس مقبولًا خلافًا لأستاذنا مختار ووفاقًا للزعبلاوي.
**__**__**__**__**__**
(1)الكتاب لسيبويه، 3/ 535.
(2) شرح كتاب سيبويه للسيرافي، 4/ 268.
(3) الكتاب لسيبويه، 4/ 396.
(4) أخطاء اللغة العربية المعاصرة عند الكتاب والإذاعيين لمختار، ص111.
(5) معجم الصواب اللغوي لمختار، 1/ 114.
(6)دراسات في النحو للزعبلاوي، ص673 (بترقيم الشاملة آليا).
(7) الكتاب لسيبويه، 4/ 424.
(8) معجم الصواب اللغوي لمختار، 1/ 114.