فائز بن سلمان الحمدي
ليست منازل الأوطان بما تستكثر من جلبة الأصوات، وإنما بما تستودع أصواتها من سلطان الحق، وما تنفذ به كلماتها إلى العقول من بصيرة، وإلى الضمائر من يقين؛ كما أن الرجال لا يستمدون أقدارهم من أبهة المناصب، بل تستمد المناصب مهابتها من رجال يعرفون للأمانة قدرها، وللتبعة ثقلها، وللكلمة مغبتها؛ ويعلمون أن القول في أزمنة الالتباس ليس رجع صوت يطرق الأسماع ثم يتبدد، وإنما قد يكون حِرزًا للعقيدة، وحمىً للوعي، وقبسًا يشق حنادس الفتن، وميزانًا تنتظم به المعاني حين تضطرب المقاييس وتتنازعها الأهواء.
وفي كمبوديا، حيث انعقد مؤتمر آسيان الرابع «خير أمة»، لم تكن كلمة معالي وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد الشيخ الدكتور عبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ حديث مناسبة يستنفد غرضه بانفضاض مجلسها، ولا كلمة مراسم تطويها محاضر المؤتمر بعد ختامه؛ وإنما كانت تستنهض في ذلك المحفل معنى أفسح من رقعة المكان، وتحمل إليه قبسًا من رسالة المملكة، ورسوخ عقيدتها، وسمت منهجها، وجلال الأمانة التي اضطلعت بها دولة أودع الله في ثراها قبلة المسلمين، وشرف ربوعها بحرميه الشريفين، وجعل إليها من أفئدة المؤمنين سبيلًا لا تنأى به الديار، ولا توهنه المسافات، ولا تقطعه مغايرة الألسنة والألوان.
كان آل الشيخ يخاطب ذلك المحفل، ومن وراء كلمته تاريخ دولة لم تتخذ الإسلام وشيًا لاسمها، ولا زينة لخطابها، ولا شعارًا تستدعيه المواسم ثم تطويه بانقضائها؛ وإنما أقامت عليه أصل بنيانها، واستمدت منه سمتها ووجهتها، وجعلت كتاب الله وسنة رسوله ? أصلًا مكينًا لا تصرفه صروف الأزمنة، ولا تستنزله تحولات الأحوال عن منزلته.
فمنذ أن ألّف الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- شتات هذه البلاد، ووحد أرجاءها، وأرسى كيانها على التوحيد ولزوم الجماعة وائتلاف الكلمة، مضت الدولة في عهود أبنائه البررة تستصحب الأمانة جيلًا إثر جيل؛ تستزيد من أسباب الحضارة ولا تستقيل من أصولها، وتستشرف الغد ولا تستدبر ماضيها، وتبني للمستقبل من غير أن تنقض العروة التي تصل حاضرها بمبتدأ عهدها.
وللكلمات أحساب كما للرجال أحساب؛ فمنها كلمة لا نسب لها إلا إلى مناسبتها، تولد على المنبر وتموت عند آخر صداه، ومنها كلمة تنتسب إلى عقيدة، ويقوم من ورائها تاريخ، وتنطوي على من قوة المبدأ وصدق اليقين ما يجعل عمرها أطول من مجلسها، ونفاذها أبعد من الموضع الذي صدرت منه. ومن هذا الضرب جاءت كلمة آل الشيخ؛ إذ قاربت علة من أعضل علل الخطاب في هذا العصر: اختلال الموازين حين يستطيل الغلو حتى يحسب مجاوزة الحد غيرة، ويسترسل الجفاء حتى يتوهم التفريط سماحة؛ فيقع الدين بين من يزيد فيه من هواه، ومن ينتقص منه لهواه.
وبين غلو يستطيل على الحد وجفاء يتنكب الأصل، ينتصب المنهج الذي أكد عليه الوزير: كتاب لا يهجر، وسنة لا تستبدل، وعقيدة لا تسترخص، ووسطية لا تزيغ، واعتدال لا يسترضي أحدًا بشيء من ثوابت الدين. فالوسطية في ميزان الإسلام ليست منزلة مائعة بين الحق والباطل، ولا هدنة بين اليقين والشك، ولا اسمًا مستعارًا للوهن؛ وإنما هي استقامة الحق على نصابه الذي أقامه الله عليه، فلا يعلو به الغالي حتى يخرجه عن حد الاعتدال، ولا يحط به الجافي حتى يبتذله بالتفريط. وما الاعتدال أنصاف حقائق تتقاسمها الأهواء، بل حقيقة مستوفية قسطها، قد سلمت من غلو الزيادة ووهن النقصان.
