عبدالرحمن ندا
تمتّع بوجوده واغتنم الفرصة.. قبل أن تعيش التمنّي..
هل شاهدت والدك اليوم؟
لا أقصد: هل مررت أمامه؟ ولا: هل ألقيت عليه السلام؟
أقصد: هل رأيته حقًّا؟
هل تأملت وجهه كما هو الآن؟
هل لاحظت الشعر الأبيض الذي ازداد، والخطوات التي أصبحت أبطأ، والصوت الذي تغيّر قليلًا؟
نحن نعرف آباءنا غالبًا من خلال أدوارهم.
أبي الذي يعمل، وينفق، ويحمي، ويحلّ المشكلات.
أبي الذي نلجأ إليه حين تضيق بنا الحياة.
لكن خلف كلمة «أبي» رجل له حكاية كاملة.
كان له شباب وأحلام وأصدقاء وأمنيات، وربما أشياء كثيرة أرادها لنفسه، ثم جاءت الأسرة فأصبحت المسؤولية أكبر من الرغبة.
كبرنا ونحن نرى ما يفعله من أجلنا، ولم ننتبه دائمًا إلى ما يكلّفه ذلك.
كان يخرج إلى عمله، ويعود متعبًا، ثم يجلس بيننا وكأن شيئًا لم يحدث.
وحين نسأله: «كيف حالك؟»
غالبًا تكون الإجابة:
«الحمد لله».
كلمتان قد تختصران يومًا كاملًا من التعب.
الأب لا يتحدث كثيرًا عن خوفه.
قد يقلق على مستقبلك أكثر مما يقلق على مستقبله، ويحمل عنك أشياء لن تعرف بها إلا بعد سنوات، وربما لن تعرف بها أبدًا.
ولهذا، عندما ننظر إليه، من الإنصاف أن نراه خارج دوره.
أن نراه إنسانًا.
اسأله عن نفسه، لا عن احتياجات البيت فقط.
عن شبابه.
عن أول عمل له.
عن أبيه وأمه.
عن الأشياء التي كان يتمنى أن يفعلها.
عن الأيام التي عاشها قبل أن نأتي نحن إلى حياته.
قد تكتشف أنك تعرف عن والدك أقل مما كنت تظن.
وقد تكتشف أيضًا أن الرجل الذي كنت تراه قويًّا دائمًا، كان له نصيبه من الضعف والخوف والهزيمة، لكنه اختار أن يخفيها حتى لا تصل إليك.
ومع مرور السنوات تتغير الأشياء.
الأب الذي كان يحملنا، أصبح يحتاج إلى من يسأل عنه.
والذي كان يقود الطريق، أصبح يمشي ببطء.
والذي كان يقول لنا: «لا تخافوا»، ربما أصبح هو نفسه يحتاج إلى كلمة تطمئنه.
وليس المطلوب أن نردّ له كل ما أعطانا؛ فهذا مستحيل.
يكفي أن يشعر أن ما بذله لم يمرّ دون أن يراه أحد.
أن ندرك أن وراء البيت الذي نشأنا فيه، والطعام الذي وجدناه، والتعليم الذي حصلنا عليه، واللحظات التي شعرنا فيها بالأمان، رجلًا دفع من عمره ثمنًا لم يطلب منا أن نعرفه.
أما حين يغيب الأب، فالأمر لا يشبه غياب أي شخص آخر.
هناك فراغ لا يُقاس بعدد الغرف، ولا بعدد الأشخاص الموجودين حولك.
إنه غياب الظهر.
ذلك الشعور بأن هناك من يقف خلفك، حتى لو لم تطلب منه شيئًا.
وغياب السند.
ليس لأن الأب يحلّ جميع مشكلاتك، وإنما لأن وجوده وحده كان يقول لك بصمت:
لست وحدك.
عندها يبدأ الإنسان في مراجعة حساباته.
وفي الحسابات، لكل شيء رقم.
نعرف كم أخذنا، وكم دفعنا، وكم بقي في الرصيد.
لكن الأب كان استثناءً من هذه القاعدة.
كان يعطي ولا يأخذ.
أخذنا من عمره.
ومن قوته.
ومن وقته.
ومن راحته.
وربما من أحلامه أيضًا.
ولم يكتب علينا شيئًا.
كان رصيده ينقص، ورصيدنا نحن يكبر.
وحين رحل، عرفنا أن هناك أشياء لا يمكن ردّها مهما امتلكنا.
لا مال يعيد جلسة.
ولا اعتذار يعيد صوتًا.
ولا ندم يعيد يدًا كان يمكن أن نمسك بها.
فإذا كان والدك ما زال حيًّا، فلا تتعامل مع وجوده كأنه أمر مضمون.
اقترب منه، لا من أجل أداء واجب، بل لأن في وجوده شيئًا لن يتكرر.
فالأب لا يُعوَّض حين يغيب، لأن الذي يغيب معه ليس شخصًا فحسب، بل تاريخ كامل من الأمان.
أما نحن الذين سبقنا آباؤنا إلى الرحيل، فنعرف الآن معنى أن يصبح للبيت مكان كان يجلس فيه رجل، ولا يجلس فيه أحد.
نعرف معنى أن يحدث شيء في حياتنا، فنلتفت في داخلنا تلقائيًّا إلى ذلك الرجل الذي كان أول من نريد أن نخبره.. ثم نتذكر أنه لم يعد هناك.
نعرف معنى أن ننجح، ونفرح، ونمرّ بأزمة، ثم نشعر فجأة أن فرحتنا ناقصة، وأن خوفنا أكبر؛ لأن الشخص الذي كان يجعل الأشياء أخفّ بمجرد وجوده لم يعد موجودًا.
عندها فقط نفهم الحساب.
نفهم أن الأب لم يكن يأخذ منّا شيئًا تقريبًا.
كان يعطي.
يعطي من عمره، ومن صحته، ومن راحته، ومن قوته، ثم يرحل دون أن يطالبنا بإيصال أو فاتورة أو ردّ جميل.
ونبقى نحن أمام رصيد لا نستطيع سداده.
ليس لأننا مدينون له بالمال..
بل لأننا مدينون له بأشياء انتهى وقت دفعها.
جلسة لم تطل.
سؤال لم نسأله.
كلمة شكر تأخرت.
وقبلة ظننا أن في العمر متسعًا لغيرها.
وهذه هي قسوة الفقد:
أن تعرف قيمة ما كان بين يديك بعد أن تصبح يداك فارغتين.
لذلك، إن كان والدك أمامك الآن، فلا تكتفِ بأن تراه.
انظر إليه كما لو أنك تعرف أن هذه الصورة ستصبح يومًا ذكرى.
استمع إلى صوته.
تأمل وجهه.
اقترب منه.
فقد يأتي يوم لا يكون فيه أكثر ما تتمناه شيئًا كبيرًا..
قد تكون كل أمنيتك أن تسمع صوته مرة أخرى يقول:
«أنا هنا».
وعندها ستفهم أن أعظم ما كان يملكه أبوك ليعطيك إياه..
لم يكن مالًا، ولا بيتًا، ولا حماية.
كان وجوده.
وكان وجوده يقول لك، دون أن ينطق:لست وحدك.
فهل شاهدت والدك اليوم؟