د.شريف بن محمد الأتربي
في إحدى المدارس، دخل معلم إلى معمل الحاسب برفقة طلابه لتنفيذ مشروع ضمن المقرر. جلس الطلاب أمام أجهزتهم، لكن أحد الأجهزة لم يعمل، وآخر لم يكن البرنامج المطلوب مثبتًا عليه، وثالث تعذر عليه الاتصال بالشبكة.
اقترب مسؤول المعمل، تعامل مع المشكلة تلو الأخرى، أعاد تشغيل الأجهزة، أصلح الاتصال، وثبّت البرنامج المطلوب، ثم وقف بعيدًا يراقب الطلاب وهم ينفذون المهمة.
بعد دقائق، عاد كل شيء إلى طبيعته.
قد يبدو أن مسؤول المعمل أدى دوره على أكمل وجه.
لكن ماذا لو كان بإمكانه أن يفعل أكثر من ذلك؟
ماذا لو جلس قبل الحصة مع المعلم وسأله: ما الذي تريد أن يتعلمه الطلاب من هذا المشروع؟ وما الأدوات التي يمكن أن تساعدهم؟ وماذا لو اقترح أداة رقمية أفضل، أو طريقة تجعل الطلاب ينتجون مشروعًا بدلًا من مجرد تنفيذ خطوات محددة؟ وماذا لو انتهت الحصة بمنتجات رقمية صنعها الطلاب، بدلًا من مجرد استخدام أجهزة الحاسوب؟
هنا تحديدًا يتغير معنى الدور.
فمسؤول معمل الحاسب الآلي ليس مجرد الشخص الذي يضمن أن الأجهزة تعمل، وإنما يمكن أن يكون الشخص الذي يساعد المدرسة على أن تجعل التقنية تعمل من أجل التعلم.
عندما نتحدث عن العملية التعليمية، تتجه الأضواء غالبًا إلى المعلم، باعتباره الشخص الذي يقف أمام الطلاب ويشرح ويطرح الأسئلة ويقيس تعلمهم. لكن هناك أدوارًا أخرى تعمل في قلب العملية التعليمية، وإن لم تكن تحت الضوء بالقدر الكافي.
ومن هذه الأدوار مسؤول معمل الحاسب الآلي.
ولعل أول ما نحتاج إلى تغييره هو الطريقة التي ننظر بها إلى هذا الدور. فمسؤول المعمل ليس موظفًا فنيًا مهمته فتح المعمل، والتأكد من جاهزية الأجهزة، ومتابعة الأعطال، والمحافظة على العهدة. هذه مهام أساسية، لكنها لا تكفي لتفسير الدور الذي يمكن أن يؤديه هذا الشخص في مدرسة تعيش عصر التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.
مسؤول معمل الحاسب شريك تربوي في بناء الإنسان الرقمي.
فإذا كان الطالب يقضي جزءًا من يومه أمام الأجهزة والمنصات والتطبيقات، وإذا كانت مهاراته الرقمية أصبحت جزءًا من مستقبله الأكاديمي والمهني، فإن الشخص المسؤول عن البيئة التقنية في المدرسة يمكن أن يكون شريكًا في بناء هذه المهارات، وليس مجرد مسؤول عن الأجهزة التي يستخدمها الطالب.
من تشغيل الأجهزة إلى صناعة بيئة رقمية
هناك فرق كبير بين أن يكون الجهاز جاهزًا للاستخدام، وأن تكون المدرسة قادرة على توظيفه في التعلم.
قد تكون أجهزة المعمل حديثة، والشبكة تعمل بكفاءة، والبرمجيات متوافرة، ومع ذلك لا تحقق المدرسة القيمة التعليمية المتوقعة من هذه الإمكانات.
لماذا؟
لأن التقنية لا تصنع التعلم بمفردها.
القيمة تبدأ عندما يعرف المعلم كيف يوظفها، ويعرف الطالب كيف يستخدمها، وتعرف المدرسة كيف تجعل استخدامها مرتبطًا بأهدافها التعليمية؟
وهنا تظهر أهمية مسؤول معمل الحاسب الآلي بوصفه شخصًا يمكن أن يربط بين الإمكانات التقنية والاستخدام التعليمي.