وثمة من الولايات ما يستوفي حقه حسن التدبير وحذق الإدارة، وثمة منها ما لا تستقيم آلات الإدارة فيه حتى يرفدها فقه بالرسالة، وبعد نظر في المآلات، واستشعار لجسامة التبعة؛ ووزارة الشؤون الإسلامية من هذا القبيل، لأن القائم على شؤون المساجد والمنابر والدعوة والقرآن لا يلي جهازًا إداريًا مجردًا، وإنما يرابط على ثغر لا ينتصب له سور، ولا تسمع عنده قعقعة السلاح، ومع ذلك فهو من أمنع ثغور الوطن وأبعدها غورًا: ثغر العقيدة والوعي.
فالحدود تكلؤها العيون الساهرة، والمنشآت تحوطها الأنظمة والحراسات؛ أما عقل الناشئ، فمن يكلأ منافذه حين تنساب إليه الدنيا من شاشة لا تبرح كفه؟ ومن يستنقذ بصيرته إذا تزيا الباطل بزي الحق، ونطق الهوى بلسان الشريعة، واستعار الانحراف سمت الغيرة على الدين؟ إن أخوف الفتن ليست تلك التي تسفر عن وجهها منذ أول الطريق، وإنما التي تستعير أسماء الفضائل، وتدلف إلى النفس من أبوابها المحبوبة، حتى إذا استوثقت من موضعها أودعت فيها نقيض ما دخلت باسمه.
ومن هنا يقرأ حضور عبداللطيف آل الشيخ في المشهد الدعوي بما يجاوز رسوم المنصب وحدوده؛ فمناهضة التطرف، والعناية بصحيح الاعتقاد، وتعظيم السنة، وتحصين الناشئة، ليست أبوابًا متناثرة يضمها هيكل إداري، بل وشائج متصلة في مقصد واحد: صيانة الإنسان قبل أن يصير اختلال فكره صدعًا في بنيان مجتمعه. فما اضطرمت نار إلا كانت قبل أوارها شرارة، وما استفحل زيغ إلا تقدمت عليه شبهة؛ والحكمة أن تستدرك الشرارة قبل أن يستطير شررها، وأن يصان المنبع قبل أن يستبحر الكدر في المجرى.
ولعل الناشئة هم الموضع الذي تستبين فيه جسامة هذه الأمانة أتم استبانة؛ لأن التدافع في هذا العصر لم يعد مقصورًا على الأرض والثروة والنفوذ، بل جاوزها إلى ما هو أخفى مسلكًا وأبقى أثرًا: إلى الإنسان نفسه؛ إلى عقله الذي يتأول به الأشياء، ووجدانه الذي يزن به المواقف، وهويته التي يعرف بها من يكون، ومن أي أصل صدر، وإلى أي مرجع ينتسب.
يأتي صاحب الغلو إلى الفتى من باب الغيرة حتى يستلب منه فقه الغيرة، ويأتي صاحب الانحلال من باب الحرية حتى يجرد الحرية من وازعها الأخلاقي، ويأتي صاحب الهوى الحزبي من باب النصرة للدين حتى يجعل من جلال المقدس وقودًا لمآرب البشر؛ فيحسب الفتى نفسه جنديًا للعقيدة، فإذا هو مستأجر في خصومة لم يخترها، ويظن أنه يحمل راية الدين، فإذا غيره قد خط عليها اسم جماعته ومطامعه.
ومن هنا يكتسب التحذير من تسخير الدين للمصالح الحزبية والمآرب السياسية جلال معناه؛ فالدين أجل من أن يكون مطية إلى سلطان، وأطهر من أن يختزل في أسوار تنظيم، وأبقى من أن يستنزل إلى خصومة عارضة. وكم من فتنة استعارت لسان الواعظ، وكم من هوى استظهر بظاهر نص، وكم من دنيا لبست مسوح الآخرة حتى إذا ظفرت بمأربها خلعتها وانكشف مستورها. ومن استنزل المقدس إلى سوق أهوائه لم يرق بهواه إلى الدين، وإنما حط بالدين إلى درك هواه؛ ورب مفسد للدين يتكلم باسمه أشد نكاية فيه ممن يعلن خصومته له.
وحين تصدر هذه المعاني عن وزير الشؤون الإسلامية في المملكة العربية السعودية، فإن لجلال المصدر من التبعة ما ليس للكلمة إذا صدرت من سواه؛ فهو يتحدث باسم وطن ليس موضعه في الوجدان الإسلامي كموضع غيره: فيه مكة المكرمة، أم القرى ومهوى الأفئدة، وفيه المدينة المنورة، دار الهجرة ومثوى خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم، وفيه البيت العتيق الذي تنتظم إليه وجوه المسلمين كلما نودي للصلاة، حتى كأن جهاتهم المتناثرة تلتئم عنده، ومسافاتهم المتباعدة تنطوي أمام قبلته.
