خالد محمد الدوس
في عالم متغير تتصادم فيه التحولات الثقافية والتغيرات الاجتماعية..
هل تساءلنا يوماً لماذا تتغير عاداتنا وقيمنا بهذه السرعة..؟! أو كيف تشكلنا التكنولوجيا وتعيد تعريف علاقاتنا..؟
هذه الزاوية الثقافية الاسبوعية لا تكتفي بوصف التحولات من حولنا، بل تحمل منهج «علم الاجتماع».. ليطرح الأسئلة الجوهرية عليها....
نحن هنا لنسبر أغوار الظواهر الاجتماعية والثقافية الخفية، ونحولها إلى نقاش (ثقافي اجتماعي) واضح مع أحد الخبراء أو الباحثين في ميدان علم الاجتماع. نحاول مقاربة هذه الاستفهامات بعيدا عن الإجابات الجاهزة..!
ضيفنا في هذه الزاوية الثقافية: د. محمد ابن جنيد باحث وخبير في منظومة البحث العلمي والدراسات الاجتماعية، نحّول العدّسة لرؤية الباحثين والمتخصصين في حقول علم الاجتماع كما يرصدونها في الميدان، ويتعاملون بالتالي مع المجتمع بوصفه نظاماً معقداُ من المعاني والقوى والصراع..
طرحنا عليه بعض التساؤلات من واقع معطيات علم الاجتماع فكانت الإجابة -وكما يقول- ضيف الزاوية:
* في ظل التحديات والتغيرات الثقافية.. هل أصبح «الذكاء الاصطناعي» وكيلاً عن الأسرة والمعلم في التنشئة القيمية؟ وما الخطورة عندما تتولى خوارزمية محايدة (أو منحازة) غرس مفاهيم مثل «الصدق» و«الأمانة»..؟!
- أرى أن الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة يمكن توظيفها في التعليم والتربية، متى ما تم استخدامها بطريقة سليمة، إذ تشير مجموعة من الدراسات أن بعض التطبيقات المعززة بالذكاء الاصطناعي ساهمت في تحسين مهارات التعلم ودعم الفهم والتفكير، بينما من جهة أخرى قد يضعف استخدام الذكاء الاصطناعي التعلم المستقل حين يعتمد عليه المتعلم في الحصول على الإجابات كقوالب جاهزة دون جهد فكري، لذلك ترتبط الاستفادة منه بالمحافظة على التحفيز والاستقلال الفكري والنقدي، ومناقشة مخرجاته والتحقق منها، وهذا هو مربط الفرس في الحكم على إيجابية أو سلبية الذكاء الاصطناعي، وأما في التنشئة القيمية، يمكنه المساعدة في شرح مفاهيم مثل الصدق والأمانة ومناقشة المواقف الأخلاقية، لكن الأدلة العلمية المتاحة لا تكفي لاعتباره بديلا للأسرة والمعلم في ترسيخ هذه القيم سلوكيا، وتكمن الخطورة في منحه سلطة مطلقة لتوجيه أحكامنا، فقد أظهرت بعض التجارب أن النصائح المولدة بالذكاء الاصطناعي تستطيع التأثير في الحكم الأخلاقي، ومن هنا ينبغي أن يبقى دوره داعما للتفكير والحوار، مع احتفاظ الإنسان بمسؤولية التقييم والاختيار، مع التأكيد على أننا لنتمكن من فهم المزيد عن تأثير الذكاء الاصطناعي، فنحن بحاجة للمزيد والدراسات والبحوث في هذا الجانب، والمزيد من التوعية.
* هل نحتاج إلى «تربية رقمية» كضرورة وجودية..؟ وما ملامحها من منظور علم اجتماع التنمية..؟!
