د.عبدالإله آل سودا
وتَحدُثُ المفارقة حين نتحصّل على أطروحة قوية، وباحث ضعيف؛ لتتكوَّنَ فجوةٌ في الأداء بين مُنجزٍ بحثي مُتقَن، وباحثٍ ضعيف لا يُحسِنُ الإجابة الشفهية عن بحثه، ولا تقديمه في عرضٍ أمام الفاحصين.
وإذا كان مَكْـسَبًا للطالب أن يختصر الذكاءُ الاصطناعي عليه الجهدَ والوقتَ في التنسيق والفهرسة أو بعض الأعمال التقنية؛ فإنه من الخسارة أن يختصر عليه الوقتَ والجهدَ في قراءة المصادر والمراجع، وتكوين المشكلة، وبناء الحجة، وترجيح التفسيرات، إذ سنكون أمام بحث قوي في مضمونه ولغته، وباحثٍ ضعيف في معرفته وتكوينه، ولنا أن نُسائل أنفسنا حينها: ما الفائدة إذن من برامج الدراسات العليا التي من أهم أهدافها تكوين الباحث(الإنسان) ليُنتج هو المعرفة؛ لا تكوين البحث الجيد الذي يُنتجه الذكالي. ولهذا ليس صحيحًا أن كل ما تستطيع الآلة فعله للباحث ينبغي أن نوكِلَه إليها؛ ففي هذا فسادٌ للبحث العلمي، وجنايةٌ على الباحث. وقد تستطيع الآلة صياغة الحجة، لكن معاناة الباحث وكَبَدَه في بناء الحجة هي جزء من تكوينه؛ فمن خلال المحاولة سيكتشف أن فكرته لا تعمل، أو أن دليله أضعف مما ظن، أو أن تفسيرًا منافسًا أكثر قوة.
ومما أدهشني وبَـرْهَنَ على اتساع الأزمة، أن الاستعانة بالذكالي بدأت تُطبَّق في الحُكم على المعرفة وتقويمها، ولم تقتصر على إنتاجها وتوليدها! وإذا كنا نطالب الباحث بالإفصاح عن استخدامه للذكاء الاصطناعي، فماذا عن المُـحَـكِّم؟ هل يجوز له أن يُدخل بحثًا غير منشور إلى نموذج آلي عام؟ ومن يتحمل مسؤولية التقييم إذا كتب الذكالي تقريرَ التحكيم؟ وهل يبقى «التحكيم العلمي» تحكيمًا بشريًا إذا كان المُحكِّـمُ قد فوّض الحكمَ نفسه إلى الآلة؟
هذه الأسئلة ليست افتراضًا من عندي؛ فقبل شهرٍ أثارت تجربة بريطانية جدلًا واسعًا بعدما استُخدم الذكاء الاصطناعي في الفرز الأولي لـ179 مقترحًا بحثيًا ضمن برنامج CRANE التجريبي في الأمن السيبراني، المستضاف في جامعة أكسفورد والممول من مجلس بحوث الهندسة والعلوم الفيزيائية (EPSRC). وبحسب ما نُشر عن التجربة، استُخدمت نماذج من الذكالي متعددة لتقدير المقترحات وفق سبعة معايير، منها الملاءمة والجودة والجدة والجدوى والقيمة مقابل المال، ثم أُجريت عملية ثانية بنماذج مختلفة لتقليل أثر انحياز نموذج واحد، وجُمعت الدرجات في ترتيب نهائي. وكانت النتيجة أن النصف الأعلى فقط انتقل إلى المراجعة البشرية؛ أي أن نحو نصف الطلبات استُبعد قبل أن يقرأها محكّم بشري.
