إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
يتلمّسُ الفنانُ وجهَ لوحته بوجَلٍ مشوبٍ بالترقّبِ الشديد، يسحبُ أنفاسَهُ الأخيرةَ أمام المساحةِ الممتدة التي استنزفت من روحِه أياماً وساعاتٍ طويلةً من العزلةِ الموحشةِ وتأملِ الظلالِ والغرف المغلقة، ثم يُنحي ريشَتَهُ جانباً كمن يضعُ سلاحَهُ بعد معركةٍ وجدانيةٍ مضنية. تهنأُ الألوانُ على سطحِ القماش ويجفُّ الملمسُ الخاميُّ تحت الضوءِ الخافتِ لسطوعِ المحترف ظاناً في لحظةِ نشوةٍ واستراحةِ فكرٍ أن الحكايةَ قد أغلقتْ أوراقَها وحسمتْ قدرَها النهائي. غيرَ أنّ الحقيقةَ التشكيليةَ الأكثرَ سحراً وتعقيداً تُخبرُنا بعكسِ ذلك تماماً؛ فلحظةُ جفافِ اللونِ ليست ختامَ المأساةِ ولا نهايةَ الملحمة، وإنما هي الضربةُ الأولى في جرسِ الفصلِ الأكثرِ ضجيجاً وحيرة: فصلُ اللقاءِ بالعين وبدءُ النزاعِ الأبديّ مع نصّ الناقد.
تلك اللحظةُ بالذات تفتحُ الجرحَ الفلسفيَّ العتيقَ الذي طالما شغلَ أروقةَ المتاحفِ ومحترفاتِ المبدعين عبر العصور المتتابعة: هل ينحني الناقدُ أمام اللوحةِ كظلٍّ باهتٍ يتبعُ أثرَ خطاواتِها ويشرحُ ظواهرَها السطحية؟ أم أنّه الرائي الخفيُّ الذي يحملُ القنديلَ في دهاليزِ الفكر، يصنعُ للعملِ مفهومَهُ الوجودي، ويرسمُ للمبدعِ الخارطةَ التي يتعقّبُ فيها مجدَهُ البصري ويحجزُ بها مقعدَهُ في سجلِ الذاكرةِ الحضارية؟
تجلسُ اللوحةُ في العتمةِ صامتةً مهما بلغتْ صرختُها التشكيلية، ومهما تداخلت فيها الصدماتُ اللونيةُ أو تعقدت تركيبتُها الهندسية، حتى يطأَ أرضَها متلقٍّ يمتلكُ أدواتِ القراءةِ ومشرطَ التحليلِ الجمالي. ولا يأتي للناقدِ الحقيقيِّ أن يكونَ قاضياً يمتلكُ منصةً مطلقةً لإصدارِ أحكامِ القبولِ أو الرفض، ولا معلماً يوزعُ صكوكَ الإجادة؛ إنما هو العاشقُ المتأملُ الذي يخوضُ مغامرةً استكشافيةً محفوفةً بالمخاطرِ في أعماقِ الأثر. إنه ينسابُ بين جزيئاتِ المادة، يتتبعُ حركةَ السكينِ النازفةِ على السطح، ويتسمّعُ لنبضِ الإيقاعِ المخبّأِ تحت طبقاتِ اللونِ الكثيفةِ والتراكماتِ الخاميةِ التي تركها المبدع في لحظات تجليه الصافية.
في هذه المساحةِ الفاصلةِ بين فعلِ الرؤيةِ الحسيّةِ وممارسةِ التأويلِ الفلسفي، يولدُ ما يمكنُ تسميته المعنى الثاني. إنه ذلك البُعدُ الجماليُّ الماكرُ الذي يفلتُ من يدِ الفنانِ نفسِهِ لحظةَ الانفعالِ والتأسيس؛ فالصانعُ قد تُحرّكُهُ الشحنةُ العاطفيةُ أو مصادفة الحدسِ الهارب، بينما يجيءُ النصُّ النقديُّ ليمنحَ تلك الصرخةَ العفويةَ لسانَ حكمةٍ، ويربطَ النبضَ الفرديَّ المعزولَ بسياقِ الحضارةِ والتاريخ. النقدُ هنا ليس مجردَ حاشيةٍ هامشيةٍ تُكتبُ على حوافِ الأثر، إنما هو ضوءٌ مكثفٌ يُسلطُ على المفصلِ المظلم ليجعلَ غيرَ المرئيِّ متاحاً لعينِ الجمهور ويمنحَ الشحنةَ البصريةَ قوةَ الاستمرارِ والتجدد عبر الأجيال المتعاقبة.
