د. أماني عبدالله باهديلة
قد تبدو العبارة قاسية، لكنها الحقيقة التي ينبغي أن يسمعها كل طالب وهو يعبر بوابة جامعته في صباحه الأول. فالجامعة ليست ممراً زمنياً بين الثانوية والوظيفة، وليست سنوات تُختصر في محاضرة واختبار ومعدل تراكمي وشهادة معلقة على جدار. الجامعة، في معناها الأعمق، ورشة كبرى لصناعة الإنسان.
والطالب الذكي ليس من يحفظ أكثر، بل من يفهم أبعد.
ليس من يطارد الدرجة فقط، بل من يسأل نفسه: ماذا سأفعل بهذه المعرفة؟ وكيف سأحوّل سنوات دراستي إلى قيمة حقيقية تسبق اسمي عندما أصل إلى سوق العمل؟
نعيش اليوم زمناً مختلفاً. المعرفة التي كانت تحتاج أياماً للوصول إليها أصبحت بين أيدينا خلال ثوانٍ، والذكاء الاصطناعي بات يكتب ويحلل ويترجم ويقارن ويختصر. وهنا يصبح السؤال أكثر جرأة: إذا كانت الآلة تستطيع أن تمنحك المعلومة، فما الذي سيميّزك أنت؟ الجواب هو: عقلك.
قدرتك على التفكير، والنقد، والتحليل، والابتكار، واتخاذ القرار، والتواصل مع الآخرين، وتحويل المعرفة إلى أثر. فالذكاء الاصطناعي قد يمنحك إجابة مذهلة، لكنه لا يستطيع أن يمنحك شخصية، ولا شغفاً، ولا ضميراً مهنياً، ولا تجربة إنسانية صنعتها سنوات المحاولة والفشل والنهوض من جديد.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يفعله الطالب اليوم هو أن يستخدم التقنية لكي يتوقف عن التفكير.
الطالب الجامعي الذكي لا يجعل الجامعة مكاناً ينتظر فيه موعد التخرج؛ بل يحولها إلى مساحة لاكتشاف نفسه. يدخل المختبر، ويشارك في البحث، ويقف أمام الجمهور، ويتطوع، ويتدرب، ويقرأ خارج تخصصه، ويتعلم لغة أخرى، ويصادق الكتاب، ويحضر المؤتمرات، ويبني شبكة علاقاته المهنية، ويطرق الأبواب التي لم يطلب منه أحد أن يطرقها.
ولا يخجل من أن يقول: لا أعرف.
لأن «لا أعرف» عند الإنسان الذكي ليست نهاية المعرفة، بل بدايتها.
وفي وطن يعيش واحدة من أسرع مراحل التحول والطموح، لم يعد مقبولاً أن يكون طموح الطالب السعودي مجرد الحصول على وظيفة. رؤية السعودية 2030 فتحت أمام هذا الجيل فضاءات أوسع: البحث والابتكار، والتقنية، وريادة الأعمال، والصناعة، والسياحة، والثقافة، والصحة، والفضاء، والذكاء الاصطناعي، وغيرها من ميادين المستقبل.
الوطن يرفع سقف طموحه؛ فهل يرفع الطالب سقف طموحه معه؟
لا تنتظر سنتك الأخيرة لتكتب سيرتك الذاتية، ولا تنتظر التخرج لتكتشف أن سوق العمل يريد خبرة لم تبدأ في بنائها. اصنع قصتك المهنية وأنت طالب. اجعل لكل سنة جامعية إضافة، ولكل إجازة تجربة، ولكل فشل درساً، ولكل فرصة أثراً.
ففي يوم التخرج، سيقف آلاف الطلاب مرتدين العباءة نفسها، ويحمل كثير منهم شهادات متشابهة. لكن بعد أن تنطفئ أضواء حفل التخرج، سيظهر السؤال الحقيقي: ماذا تحمل مع الشهادة؟
هل تحمل فكراً؟ مهارة؟ تجربة؟ مشروعاً؟ لغة؟ بحثاً؟ شبكة علاقات؟ رؤية واضحة لمستقبلك؟
هنا فقط تبدأ المسافات بين الخريجين.
فالجامعة قد تمنح الجميع مقاعد متشابهة، ومحاضرات متشابهة، وربما شهادات متشابهة؛ لكنها لا تستطيع أن تمنح الجميع العقل نفسه، والشغف نفسه، والجرأة نفسها في صناعة المستقبل.
لذلك، عزيزي الطالب الجامعي، لا تجعل أجمل سنوات تكوينك تمر وأنت تعدّ الساعات المتبقية للتخرج
لا تتخرج بشهادة فقط... تخرّج وأنت مشروع إنسان يعرف ماذا يريد، وماذا يستطيع أن يقدم لوطنه والعالم
فالمستقبل لن يسأل طويلاً عن عدد السنوات التي قضيتها في الجامعة، بل سيسألك سؤالاً واحداً:
ماذا صنعت لنفسك في تلك السنوات؟
** **
جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن - الرياض