صبحي شبانة
جاء إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بدء العمليات العسكرية لاستعادة ما تبقى من أراضي الجمهورية وبسط سلطة الدولة، ليكون لحظة فارقة في مسار طال انتظاره، لحظة لا تشبه كثيرًا من التصريحات واللقطات العابرة التي اعتادتها الساحة اليمنية طوال سنوات الحرب، فهذا الإعلان لا يُقرأ بوصفه خطوة عسكرية عابرة في مسار نزاع طال أمده، وإنما يُقرأ بوصفه إعلانًا سياديًا بامتياز، إعلانًا بأن الدولة اليمنية، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى وثقل تاريخي وسيادي، لم تعد مستعدة لأن تبقى رهينة في يد مليشيا صادرت قرارها منذ أكثر من عقد، وحوّلت أرضها إلى ساحة اختبار لمشروع إقليمي لا علاقة له بمصلحة اليمنيين ولا بتطلعاتهم في دولة تحفظ كرامتهم وتوحّد صفهم، وهذا القرار، كما أوضح العليمي نفسه، لم يأتِ من فراغ، ولم يكن خيارًا سهلاً أو متسرعًا، بل جاء بعد استنفاد كل فرص التهدئة التي مُنحت للمليشيا مرارًا، ومُدّت لها الأيدي مرات عديدة بصدق ونية حسنة، فإذا بها في كل مرة تقابل يد السلام بمزيد من التصعيد، وتحوّل كل هدنة إلى فرصة لإعادة التسلح والتموضع، وكل مبادرة سياسية إلى محطة لكسب الوقت لا لبناء الثقة، حتى بات واضحًا أن الصبر الاستراتيجي الذي مارسته الشرعية اليمنية وحلفاؤها طوال هذه السنوات لم يكن ضعفًا، بل كان اختبارًا أخيرًا لجدية خصم أثبت، في كل محطة، أنه لا يبحث عن سلام، وإنما عن وقت إضافي يُمضيه في تعزيز قدراته العسكرية.
ومنذ سيطرتها على صنعاء بالقوة قبل أكثر من عقد من الزمن، لم تقدم مليشيا الحوثي للشعب اليمني شيئًا سوى مزيد من الانهيار، فهي لم تبنِ مدرسة واحدة تستحق أن تُذكر، ولم تُقم مشروعًا اقتصاديًا واحدًا يخدم المواطن، ولم تطور قطاعًا صحيًا أو زراعيًا أو صناعيًا، بل اكتفت بإدارة الأزمة وتدويرها، لأن استمرار الأزمة هو مصدر وجودها الوحيد، وتحت سلطتها انهارت مؤسسات الدولة التي بُنيت على مدى عقود، وتوقفت عجلة التنمية التي كانت اليمن تحاول أن تدفعها رغم كل الصعوبات، وتحول بلد كان يملك إرثًا حضاريًا يمتد آلاف السنين، من حضارة سبأ ومأرب إلى موانئ التجارة القديمة التي ربطت الشرق بالغرب، إلى بلد يُصنَّف اليوم ضمن أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، وهذا ليس من قبيل المبالغة، بل هو وصف دقيق لما فعلته جماعة اختارت السلاح بديلًا عن الدولة، والعنف بديلًا عن السياسة، والتعبئة الطائفية بديلًا عن الهوية الوطنية الجامعة التي كانت تجمع اليمنيين على اختلاف مشاربهم.
الحقيقة التي لم تعد تحتاج إلى كثير من الجهد لإثباتها، هي أن مليشيا الحوثي لم تكن يومًا طرفًا يمنيًا خالصًا بالمعنى الذي يفترضه أي صراع داخلي طبيعي، فهي منذ نشأتها العسكرية ارتبطت عضويًا بالمشروع الإيراني في المنطقة، تتلقى منه السلاح والتمويل والتدريب والعقيدة القتالية، وتسير وفق أجندته الإقليمية لا وفق مصلحة اليمن أو اليمنيين، وتتحول، كلما اقتضت الحاجة، إلى أداة تُستخدم في ميادين بعيدة عن حدودها، من تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر، إلى استهداف المنشآت المدنية والنفطية في دول الجوار، إلى إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة في اتجاهات لا تخدم إلا أجندة طهران في فرض معادلات ردع إقليمية بأذرع متعددة، تتوزع من لبنان إلى العراق إلى سوريا وصولًا إلى اليمن، وفي كل هذه الساحات تتكرر الوصفة ذاتها، جماعة محلية تُستنزف مواردها وتُستنزف أرواح أبنائها لخدمة مشروع لا يخصها، بينما تبقى كلفة المغامرة على الشعب المحلي وحده.