لم تكن العلاقةُ بين صاحبِ الريشةِ وصاحبِ القلمِ حلفاً هادئاً أو طريقاً مفروشاً بالورد في يومٍ من الأيام فقد تأرجحتْ عبرَ محطاتِ الفنِّ الإنساني بين الخضوعِ والمواجهة وسجلتِ التاريخُ التشكيلِي تحولاتٍ دراماتيكية يُستدلُّ بها على أثر الكلمة في مسار الصورة وتوجيه حركة الذائقة العامة. ففي أروقةِ المدارسِ الكلاسيكيةِ والواقعية كانت اللوحةُ هي السيدَ المطلقَ بوصفِها محاكاةً أمينةً للطبيعةِ والجسدِ البشري والمشهد الأسطوري واقتصرَ دورُ الناقدِ وقتئذٍ على دورِ المنسّقِ الأكاديمي الذي يقيسُ منسوبَ الإتقانِ بمقاييسِ المنظورِ الهندسي وقواعدِ التشريح، فكانت الكلمةُ تمشي خلفَ خطوطِ الرسامِ متأخرةً خطوة، وظلت السلطة الجمالية هنا حكراً للريشة دون منازع.
غير أنّه مع انفجارِ الحداثةِ وتبدّلِ المفاهيمِ في مطلع القرنِ العشرين، تمردت اللوحةُ على شكلِها الظاهرِ لتبحثَ عن مفهومِها الباطنِ وعوالمِ التجريدِ الفلسفي وهنا قفزَ الناقدُ إلى مقودِ السفينة؛ فنصوصٌ نقديةٌ مكثفةٌ لتجاربَ مثل كليمنت جرينبرج هي التي صاغتْ الأطرَ الفلسفيةَ للتعبيريةِ التجريدية، وجعلتْ من الفعلِ الحركيِّ التلقائي لـ جاكسون بولوك حدثاً يغيّرُ مجرى التاريخِ الجمالي، حيث أصبحت القراءة المفهومية تسبق اللوحة أحياناً وتمنحها بشرعية الوجود والقبول في المتاحف والمعارض العالمية الكبرى.
على الضفةِ الأخرى من العالم، حيث التراثُ ينبضُ بالحرفِ والموقفِ الصوفي لم تكن تجاربُ التحديثيينَ العربِ مجردَ ألوانٍ تُسكَبُ على القماش بل كانت بياناتٍ نقديةً وفكريةً شديدةَ العمق؛ فقد أثبتتْ تجربةُ شاكر حسن آل سعيد ومجلسه في جماعة بغداد للفن الحديث أن الرؤيةَ النقديةَ الواعيةَ بالبُعدِ الواحدِ وبالرمزِ التراثيِّ كانت شريكاً أصيلاً في اختراعِ الهويةِ البصريةِ للوحة العربية وتأصيل حضورها المعاصر في مواجهة التغريب، ولم تكن صدى عابراً للواقع الاجتماعي أو الاقتصادي المتغير.
ورغم هذا الانصهارِ التاريخي العميق نلمسُ اليومَ في المشهدِ المعاصرِ جداراً سميكاً ينشأُ بين الطرفين يمتلئُ بالريبةِ وينتهي في كثيرٍ من الأحيانِ إلى خصامٍ صامتٍ أو تجاهلٍ متبادل. وتعودُ أسبابُ هذا الشرخِ أولاً إلى انزلاقِ الكلمةِ إلى المجاملة وشيوعِ النقدِ الانطباعيِّ السريع واستبدالِ القراءةِ المنهجيةِ التفكيكيةِ بعباراتِ التجميلِ الصحفيِّ المبتذل، الأمرُ الذي يُضللُ الفنانَ ويحرمُهُ من المرآةِ الحقيقيةِ التي تطوّرُ أدواتِه وتصقل تجربته التشكيلية، فيتوقف عن النمو والابتكار ويغرق في التكرار الذاتي العقيم.
