علي حسين (السعلي)
قبل كل شيء، نحن أمام فيلم يشد المشاهد منذ اللحظة الأولى، من خلال حكواتي يروي أحداثه بسرد ذكي، وبناء إخراجي متميز يضع المشاهد في بؤرة فنية تجذبه، وتدفعه إلى التساؤل: ما قصة هذا الفيلم؟!
مع اقتراب شبح الحرب من مصر عام 1967م، تبدأ الحكاية بسرد تلفزيوني مقنع إلى حد كبير، وكأننا نشاهد سيرة مصر عبر رؤسائها والتحولات التي عاشتها في عهد كل رئيس. وهذا ما يجعل مهمة المخرج صعبة، لكن المبدع أبوبكر شوقي قَبِل التحدي فنيًا، وأثبت أن المبدع العربي قادر على التميز والتألق، وسنأتي إلى تفصيل ذلك لاحقًا.
قصة الفيلم
تبدأ القصة بعازف بيانو يعشق المستحيل. ولم يكن العزف في أول مشاهد الفيلم، ودخول والدته عليه، وانزعاج جيرانه من عزفه، ثم التفاف أفراد الأسرة في بيت مصري بسيط لمشاهدة كرة القدم؛ كل ذلك لم يكن عبثًا من المخرج، بل أراد أن يدخل بالمشاهد إلى عالم هذه الأسرة المصرية، ومنها ينقله إلى ما يشبه السجل التوثيقي أو سيرة وطن.
يكتب هذا العازف نوتته بطموح شخصية «أحمد»، ويصوغ لحنه وسط ظروف الحرب، ثم يبدأ في مراسلة حبيبته التي عشقها وتزوجها لاحقًا، وهي النمساوية «ليز»، متجاوزًا الحدود والمسافات. وتصبح رسائلهما بمثابة «المسافة صفر» في بداية الغرام، لتنطلق الحكاية من تلك العائلة المصرية البسيطة إلى تناغم بين الحلم البعيد وإيقاع الحب، عبر شخصيات رئيسة أدّى أدوارها عدد من النجوم، منهم: نيللي كريم، وأمير المصري، وفاليري باخنر، وأحمد كمال.
إبداع مخرج وتصوير فنان
فيلم «القصص» (2025م) للمخرج المصري أبوبكر شوقي ليس فيلمًا عاديًا يمر مرور الكرام، بل هو عمل يحتاج إلى أن تشاهده مرات عدة؛ فهو أشبه بوثيقة فنية وتاريخية تستعيد جانبًا من إرث الكنانة «مصر».
نجح المخرج في إعادة سرد تاريخ مصر بأسلوب فني انتقالي، مستثمرًا أدواته الإخراجية بمهارة. فمن خلال هذه العائلة البسيطة يأخذنا إلى إيقاع الحياة والناس والحارة والجيران، ويقدم قراءة في مستقبل هؤلاء جميعًا ضمن فيلم واحد.
وبالتعاون مع فريق التصوير، جعلنا المخرج نشعر بأننا جزء من هذه العائلة؛ نركض معها بأعيننا، ونلاحق شخصياتها من مصر إلى النمسا، حيث يلتقي أحمد بحبيبته «ليز».
نحن أمام فيلم يعيد إلينا الذاكرة السمعية والبصرية: الطرب، ومشاحنات أبناء الحارة، وتفاصيل الحياة اليومية، وصولًا إلى تجنيد أحد أبناء العائلة وسقوطه شهيدًا.
رحلة أحمد والأبعاد الفنية
نتابع رحلة أحمد (أمير المصري)، عازف البيانو الطموح الذي يسعى إلى تحقيق أحلامه وسط تحديات الحياة وتقلبات العلاقات العائلية والعاطفية. وتمتد الأحداث زمنيًا من عام 1967م إلى عام 1984م، مقسمة إلى فصول تحمل تواريخ مفصلية.
وحين أخبر أحمد حبيبته «ليز» بأنه عندما يكبر سيصبح «أصلع»، ولم تُعر حديثه اهتمامًا، كان ذلك من أجمل مشاهد الفيلم وأكثرها عفوية. وحتى عندما أرادت السفر إلى بلدها النمسا، عادت لتكمل مسيرة الحب على أنغام الحياة وتقلباتها.
شخصية فيروز وإبداع نيللي كريم
قدمت الفنانة نيللي كريم واحدًا من أجمل أدوارها في شخصية «فيروز»؛ فهي شخصية نكدية ومحبة في الوقت نفسه، تصرخ وتغضب، لكنها تمتلك قلبًا نابضًا بالأمل. وهذا التناقض في بناء الشخصية أتاح لنيللي كريم مساحة واسعة للإبداع.
حتى في مرضها، اختزلت في جملة واحدة دلالة عنوان الفيلم «القصص»، حين قالت لابنها أحمد، وهي تشارف على الموت: «النهارده».
سطر وفاصلة
ثمة تفاصيل فنية لافتة تستحق التوقف عندها؛ منها النجفة المعلّقة فوق عازف البيانو، وانتظار سقوطها في بيته، لكنها لا تسقط، في حين يواصل العزف في مقر عمله. وكذلك تغيّر الرؤساء، فيما يبقى وجه المذيع التلفزيوني واحدًا.
ومن التفاصيل ذات الدلالة أيضًا حلم أحمد بأن يحظى بصورة مع أحد الرؤساء؛ وهو حلم بسيط لشاب مصري كبر، لكنه ظل متعلّقًا به، راغبًا في أن يعلّق تلك الصورة مفتخرًا بها على جدار بيته.
أسئلة كثيرة أثارها فيلم «القصص»، وأكتب جازمًا بأنه مؤهل لنيل جوائز محلية وعربية ودولية.
شكرًا لهذا المخرج المبدع، وشكرًا للموسيقى التصويرية، وشكرًا لمدير التصوير وفريقه، الذين نقلوا إلينا حياة مصر عبر محطات تاريخية مهمة، وقدَّموا سيرة وطن وحياة أمة على أرض الفراعنة.