سالم بن محمد العيدي
حين يروي معالي المستشار سعود بن عبدالله القحطاني حكايةً عن الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- فإنك لا تسمع مجرد قصة من تاريخ وطن عظيم؛ بل تسمع في نبرة الراوي ما يلفت الانتباه ليس الحكاية وحدها، بل ذلك الاعتزاز بتاريخ وطن صنعه رجال، وحمل أمانته من بعدهم رجال.
وحين تستمع إليه وهو يتحدث عن الملك عبدالعزيز، تدرك أن الرجل لا يتعامل مع تاريخ السعودية باعتباره صفحات محفوظة في كتاب، بل إرثًا وطنيًا يراه حاضرًا في وجدانه ووجدان كل مواطن.
ومن هنا تبدأ حكاية أخرى تستحق أن تُروى:
حكاية سعود القحطاني نفسه.
فمن أراد قراءة الرجل، فلا يقرأ محطة واحدة من حياته؛ بل يعود إلى البداية.
حصل على البكالوريوس في القانون من جامعة الملك سعود، ثم التحق بدورة تأهيل الضباط الجامعيين في القوات الجوية الملكية السعودية، وتخرج بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف، وتدرج عسكريًا في كلية الملك فيصل الجوية، وعمل في شؤون الأفراد والضباط ومحاضرًا قانونيًا، ووصلت رتبته العسكرية إلى رائد. كما حصل على الماجستير في العدالة الجنائية من جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية.
إذن نحن أمام مسيرة جمعت في بداياتها بين العسكرية والقانون، قبل أن تنتقل إلى مساحة أخرى شديدة الحساسية: الإعلام وصناعة القرار الإعلامي.
في عام 2003 تولى إدارة الدائرة الإعلامية في مكتب ولي العهد، ثم أصبح نائبًا لمدير عام مركز الرصد الإعلامي عام 2005، ومديرًا عامًا لمركز الرصد والتحليل الإعلامي عام 2008، قبل أن يصل إلى الإشراف العام على مركز الدراسات والشؤون الإعلامية في الديوان الملكي.
ثم جاءت كلمة «المستشار».
فقد عُيّن مستشارًا في الديوان الملكي بالمرتبة الممتازة في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز عام 2012، ثم مستشارًا بمرتبة وزير في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز من ديسمبر 2015 حتى أكتوبر 2018. قاد خلال عمله في الديوان حزمة من المبادرات الوطنية الإستراتيجية التي أسهمت في تطوير المنظومتين الإدارية والإعلامية.
وفي عام 2017 كانت وكالة الأنباء السعودية تصفه رسميًا بــ«المستشار بالديوان الملكي والمشرف العام على مركز الدراسات والشؤون الإعلامية»، كما وثقت مشاركته ضمن الوفد السعودي في اجتماعات رسمية رفيعة المستوى في واشنطن.
وهنا يجب أن نتوقف.
لأن السنوات والمناصب لا تروي وحدها القصة التي أريد الحديث عنها.
أنا أتحدث عن معنى أن يكرّس الإنسان سنوات من عمره لخدمة دولته وولاة أمره، وأن يجعل خدمة دينه ومليكه ووطنه عنوانًا لمسيرته.
هذه، في نظري، هي القيمة الأهم.
فالمنصب مهما علا ينتهي، والكرسي مهما طال الجلوس عليه يُغادر، والألقاب الرسمية تبقى مرتبطة بمرحلتها؛ لكن ما يبقى للإنسان هو ما قدّمه، وما حمله من مبادئ، وما تركه من أثر.
ومن هذه الزاوية أرى سعود القحطاني.
أراه مثلًا للوضوح في الانتماء.
لم يبحث عن منطقة رمادية بين وطنه وخصوم دولته، ولم يجعل ولاءه لقيادته عبارة موسمية.
وهنا تكمن القدوة التي أتحدث عنها.
بلادنا محفوظة بجيل كبير يتعلم معاني العمل والانضباط والعلم والوفاء والوقوف في الصفوف الأمامية لخدمة الدولة.
جيل يتسلح بالعلم.
والإعلامي الذي يفهم أن الكلمة مسؤولية.
والمسؤول الذي يعرف أن المنصب تكليف قبل أن يكون تشريفًا.
السعودي الذي يعرف أين يقف عندما يتعلق الأمر بوطنه.
فالأوطان أكبر من الأشخاص، ولكل إنسان تجربته وظروفه.
لدينا شباب ينذرون طاقاتهم لخدمة دينهم ومليكهم ووطنهم.
من يرى خدمة السعودية شرفًا، والدفاع عن مصالحها مسؤولية، والوقوف مع قيادتها عهدًا.
السعودية اليوم دولة شابة وطموحة، ومشروعها الكبير يحتاج إلى رجال ونساء يرون أن نجاح الوطن نجاحهم، وأن رايته أكبر من مصالحهم الشخصية.
وحين أعود إلى ذلك المقطع الذي يروي فيه سعود القحطاني قصة الملك عبدالعزيز، أفهم لماذا تصل الحكاية بهذه القوة.
لأن الملك عبدالعزيز لم يترك للسعوديين دولةً فقط؛ ترك مدرسة في معنى بناء الدولة والوفاء لها.
مدرسة حمل رايتها أبناؤه الملوك من بعده، وصولًا إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله-.
وكل جيل سعودي أمامه مسؤولية أن يقدم رجاله ونساءه لهذه المسيرة.
رجالًا لا يسألون: ماذا سيعطيني الوطن؟
بل يسألون:
ماذا سأقدم أنا لوطني؟
وهنا تحديدًا تكمن رسالتي من الحديث عن معالي المستشار سعود القحطاني.
ليست القضية لقب «مستشار».
وليست منصبًا.
وليست صورةً أو مقطعًا أو حكايةً تُروى.
القضية مبدأ.
أن يعيش الإنسان وفي داخله يقين بأن خدمة دينه ثم مليكه ووطنه شرف، وأن يبذل من علمه وعمره وتجربته ما يستطيع لهذه الأرض.
قد تتغير المواقع، لكن السعودي الذي وضع وطنه في قلبه سيظل يرى السعودية أولًا.
لدينا جيل كامل جعل خدمة دينه ومليكه ووطنه مشروع عمر، ويعرف أن السعودية لا يحمي منجزاتها ويحمل طموحها إلى المستقبل إلا أبناؤها المخلصون.
فالأوطان العظيمة لا تبنيها الأمنيات...
تبنيها السواعد، ويحرسها الوفاء، ويصنع مستقبلها رجال ونساء يؤمنون بها.
خاتمة: بدأ سعود حديثه بحكاية عبدالعزيز، فانتهت الحكاية وهي تحكي شيئًا من سعود نفسه؛ وفاءٌ لا يتبدل، وانتماءٌ لا تهزه الأيام، ووطنٌ يسكن القلب قبل أن يُكتب في الهوية.
.. فالسعودية التي أنجبت رجال التأسيس، ما زالت تُنجب رجال الوفاء بالآلاف وبالملايين. لأن الأوطان العظيمة لا يحرس مجدها إلا رجالٌ نذروا أعمارهم لها وما أكثرهم في المملكة، الأحياء والأموات.