فهو يعرف طبيعة الأجهزة والبرامج، ويستطيع أن يساعد المعلم على معرفة ما يمكن استخدامه منها، وأن يلفت الانتباه إلى بعض الإمكانات التي قد لا تكون معروفة، وأن يسهم في تهيئة بيئة تقنية مناسبة للنشاط أو المشروع.
وبذلك ينتقل دوره من سؤال: «هل الجهاز يعمل؟» إلى سؤال أكثر أهمية:
«كيف نجعل الجهاز يخدم التعلم؟»
الطالب لم يعد مستخدمًا فقط
في الماضي كان المطلوب من الطالب أن يعرف كيف يشغل الحاسب، ويستخدم برنامجًا أو يكتب مستندًا أو يجري بحثًا على الإنترنت.
أما اليوم فقد أصبح المطلوب أكبر بكثير.
الطالب يحتاج إلى أن يعرف كيف يبحث، وكيف يختار المصادر، وكيف يحمي بياناته، وكيف يتعامل مع هويته الرقمية، وكيف يميز المحتوى الموثوق من المضلل، وكيف يتعامل مع الذكاء الاصطناعي، وكيف ينتج محتوى رقميًا، وكيف يستخدم التقنية بطريقة أخلاقية ومسؤولة؟
وهذه ليست مهارات تقنية بحتة.
إنها جزء من بناء شخصية الطالب.
ومن هنا يستطيع مسؤول معمل الحاسب أن يشارك في تكوين هذه الثقافة، بالتعاون مع المعلمين وإدارة المدرسة، من خلال أنشطة وممارسات عملية تجعل الطالب يتعلم الاستخدام المسؤول للتقنية بدلًا من أن يكتفي باستخدامها.
فالطالب الذي يعرف كيف يحمي بياناته، ويفهم مخاطر مشاركة معلوماته، ويتحقق من الروابط والمصادر، ويدرك أن ما ينشره رقميًا قد يبقى أثره طويلًا، يتعلم دروسًا في المسؤولية لا يجدها بالضرورة في كتاب مقرر.
الذكاء الاصطناعي يوسع الدور
وإذا كانت التقنية قد غيرت دور مسؤول معمل الحاسب، فإن الذكاء الاصطناعي يفتح أمامه مجالًا أوسع.
فالمدرسة اليوم لا تستطيع أن تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره موضوعًا منفصلًا عن التعليم. إنه يدخل في البحث والكتابة والترجمة والتصميم والتحليل والبرمجة، ويغير الطريقة التي يتعلم بها الطلاب ويؤدون بها أعمالهم.
لكن امتلاك الطالب أداة ذكاء اصطناعي لا يعني امتلاكه القدرة على استخدامها بصورة صحيحة.
وهنا يمكن لمسؤول معمل الحاسب أن يكون أحد الداعمين للمعلمين والطلاب في التعرف على الأدوات المناسبة، وفهم حدودها، والتعامل معها بصورة آمنة وأخلاقية.
والأهم أن يساعد في نشر مفهوم مختلف:
نحن لا نريد طالبًا يعرف كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي فقط، وإنما طالبًا يعرف متى يستخدمه، ولماذا يستخدمه، ومتى لا ينبغي أن يستخدمه؟
وهذا انتقال من الثقافة التقنية إلى الثقافة الرقمية الواعية.
شريك للمعلم لا بديل عنه
قد يظن البعض أن إبراز دور مسؤول معمل الحاسب يعني تحويله إلى معلم تقنية، وهذا ليس المقصود.
الشراكة لا تعني إلغاء الأدوار، وإنما تكاملها.
المعلم يعرف طلابه وأهداف الدرس ونواتج التعلم التي يريد الوصول إليها، ومسؤول المعمل يمتلك معرفة بالإمكانات التقنية والبيئة الرقمية.
وعندما يتعاون الاثنان، يمكن أن تتحول التقنية من مجرد وسيلة عرض إلى أداة للتجريب والإنتاج وحل المشكلات.
قد يحتاج المعلم إلى منصة لتنفيذ مشروع، أو برنامج لمحاكاة ظاهرة، أو أداة لتحليل بيانات، أو بيئة برمجية تساعد الطلاب على بناء نموذج.
