د. منى بنت سعيد القحطاني
في يوم المعلم، الخامس من أكتوبر، نحتفي بمهنة عظيمة تُسهم في بناء الإنسان وتشكيل وعيه وصناعة مستقبله، ويتجدد معها سؤال تفرضه تحولات العصر: كيف نمكّن المعلم من قيادة التعلم حين يصبح الذكاء الاصطناعي شريكاً في التخطيط والتدريس والتقويم؟
تبدأ الإجابة من إدراك أن جودة ما تنتجه التقنية لا تكفي للحكم على جودة التعلم. وهذه قضية يضيئها تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية «نظرة مستقبلية للتعليم الرقمي 2026»؛ إذ تشير الأدلة التي يعرضها إلى أن تحسن أداء الطالب باستخدام الأدوات العامة لا يضمن تحقق التعلم، وفي بعض الدراسات، اختفى التفوق في جودة المخرجات، وأحيانًا انعكس، عندما اختُبر الطلاب دون الأداة، وفي المقابل، يمكن للاستخدام الموجه بغرض تربوي واضح أن يدعم التعلم وتنمية المهارات.
وهنا تتجلى مسؤولية المعلم؛ فقد يقدم الطالب نصاً متقناً، ثم يعجز عن تفسير حجته، أو يصل إلى إجابة صحيحة دون فهم خطواتها؛ لذلك يقود المعلم التعلم بتصميمه الواعي، وتيسيره للتفكير، وحكمه المهني، ضمن حوكمة مؤسسية تصون حقوق المتعلم، وتظهر كفايته في مواءمة الهدف والنشاط والتقويم، وجمع شواهد تكشف الفهم والاستدلال ونقل التعلم إلى مواقف جديدة، وتتيح المناقشة الشفوية، ومتابعة خطوات الإنجاز، والتطبيق المستقل صورة أعمق من المنتج النهائي وحده.
تلتقي هذه القضية مع تقرير «أطر كفايات المعلمين في الذكاء الاصطناعي»، الصادر عن معهد اليونسكو لتقنيات المعلومات في التعليم بالتعاون مع جامعة شنغهاي المفتوحة، وقد حلل ستة وثلاثين إطاراً وطنياً ومؤسسياً وأكاديمياً لدعم تطوير الأطر الوطنية وإعداد المعلمين، وينظم تحليله في أربعة أبعاد مترابطة: فهم الذكاء الاصطناعي، والممارسات التربوية، والسياسات والحوكمة، والتنفيذ وإدارة التغيير؛ مؤكداً مواءمة الاستخدام مع المنهج والتخصص والمرحلة الدراسية، وتجريب التطبيقات وتقويم أثرها قبل التوسع.
وفي المملكة، يقدم إطار «كفايات استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم الرقمي»، الصادر عن المركز الوطني للتعليم الإلكتروني، مرجعاً يجمع الفهم وتصميم التعلم والتحليل النقدي والاستخدام المسؤول وحماية الخصوصية وتقليل التحيز، ويتيح هذا الإطار دعم المعلم السعودي بمسارات نمو مهني ترتبط باحتياجاته وسياق عمله، وتتدرج من المعرفة إلى التطبيق، ثم إلى تقويم الممارسة وتحسينها؛ بما يعزز إسهامه في إعداد متعلم واعٍ، يمتلك مهارات المستقبل ويحسن توظيف التقنية بمسؤولية.
تحتل الأخلاقيات موقعًا أساسياً في هذه الكفايات؛ فالمحتوى المولد يحتاج إلى مراجعة علمية وتربوية، واستعانة الطلاب بالأدوات تستلزم حدوداً واضحة. ويساعد تحديد الاستخدام المسموح وطريقة الإفصاح عنه في تعليمات المهام ومعايير التقويم على تعزيز النزاهة الأكاديمية، واحترام حقوق المؤلفين، والمحافظة على أصالة العمل.
أما بيانات الطلاب، فتتطلب غرضاً محدداً وصلاحيات واضحة، وتقليل مشاركتها إلى ما تستلزمه المهمة، وتشمل المسؤولية المهنية فحص المحتوى والنتائج بحثاً عن تحيز قد يؤثر في عدالة التقويم، ومراعاة تفاوت فرص الطلاب في الوصول إلى التقنية.
وتوجه الأخلاقيات القرار المهني، وتحدد الحوكمة مسؤولياته وضوابطه وآليات مساءلته، وتحتاج المؤسسات التعليمية إلى تحديد الأدوات المعتمدة، ومسؤوليات الإشراف، وضوابط البيانات، وآليات معالجة الأخطاء والاعتراضات، مع إخضاع القرارات المؤثرة في مسار الطالب لمراجعة بشرية مسؤولة، ويتسق ذلك مع دعوة تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى الاهتمام بالخصوصية والسلامة، واختبار التحيز، والملاءمة العمرية، والشفافية.
وعلى مستوى التطوير المهني، تبرز أهمية التدريب القائم على مواقف العمل الفعلية؛ فيراجع المعلم محتوى، ويحمي بيانات، ويفحص نتيجة، ويصمم نشاطاً يحفظ استقلال المتعلم في التفكير والتعلم، ويبرر قراراته، وتتعمق قيمة التدريب بالتطبيق والتأمل والحوار المهني والتغذية الراجعة، وتُتابع فاعليته من خلال تطور كفايات المعلم وممارسته الصفية، وما يرتبط بذلك من شواهد تحسن تعلم الطلاب؛ لتصبح متابعة الأثر جزءًا من تصميم البرنامج منذ بدايته.
وتتجلى قيمة هذه المهنة العظيمة في بصيرة المعلم التربوية، وأمانته المهنية، وقدرته على تحويل الإمكانات التقنية إلى تعلم يصون كرامة الطالب وينمي استقلاله، ويستحق هذا الدور دعماً يوازي مسؤوليته، وتطويراً مهنياً مستداماً يرسخ جودة الممارسة؛ فالمعلم الذي نُمكنه اليوم يُعد أجيالاً تحسن استخدام التقنية، وتمتلك المعرفة والوعي للحكم على مخرجاتها وتحمل مسؤولية قراراتها.
«المعلم السعودي يحمل أمانة بناء الإنسان، ومن صفه يبدأ مستقبل الوطن».
** **
- مستشارة التطوير المهني والمؤسسي