كما تتجلى الأزمةُ ثانياً في استغراقِ فئةٍ من النقادِ في التجريدِ اللفظي ولجوئهم إلى لغةٍ معقدةٍ تعجُّ بالمصطلحاتِ المترجمةِ والمستوردة دون بيئة، فتتحولُ المقالةُ إلى طلسمٍ مغلقٍ يعجزُ المبدعُ نفسُهُ عن فكِ أسرارِهِ، وينفرُ منه المتلقي البسيط، فيبقى النص في واد معزول واللوحة في واد آخر لا يلتقيان إلا في المظاهر السطحية العابرة. يضافُ إلى ذلك ثالثاً هشاشةُ الذاتِ المبدعة وتوجّسُ بعضِ الفنانينَ من كلِّ قراءةٍ تستهدفُ البناءَ الفني، وتعامُلُهُم مع الملاحظةِ النقديةِ بوصفِها مساساً بذواتِهم وتشكيكاً في موهبتهم الأصيلة في حين أن النقدَ الجادَّ إنما يستهدفُ تنقيةَ التجربةِ وصقلَ جوهرِها البصري المصفى ليكون أكثر صموداً أمام تحولات الزمن وحكم التاريخ.
إنّ فهمَ المبدعِ للعبةِ النقديةِ لا يعني الاستسلامَ لوصايةِ الناقدِ أو إلغاء ذاتية الفنان، وإنما يعني امتلاكُ المفاتيحِ الفكرية التي تُخرجُ تجرِبتَهُ من ضيقِ اللوحةِ الجميلة إلى اتساعِ المشروعِ الثقافيِّ الخالد. فالقراءةُ النقديةُ الرصينةُ تُتيحُ لك كشفَ الفكرةِ المحوريةِ التي تدورُ حولَها أعمالُك لتُقدمَ بيانك الفني ومشروعاتِك للجاليرياتِ والمتاحفِ بلغة مفهومة تحملُ ثقلاً معرفياً وتُميز تجربتك في زحام المشهد التشكيلِي، كما يُساعدُك النقدُ الموضوعيُّ في العثورِ على الخيطِ الخفيِّ الذي يربطُ اللوحاتِ المتفرقة لتبني سلسلة متماسكة يتحولُ فيها معرضُك من مجردِ تجميعٍ لأعمالٍ متباينةٍ إلى روايةٍ بصريةٍ ذاتِ مفاصلَ متكاملة ومحبوكة، فضلاً عن كون النقد الحقيقي يضعك أمام حيلك التقنية المكررة ويدفعك بقسوة محببة للخروج من منطقة الأمان وخوض أهوال التجريب في الخامات والوسائط الحديثة.
وكي يستعيدَ المشهدُ التشكيلِي عافيتَهُ، ويتجاوزَ حالةَ الفصامِ بين النصِّ والسطحِ الملون، يستلزمُ الأمرُ إرادةً مشتركةً تؤسسُ لبناءٍ جماليٍّ متين يُعيد للقلم والفرشاة هيبتهما المتبادلة في الفضاء الثقافي العام عبر خطوات عمليّة. يبدأ ذلك بإحياء حوار المحترف وعدم انتظار تعليق اللوحة على جدار المعرض بل دعوة الناقد والقيّم الفني إلى المرسم وهي لا تزال طيناً أو ألواناً طرية ليتشكل النص بالتوازي مع تشكّل الخامة ثم تدريب الفنان لروحه على الفصل بين الأنا والمنجز واستقبال النص النقدي بوصفه عملية جراحة تجميلية للسطح البصري، فالعمل حين يخرج من المرسم يصبح ملكاً للفضاء العام. وتكتمل هذه الخطوات بالأرشفة والتوثيق الحريص لكل كلمة جادة كُتبت عن الأعمال وجعلها جزءاً من الكتالوج المرجعي للمشروع، فالذاكرة الفنية تُبنى بالنصوص التي تُخلّد الصور وتمنحها هوية تاريخية لا تمحى بمرور السنوات.
ليس النقدُ خصماً للوحة، ولا اللوحةُ مستغنيةً عن الكلمة؛ فهما في المحصلةِ جناحا الطائرِ الذي يحملُ الحراكَ التشكيلِيَّ إلى فضاءاتِ التجديدِ والتأثير. حين يحملُ الفنانُ ريشَتَهُ بيقينِ العارفِ ومسؤولية التجريب، ويقبضُ الناقدُ على قلمِهِ بضميرِ الجمالِ والأمانة المعرفية، تتحولُ الصالاتُ التشكيلية من مجردِ مستودعاتٍ استعراضية للألوانِ إلى منابرَ فكريةٍ حية تصونُ ذاكرةَ الأمة، وتنقشُ حضورَها البصري على جداريةِ الثقافةِ العالمية الرصينة.
** **
X: AL_KHAFAJII