وللإنصاف، لم يكن ذلك هو النظام الرسمي الذي تستخدمه UKRI في جميع منحها، بل تجربة في برنامج ممول منها، وقد أثارت بالفعل اعتراضات. أما UKRI نفسها فأعلنت في سبتمبر أنها تستكشف التقييم بمساعدة الذكاء الاصطناعي مع ضوابط وتجارب تقارن أحكامه بقرارات بشرية سابقة، مؤكدة في الوقت نفسه أن الحكم البشري ينبغي أن يبقى في قلب قرارات التمويل.
وهنا يظهر سؤال عميق: من يملك سلطة تعريف «البحث الجيد»؟
فإذا كان النموذج قد تعلم من السجل السابق للبحوث والمقترحات والتقييمات، فهو بذلك يَحْمل في داخله، بدرجة ما، صورةَ الماضي عما يعد مشروعًا جيدًا. والواقع أن البحث العلمي لا يعيش على تكرار الماضي فقط، ولهذا لا ينبغي أن يكون «الاختلاف عن النمط» وسيلة تؤدي إلى وأد الابتكار.
وثمة أثرٌ آخر ربما يكون أخطر من رفض بعض المشروعات، وهو أن يتكيف الباحثون أنفسُهم مع الخوارزمية(الذكالي)، وذلك حين يعلم الباحثُ أن أول قارئ لمقترحه ليس عالِـمًا بشريًا، وإنما نموذج ذكاء اصطناعي، فكيف سيكتُب هذا الباحثُ بحثَه؟ هل سيكتبه بالطريقة التي تجعل الفكرة أوضح لزميل متخصص؟ أم سيتعلم بمرور الوقت اللغةَ التي تمنحه بها الخوارزمية درجة أعلى؟هل سيجعل مقترَحَه أكثر معيارية؟ هل سيتجنب الأفكار الإبداعية الغريبة لأنها قد تربك النظام؟ وإذا حدث ذلك، فقد لا يكون الخطر أن الذكالي رفض البحث، بل أن الباحث غيّر بحثَه أو فكرتَه البحثية قبل تقديمها لكي يُرضي الذكالي! وهنا ستكون القاصمة للبحث العلمي؛ إذْ ستتحول الأداة من مقيم خارجي بشري مرِن يعلمُ طبيعةَ البحث العملي، إلى قوة تعيد تشكيل ما يكتبه الباحثون أصلًا.
وقد نصل إلى مشهد عبثي تمامًا يتمثّل في ذكالي يساعد الباحث على كتابة المقترح، ثم ذكالي آخر يقيم المقترح، ثم يتعلم الباحث كيف يجعل الذكاء الاصطناعي الأول يكتب بطريقة ترضي الذكاء الاصطناعي الثاني! وعندها ستكون المسوغات قوية لنسأل: أين الباحث؟ وأين التحاوُر بين أفكار البشر(الباحثين) وأحكام خبراء البشر عليها؟
على أن الذكالي يمكننا قبول أن يساعدنا في الحكم، لكنْ لا ينبغي أن يكون هو الجهة الوحيدة التي تقرر ما يستحق أن يدخل إلى دائرة الحكم أصلًا. ومن هنا يتضح أساس المشكلة كلها؛ ففي الرواية كان السؤال: من كتب؟ وفي الرسالة الجامعية: من فكر؟ وفي التحكيم ال علمي: من أصدر حُكمًا؟ وفي التمويل: من قرر أي سؤال يستحق أن يُبحث؟
وإجمالاً أقول: إننا أمام إعادة توزيع محتملة للسلطة المعرفية على طول السلسلة كلها: من إنتاج النص، إلى تقويمه، إلى نشره، إلى تمويله. وهنا يجب أن نعي أن السلطة المعرفية يجب أن تتركز لدى الإنسان وحدَه، لأن الحُكم العلمي يتضمن أحيانًا أشياء يصعب اختزالها في الدرجة المعيارية، كالمغامرة، والحدس، والغرابة المنتجة، وفهم السياق، وقبول مخاطرة قد تبدو غير عقلانية بمقاييس الماضي.