ولذلك لم تكن خدمة الإسلام والمسلمين في وجدان المملكة نافلة من أعمال الدولة، ولا بابًا تفتحه المناسبات ثم يوصد بانقضائها؛ بل هي من صميم الأمانة التي شرفت بها هذه البلاد، ومن مقتضى المنزلة التي اختصها الله بها. ومن هنا فإن مؤتمر آسيان، بما نهض به من معاني التعاون ونشر الخير والسلام وخدمة المسلمين، لا يقرأ حادثة مفردة في سجل المملكة، وإنما حلقة في سياق ممتد؛ تتبدل أرضه، وتتعدد ألسنته، ويبقى جوهر الرسالة فيه واحدًا.
وقد رزئت الأمة بأصوات أرادت لكل جماعة إسلامًا يبتدئ عندها وينتهي إليها، حتى ضاقت سعة الدين بأهواء المتحزبين، وتكاثرت الرايات الصغرى حتى كادت تستر الراية الجامعة. وما أحوج المسلمين، في زمن استفحلت فيه دواعي الفرقة، إلى رد الفروع إلى أصولها، والطارئ إلى الثابت، والمتنازع فيه إلى المحكم الجامع: كتاب واحد، ونبي واحد، ورب واحد، وقبلة واحدة. فلا ينبغي لاختلاف اللسان أن يكون أمضى من وحدة القرآن، ولا لتباعد الأوطان أن ينقض أخوة الإيمان، ولا لفرع حادث أن يستطيل حتى يجتث أصلًا ضاربًا في أعماق الأمة منذ بزوغ الرسالة.
وليس الاعتدال الذي تدعو إليه المملكة خمودًا في مواطن الحق، ولا استخذاء أمام العدوان، ولا فتورًا في مواضع الغيرة؛ فالوسطية لا تخمد جذوة الغيرة، وإنما تهبها بصيرة تهديها، ولا تفل حد القوة، وإنما تمنحها عقلًا يكبح طيشها، ولا تجعل السلام استسلامًا، ولا الحكمة خورًا، ولا العدل تسوية بين باغ ومبغي عليه. إنها ميزان؛ والإسلام دين الميزان، وكم من فضيلة انقلبت إلى ضدها حين اختل ميزانها: فالشجاعة إذا عريت من الحكمة تهور، والغيرة إذا فارقت العلم فتنة، والقوة إذا انفكت عن العدل طغيان.
وإذا كانت نهضة الأمم تقرأ في شواهق العمران، وامتداد الطرق، وضخامة الاقتصاد، وتسارع التقنية، فإن وراء النهضة المرئية نهضة لا تستبين للأبصار استبانة الحجر والحديد، وإنما تستجليها البصائر: نهضة الإنسان في دخيلته. فليس العمران أن يشمخ الحجر ويتهدم الإنسان، ولا التقدم أن تتسع للمرء الدنيا ويضيق عليه معنى وجوده، ولا الحضارة أن يحسن بلوغ أقصى الآفاق ثم يضل السبيل إلى نفسه. وأي غناء في أن نورث الجيل عالمًا فسيحًا إذا أورثناه عقلًا تستبيحه كل شبهة، ووجدانًا تتعاوره كل راية؟
ومن هذا الأفق يتجلى البعد الحضاري لعمل وزارة الشؤون الإسلامية بقيادة آل الشيخ؛ فهي تعمل في ميدان لا تحصى منجزاته بالأمتار والأطنان، وإنما بما يستنقذ من مفهوم، ويصان من منبر، ويؤهل من داعية، ويدحض من شبهة، ويحصن من عقل. إنها صناعة للأمن في أغور معانيه؛ أمن لا يبتدئ عند الأسوار، بل في ذلك الحصن الخفي الذي تصدر عنه مواقف الإنسان وأفعاله: عقله وضميره. فإذا استقام الميزان في الباطن، استعصى صاحبه على من يروم استرقاق وعيه، أو استئجار غيرته، أو تحويله من صاحب عقيدة إلى آلة في يد صاحب مأرب.
ومن ثم فإن حضور عبداللطيف آل الشيخ في المحافل الإسلامية لا يستقيم اختزاله في رسوم البروتوكول؛ فهو يحمل خطاب دولة، ويترجم عن منهج وطن: فالمملكة حين تناهض التطرف لا تناهض التدين، وإنما تذود عن الدين أن يستلبه المتطرفون؛ وحين تحذر من الحزبية لا تضيق بخدمة الإسلام، وإنما تأبى أن يحتكر تنظيم ميراث أمة؛ وحين تدعو إلى الاعتدال لا تنتقص الحق، وإنما تجرده مما ألحق به الغلاة، وترد إليه ما أضاعه المفرطون.
