«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
كشف المؤتمر الدولي للطب الجينومي، الذي نظمته الجمعية السعودية للطب الوراثي في جدة يومي 30 سبتمبر و1 أكتوبر، عن رؤية علمية لافتة للعلاقة بين السرطان والشيخوخة، قدمها الدكتور كارلوس تروخيللو، أستاذ علم الوراثة بجامعة EIA وINSER في مدينة ميديلين الكولومبية، خلال محاضرة بعنوان «السرطان والشيخوخة.. وجهان مختلفان للعملة نفسها».
وأوضح تروخيللو أن كليهما يرتبط بمسار بيولوجي تتراكم خلاله الطفرات وتلف الحمض النووي مع مرور العمر. فمع انقسام الخلايا ونشاطها الطبيعي تتولد طفرات جديدة؛ وقد تمنح إحداها خلية قدرة على الانقسام والنمو بصورة غير منضبطة، بما قد يقود إلى نشوء ورم، فيما يؤدي تراكم الأضرار والتغيرات الخلوية في الأنسجة إلى تراجع وظائفها وظهور مظاهر الشيخوخة.
«مفارقة بيتو».. لماذا لا يقتل العمر الطويل الخلايا؟
وتناول المحاضر «مفارقة بيتو»، التي تطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا لا ترتفع معدلات السرطان بالضرورة لدى الحيوانات الضخمة وطويلة العمر، رغم امتلاكها أعدادًا أكبر بكثير من الخلايا وعيشها لفترات أطول؟
واستشهد بالفيلة التي تمتلك نحو 40 نسخة من الجين p53 المسؤول عن مراقبة سلامة المادة الوراثية والاستجابة لتلفها، والحيتان مقوسة الرأس التي يمكن أن تتجاوز أعمارها 200 عام، وأسماك قرش غرينلاند التي قد تعيش أكثر من 400 عام؛ وهي أمثلة تساعد الباحثين على دراسة الآليات الطبيعية التي تمكن بعض الكائنات من مقاومة الأورام والحفاظ على سلامة خلاياها لمدد طويلة.
واستعرض تروخيللو دور إصلاح الحمض النووي، وجين p53، والتيلوميرات، والشيخوخة الخلوية، والتوسع النسيلي، والساعات اللاجينية التي يمكن من خلالها تقدير العمر البيولوجي للخلايا والأنسجة.
وبيّن أن بعض الآليات التي تحمي الجسم من السرطان في مراحل مبكرة من الحياة قد تتحول مع التقدم في العمر إلى جزء من كلفة الشيخوخة؛ فقصر التيلوميرات ودخول الخلايا المتضررة في حالة شيخوخة خلوية يساعدان على الحد من تكاثر الخلايا غير السليمة، لكنهما قد يرتبطان في الوقت نفسه بتراجع قدرة الأنسجة على التجدد.
وتبرز هنا أهمية التمييز بين العمر الزمني والعمر البيولوجي؛ إذ لا تحدد سنوات الإنسان وحدها حالة خلاياه، بل تسهم التغيرات الجزيئية المتراكمة في تحديد مستوى شيخوخة الأنسجة واحتمال تعرضها للاضطرابات المرتبطة بالعمر.
ويضع هذا الطرح الذي شهدته جلسات مؤتمر جدة السرطان والشيخوخة في إطار بيولوجي متصل؛ ففهم كيفية تراكم الضرر الوراثي، وآليات إصلاحه، وطريقة تعامل الخلايا المتضررة معه، قد يوسع آفاق الطب الجينومي في الكشف المبكر عن التغيرات المرضية، وفهم نشوء الأورام، وتطوير وسائل أدق للوقاية والتشخيص والعلاج.