ومن هنا، فإن ما تمثله مليشيا الحوثي اليوم من خطر، لا يمكن حصره في إطار الصراع الداخلي اليمني وحده، بل يمتد إلى أمن المنطقة بأسرها، فحين تسيطر جماعة مسلحة غير خاضعة لأي قانون دولي أو سلطة سيادية على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، باب المندب، الذي يمر عبره جزء كبير من حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، فإن ذلك يتجاوز كونه تهديدًا إقليميًا إلى كونه تهديدًا لمنظومة الأمن البحري الدولي بأكملها، فالعالم الذي رفض يومًا أن يقر لإيران بحق التحكم في مضيق هرمز، أحد أهم ممرات النفط العالمية، لا يمكن أن يقبل، بمنطق أكثر تساهلاً، تسليم باب المندب لمليشيا تتصرف بوصفها ذراعًا إيرانية، وتُهدد بشكل مباشر حرية الملاحة ورفاهية الاقتصاد العالمي كلما اقتضت حساباتها السياسية ذلك، فالممرات الدولية ليست ملكًا لمن يسيطر عليها بقوة السلاح، وإنما هي حق مشترك للإنسانية كلها، ولا يمكن لدولة أو تحالف دول أن تقف مكتوفة الأيدي أمام محاولة احتكارها أو استخدامها كأداة ابتزاز سياسي أو اقتصادي.
وإذا كانت بعض القوى الدولية لاعتبارات تتعلق بتعقيد المشهد أو بمصالح آنية، قد تعاملت مع ملف الحوثي بشيء من التردد أو التأجيل، فإن الوقائع على الأرض لم تعد تحتمل مزيدًا من الانتظار، فكل يوم إضافي تبقى فيه المليشيا متحكمة في مساحات من الأرض اليمنية هو يوم إضافي من معاناة ملايين اليمنيين الذين يُحرمون من أبسط مقومات الحياة الكريمة، من دواء وغذاء وتعليم وكهرباء، بينما تُصرف موارد الجماعة وما تحصل عليه من دعم خارجي على التسلح والتعبئة لا على الإغاثة والبناء، وهذا بالذات ما يجعل قرار استعادة الدولة، كما أعلنه العليمي، ليس خيارًا عسكريًا بقدر ما هو واجب أخلاقي وسيادي تجاه شعب سُلبت منه الدولة بالقوة، ويستحق أن تُعاد إليه بنفس القدر من العزم والإرادة.
ولعل من أهم ما يميز هذه اللحظة أنها لا تأتي من فراغ، بل تأتي بعد سلسلة طويلة من المحاولات السياسية الجادة لإيجاد حل تفاوضي ينهي معاناة اليمنيين دون مزيد من إراقة الدماء، فقد قُدمت مبادرات عديدة، وثُبّتت هدن مؤقتة، وفُتحت قنوات حوار بوساطات إقليمية ودولية، وفي كل مرة كانت المليشيا تستغل هذه الفرص لا لتعزيز مسار السلام، بل لإعادة ترتيب أوضاعها العسكرية والتموضع من جديد استعدادًا لجولة تصعيد تالية، وهذا النمط المتكرر من السلوك يكشف حقيقة جوهرية، أن الحوثيين لا ينظرون إلى التهدئة كمسار نحو حل سياسي دائم، بل كأداة تكتيكية ضمن استراتيجية أوسع تقوم على إطالة أمد الصراع وتعميق حالة عدم الاستقرار، لأن استمرار الفوضى هو البيئة الوحيدة التي تضمن لهذه الميليشيا بقاءها ونفوذها، أما الاستقرار وعودة الدولة إلى كامل مؤسساتها فهو من منظورهم نهاية لمبرر وجودهم ذاته.