وتلك من أعسر المعارك؛ لأن سقوط التنظيم لا يستلزم سقوط الفكرة، وخفوت الصوت لا يعني انطفاء الشبهة؛ فقد تذهب الأسماء وتبقى المعاني كامنة في مطاوي النفوس، حتى إذا واتاها ظرف جديد انبعثت بأسماء مستحدثة ووجوه مغايرة. أما بناء الإنسان على العلم والبصيرة، ورده إلى الوحي بفهم راسخ، وتعليمه أن الدين عبادة ورحمة وعدل وخلق ومسؤولية، فذلك ظفر لا تصخب له الميادين، ولكن آثاره تتجلى في سكينة المجتمع، وطمأنينة البيوت، وأمن الأجيال، واستعصائها على نخاسي العقول وتجار الغضب وسماسرة الشعارات.
كان المؤتمر في كمبوديا، غير أن المعنى كان أرحب من جغرافية كمبوديا؛ وكان المتحدث وزيرًا، غير أن وراء كلمته وطنًا؛ وكانت الألفاظ في العقيدة والوسطية ووحدة الصف، غير أن وراء الألفاظ تاريخًا وأمانة ورسالة. ومن ذلك المحفل انجلت كلمة المملكة في جوهرها: لسنا نستدعي الناس إلى اسم مستحدث، بل نردهم إلى الأصل الأول؛ ولا نعقد لهم راية حزب، بل ندلهم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ ولا نبتغي غلوًا يمزق الأمة باسم الدين، ولا ذوبانًا يمحو سمتها باسم العصر، وإنما إسلامًا في صفائه: عقيدة لا تكدرها الخرافة، وسنة لا تشوبها البدعة، وقوة لا يستبد بها الطغيان، وسماحة لا تنحدر إلى الذوبان، ووحدة لا تسترقها العصبيات، وحضارة تستقبل غدها من غير أن تخلع عند أبوابه إيمانها.
وهنا يستبين قدر المسؤولية التي يضطلع بها عبداللطيف آل الشيخ؛ فخلف الكلمة وطن، وخلف الوطن حرمان، وإلى الحرمين تنثني أفئدة أمة شتتها المكان ولم تشتت قبلتها. ومن قام على الكلمة في مثل هذا المقام فقد قام على أمانة أوسع من رسوم الوظيفة؛ لأن شرف الموقع ليس حظوة مجردة، بل تكليف، وخدمة الدين ليست عبارة تستهلكها المنابر، بل عهد ثقيل المحمل، والكلمة إذا صدرت من أرض الحرمين لم يليق بها أن تكون صدى عابرًا في مجلس، وإنما أن تحمل من جلال منبعها بقدر ما تحمل من شرف غايتها.
وحين جاءت كلمة عبداللطيف آل الشيخ في مؤتمر «خير أمة»، كانت المملكة حاضرة فيها بمعناها قبل اسمها: أرضًا حفظ الله فيها قبلة المسلمين، ودولة شرفها بخدمة الحرمين الشريفين، ومنهجًا يرى في صفاء العقيدة عصمة، وفي العلم حصانة، وفي اجتماع الكلمة منعة، وفي الاعتدال قسطاس الإسلام بين غلو يطغى وجفاء يجفو.
وتلك هي الرسالة التي بلغت من بلاد الحرمين إلى آسيا: أن هذا الدين أجل من أن تستصغره أهواء الرجال، وأفسح من أن تحصره أسوار الجماعات، وأقدس من أن تستنزله مطامع السياسة، وأرحم من أن يحيله الغلاة سوطًا على الخلق، وأعز من أن يذيبه المفرطون استرضاء لروح العصر؛ وأن المملكة، وهي تنهض بنصيبها من أمانته، لا تحمل إلى العالم شعارًا وليد ساعة، وإنما تستبقي في ضميره أصلًا قديمًا قدم الوحي، غضًا ما بقي الحق: كتاب يهدي، وسنة تبين، وعقيدة تجمع، ووسطية تقسط، وأمة لا يستقيم آخر أمرها إلا بما استقام به أوله.
فلم يكن بلوغ كلمة المملكة إلى كمبوديا مجرد انتقال لخطاب بين بلدين، ولا عبور لمعنى من أرض إلى أرض؛ بل كان، في معناه الأسمى، امتداد أمانة من مهبط الوحي، ورسالة من أرض الرسالة إلى آفاق الأمة.