محمد بن عبدالله آل شملان
في غمار هذه الحياة المتسارعة، حيث تستحوذ علينا المشاغل وتسرقنا الأيام من تفاصيل بيوتنا، نقف أحياناً نتأمل أعظم الاستثمارات التي بين أيدينا. نكتشف حينها أن أغلى ما نملك ليس مجداً شخصياً نبنيه، ولا ثروات نجمعها، بل هي تلك النبضات الصغيرة التي تسكن منازلنا؛ هم أبناؤنا الذين ينظرون إلينا ككل شيء في دنيانا، وينتظرون منا لفتة، أو حناناً حانياً، أو توجيهاً يضيء عتمة حيرتهم.
وعندما نبحث في سفر التاريخ المعاصر عن منارة تجسد معنى الأبوة الصادقة، والمسؤولية التربوية في أبهى تجلياتها، يقودنا الوجدان فوراً إلى قصر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز. هناك، حيث تُدار شؤون وطن، وتلتقي خطوط الإدارة المعقدة، نجد درساً عاطفياً وإنسانياً يهز القلوب؛ ملكاً يبهر العالم بمهابته، لكنه داخل أسوار قصر يخلع رداء الرسميات ليكون الأب والمربي والقدوة التي لا تغيب عنها غائبة من شؤون أبنائه، والشريك الأول والداعم الأكبر لرسالة «المعلم».
تأملوا بقلوبكم قبل عقولكم ما رواه الأستاذ عبدالرحمن العجاجي، ذلك المعلم الذي قضى سبعة عشر عاماً يرقب هذا المحراب التربوي الفريد. تخيلوا ذلك المشهد المهيب: الملك سلمان، برغم مشاغله الجمة التي تنوء بها الجبال، يجلس في مسائه ليمد يده الشريفة، يتحسس التقارير المدرسية لأبنائه «الأمراء: محمد، تركي، خالد، نايف، بندر، وراكان». لا يكتفي بإلقاء نظرة عابرة، بل يقرأ السطور بتفحص، ويدون ملاحظاته وعباراته الأبوية على شهاداتهم بخط يده؛ يلمس على كتف المجتهد بعبارات الفخر، ويتلمس مواطن النقص لدى المتعثر بلغة تنضح عطفاً وحنواً ليوجهه نحو الصواب.
إنها صورة إنسانية بالغة العمق، تهمس في أذن كل ولي أمر في هذا العالم: «إذا كان أمير الرياض وقتها وقائدها يجد وقتاً ليدقق في تفاصيل دراسة أبنائه، فما هي حُجتك أنت؟». إن الملك سلمان لم يعترف يوماً بضيق الوقت عندما يتعلق الأمر بأمانة التربية، ولم يقبل بأن تلهيه شؤون الحكم عن غرس الانضباط الأخلاقي، والتزام المواعيد، وفي مقدمة كل ذلك: توقير المعلم واحترامه.
وهنا يتجلى الدرس الأكثر عمقاً لكل أب وأم؛ ففي مدرسة سلمان التربوية، كان «الانضباط الأخلاقي» مقترناً بشكل وثيق بكيفية تعامل الأبناء مع معلميهم. لقد لمس الأستاذ العجاجي بنفسه ثمار هذا الغرس الملكي في تعامل الأمراء معه، حيث كان «الاحترام والتقدير» هو سمتهم الأبرز والصفة السائدة في علاقتهم بمعلميهم. لم يكن الملك سلمان يرى في المعلم مجرد مؤدٍ لوظيفة، بل كان يراه شريكاً في صناعة مستقبل أبنائه وبناء عقولهم، ولذلك زرع في نفوس أنجاله أن هيبة المعلم من هيبة الأب، وأن احترام من يمنح العلم هو أولى خطوات المجد والقيادة.
لم تكن التربية في مدرسة سلمان مجرد تلقين لدروس جافة، بل كانت عناقاً للأرواح، وتكاملاً مخلصاً بين البيت والمدرسة. كان الأب العظيم يتابع ويقوّم، وفي الوقت ذاته يدعم المعلم ويسانده، مصداقاً للوعي بأن يد الأب وحدها لا تصفق إن لم تصافح يد المعلم بإجلال وإكبار.
يا كل أب، ويا كل ولي أمر يتوق لرؤية أبنائه في أعلى مراتب النجاح والفلاح: اجعل من سلمان الإنسان قدوتك التي لا تخيب. التفت إلى أبنائك اليوم، انظر في عيونهم، تصفح دفاترهم ومنصاتهم المدرسية، واغرس في قلوبهم حب معلميهم وتوقيرهم. علموهم أن احترام المعلم هو الذي يبارك في العلم، وأن الانضباط الدراسي يبدأ من تقدير ذلك الإنسان الذي يحترق لينير دروبهم.
إن الثمار العظيمة التي نجنيها اليوم في وطننا، وعلى رأسها الرؤية الملهمة والعزيمة الفولاذية لولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ما هي إلا نتاج مباشر لتلك الساعات التي قضاها الملك سلمان يتابع ويوجه، ويغرس قيم الانضباط واحترام العلم والعلماء في قصر التربية.
لتكن بيوتنا مدارس يسكنها الانضباط ويلفها الحنان، ولنتعلم من سلمان القدوة كيف نصنع من الحب والمتابعة، والتقدير الصادق لرسالة المعلم، جسراً يعبر به أبناؤنا نحو مستقبل مشرق يفخر به الوطن وتأنس به النفوس.