من هنا فإن معركة استعادة الدولة التي تخوضها الشرعية اليمنية اليوم، مدعومة بتحالف دعم الشرعية بقيادة المملكة، ليست معركة ضد اليمن أو ضد اليمنيين، بل هي معركة من أجلهم، معركة تهدف إلى تحرير الإرادة اليمنية من قبضة جماعة صادرتها بالقوة، وإعادة بناء دولة قادرة على توفير الأمن والخدمات والكرامة لمواطنيها، دولة تستعيد سيادتها على كامل ترابها، وتستعيد قدرتها على اتخاذ قراراتها الخاصة بمعزل عن أي إملاءات خارجية، وهذا الفارق الجوهري بين من يقاتل لفرض إرادة خارجية على شعب، ومن يقاتل لتحرير شعب من إرادة مفروضة عليه، هو ما يمنح هذه المعركة شرعيتها الأخلاقية والسياسية في آن واحد.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور المحوري الذي لعبته المملكة طوال سنوات الأزمة اليمنية، فمنذ انطلاق عمليات التحالف لدعم الشرعية، ظل الموقف السعودي ثابتًا على مبدأين لا يتعارضان بل يتكاملان، الحزم في مواجهة المليشيا كلما تجاوزت كل الخطوط الحمراء، والانفتاح الدائم على الحلول السياسية كلما توفرت فرصة حقيقية لإحلال السلام، ولم يكن هذا التوازن سهلاً، فقد تطلب صبرًا استراتيجيًا طويل الأمد، وتحملاً لتكاليف باهظة، إلى جانب استمرار الجهد الإنساني عبر مركز الملك سلمان للإغاثة الذي لم يتوقف يومًا عن تقديم المساعدات لليمنيين رغم استمرار القتال، وهذا يعكس فهمًا عميقًا لدى القيادة السعودية بأن استقرار اليمن ليس شأنًا يمنيًا داخليًا بحتًا، بل هو ركيزة أساسية لأمن الخليج والمنطقة بأكملها، وأن أي محاولة لتحقيق حسم عسكري سريع على حساب مستقبل الدولة اليمنية ووحدتها لن تكون حلاً حقيقيًا، بل ستكون مجرد تأجيل لأزمة أعمق.
واليوم، وقد أُعلن عن بدء معركة استعادة الدولة بشكل رسمي وصريح، فإن المسؤولية الدولية والإقليمية تتجاوز مجرد المراقبة إلى ضرورة المساندة، فالعالم الذي يدرك خطورة ترك ممر بحري حيوي كباب المندب في عهدة جماعة غير مسؤولة أمام أي قانون، مطالب بأن يترجم هذا الإدراك إلى دعم فعلي لجهود استعادة الدولة اليمنية الشرعية، لا أن يكتفي بإدانات لفظية كلما وقع اعتداء جديد على سفينة تجارية أو منشأة مدنية، فالاستقرار في هذا الجزء الحيوي من العالم ليس ترفًا إقليميًا، بل هو ضرورة لحماية حركة التجارة العالمية وأمن الطاقة الدولي، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بإنهاء حالة الازدواجية التي سمحت لمليشيا مسلحة بأن تتحول إلى طرف فاعل في معادلات إقليمية أكبر من حجمها الحقيقي.
في النهاية، فإن ما يُطرح اليوم ليس مجرد عملية عسكرية جديدة تُضاف إلى سجل طويل من المواجهات، بل هو محاولة جادة لإغلاق ملف طال فتحه، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة في اليمن بعد أن غيّبته سنوات من هيمنة السلاح غير الشرعي، فاليمن، بتاريخه العريق وموقعه الإستراتيجي وشعبه الذي لا يستحق كل هذه المعاناة، لا يمكن أن يبقى إلى الأبد جرحًا مفتوحًا في خاصرة المنطقة، ولا يمكن أن يُترك مصيره رهينة في يد من اختار الفوضى مشروعًا والخراب وسيلة، فاستعادة الدولة ليست خيارًا من بين خيارات، بل هي الطريق الوحيد الذي يمكن أن يعيد لليمن كرامته، وللمنطقة أمنها، وللعالم ثقته بأن الممرات الدولية ستبقى، كما يجب أن تكون دائمًا، في عهدة القانون لا في عهدة من يملك السلاح وحده.