هنا لا ينبغي أن يبدأ السؤال من: «ماذا يوجد في المعمل؟»
بل من:
«ماذا نريد أن يتعلم الطالب، وما التقنية التي يمكن أن تساعدنا في تحقيق ذلك؟»
وهذا هو جوهر الشراكة التربوية.
ماذا عن تقييم الأداء؟
إذا كانت المدرسة تملك معايير لتقييم أداء مسؤول معمل الحاسب، فمن المهم أن تتجاوز هذه المعايير مؤشرات التشغيل وحدها.
نعم، يجب أن تكون الأجهزة جاهزة، والشبكة مستقرة، والبرمجيات تعمل، والعهدة منظمة، والأعطال تتابع بصورة فعالة.
لكن ماذا عن الأثر التعليمي؟
هل أسهم في زيادة توظيف التقنية في التعلم؟
هل دعم المعلمين في استخدام الأدوات الرقمية؟
هل أسهم في رفع الوعي بالأمن والسلامة الرقمية؟
هل قدم مبادرات للطلاب؟
هل واكب المستجدات التقنية؟
هل ساعد المدرسة على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي بطريقة مسؤولة؟
هذه الأسئلة تجعل التقييم أكثر قربًا من حقيقة الدور.
فالنجاح ليس أن يكون المعمل مفتوحًا والأجهزة تعمل فقط، وإنما أن تتحول هذه الأجهزة إلى فرص حقيقية للتعلم والإنتاج والابتكار.
المعمل الذي يصنع لا يستهلك
ربما نحتاج إلى تغيير الصورة التقليدية لمعمل الحاسب نفسه.
لماذا يكون مكانًا يأتي إليه الطالب لينفذ تعليمات محددة على جهاز؟
لماذا لا يكون مساحة يصمم فيها، ويبرمج، ويحل مشكلة، ويجرب، ويخطئ، ويعيد المحاولة، ويصنع منتجًا رقميًا؟
المدرسة التي تريد طالبًا مبتكرًا لا يكفي أن توفر له جهازًا.
عليها أن توفر له فرصة لاستخدام الجهاز في الابتكار.
وهنا يمكن لمسؤول معمل الحاسب أن يكون جزءًا من هذه الثقافة، وأن يساعد في تحويل المعمل إلى مساحة للمشروعات الرقمية، والبرمجة، والتصميم، وتحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، وغيرها من التطبيقات التي تجعل الطالب منتجًا للتقنية لا مستهلكًا لها فقط.
المدرسة لا تحتاج إلى «معمل» فقط
لقد تغير العالم من حول المدرسة، وبالتالي يجب أن تتغير الطريقة التي ننظر بها إلى الأدوار الموجودة داخلها.
مسؤول معمل الحاسب ليس مجرد شخص يحافظ على أجهزة المدرسة، كما أن محضر المختبر ليس مجرد حافظ للأدوات.
كلاهما يمكن أن يكون شريكًا في التعلم عندما تتاح له الفرصة ويُنظر إلى خبرته باعتبارها جزءًا من رأس المال التربوي للمدرسة.
فالمدرسة التي تريد أن تبني طالبًا قادرًا على الحياة في عصر رقمي لا يمكن أن تتعامل مع التقنية باعتبارها أجهزة، ولا مع مسؤولها باعتباره حارسًا لها.
السؤال الحقيقي ليس:
كم جهازًا لدينا؟
ولا:
هل يعمل المعمل؟
بل:
ماذا يستطيع طلابنا أن يفعلوا بهذه التقنية مما لم يكونوا يستطيعون فعله من قبل؟
عندها فقط نكون قد انتقلنا من امتلاك التكنولوجيا إلى توظيفها في بناء الإنسان.
وهنا تظهر قيمة مسؤول معمل الحاسب الآلي: ليس لأنه يجعل الأجهزة تعمل فحسب، وإنما لأنه يستطيع، بالشراكة مع المعلم وإدارة المدرسة، أن يساعد الطالب على أن يتعلم كيف يعيش ويعمل وينتج ويبدع في عالم أصبحت فيه التقنية جزءًا من كل شيء تقريبًا.