- بكل تأكيد، فنحن نعيش عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي، وأصبحت الحاجة ملحة إلى مشروع مجتمعي شامل للتربية الرقمية، فمن منظور علم اجتماع التنمية، يرتبط نجاح الرقمنة وتعزيز إيجابياتها بقدرة الإنسان على الاستفادة منها في التعلم والعمل وبعض مناشط الحياة، مع المحافظة على استقلاله الفكري والنقدي، وتتمثل ملامح هذا المشروع برأيي في تكامل أدوار الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات المجتمعية، وتنمية مهارات التحقق من المعلومات، وفهم تأثير الخوارزميات، والهندسة الاجتماعية، والاستخدام المسؤول للتقنية، وترسيخ الأمانة واحترام الخصوصية، وحقوق الآخرين، ويتطلب ذلك تأهيل فئات المجتمع من آباء ومعلمين ومختصين في مختلف المجالات، وتوفير التدريب والدعم لمختلف فئات المجتمع، مع تقييم نجاح المشروع بمدى تحسن قدرات الأفراد وانعكاسها على حياتهم وتكافؤ الفرص بينهم للوصول بهذا المشروع لأكبر شريحة ممكنة.
* كيف تتعامل البنية الثقافية في مجتمعنا الفتي مع القيم الوافدة؟ هل هناك «فلترة ثقافية» أم «استيعاب» أم «صراع»..؟!
- أرى أن التعامل مع القيم الوافدة ينبغي أن يستند إلى هويتنا السعودية وقيمنا العربية والإسلامية المعتدلة، بوصفها مرجعية للتمييز والاختيار، ومن هذا المنطلق، يكون التعامل أقرب إلى الانتقاء الثقافي الواعي، فنستوعب القيم الإيجابية التي تثري حياتنا، ونتعامل بالنقد البناء مع ما يتعارض مع ثوابتنا. فالاعتزاز بالهوية يمنحنا أساسا للانفتاح بثقة ووعي.
ومن جهة أخرى قد يتفاوت أفراد المجتمع في تقبل بعض العادات والممارسات الجديدة، وينشأ عن ذلك اختلاف يستدعي الحوار والاحترام المتبادل، وهنا تبرز أهمية التمييز بين ثوابت الهوية والعادات القابلة للتغير، وإتاحة مساحة للاختلاف واحترام الآخر، مع المحافظة على مرجعيتنا وقيمنا الأساسية.
* تشير دراسة حديثة حول تأثير (المؤثرين ) بالمواقع الرقمية على الشباب السعودي إلى أنهم يلعبون دوراً «مزدوجاً»: زيادة الوعي في مجالات متعددة..! لكن أيضاً الترويج لقيم تتعارض مع المبادئ والمعايير الأصيلة وتسبب بالتالي تقلبات مزاجية.. !!كيف يمكن لعلم اجتماع التنمية أن يتعامل مع هذه «الازدواجية القيمية»..!؟
- أرى أن التعامل مع التأثيرات المتباينة للمؤثرين يتطلب تكامل التوعية مع التنظيم والمساءلة، فمن المهم تنمية وعي الشباب واستقلالهم الفكري والنقدي وفق الأسس السليمة، بالتوازي مع ضوابط واضحة تحمي ثوابت المجتمع وحقوق أفراده، وتلزم المؤثرين بتحري الدقة والصدق، والإفصاح عن المحتوى الإعلاني، بل وتقديمه بمسؤولية وأمانة، وحثهم على الحد من المعلومات الخاطئة أو المثيرة للجدل أو التي تتنافى مع هويتنا والضوابط الأخلاقية، كما ينبغي تعزيز مسؤوليتهم الاجتماعية وإشراكهم في مبادرات معرفية وتنموية، بما يحول حضورهم الرقمي إلى مساهمة إيجابية في بناء الإنسان والمجتمع، مع المحافظة على مساحة الحوار والاختلاف المسؤول، وأما فيما يخص دور علم اجتماع التنمية فيمكنه أن يفهم ويحلل تأثير المؤثرين في الشباب، وأن يقدم أساسا علميا لتوجيه هذا التأثير نحو تنمية قدراتهم ومشاركتهم ومسؤوليتهم الاجتماعية، فهو ينظر إلى العلاقة بين المحتوى الرقمي وبيئة الشباب الأسرية والتعليمية والاقتصادية، وما تتيحه لهم من فرص وما تفرضه من ضغوط، وما الحلول المناسبة للتعامل معها.