صالح الشادي
الحسد آفة أخلاقية قديمة قِدَم البشرية نفسها، بدأت من إبليس حين أبى السجود لآدم، وامتدت عبر التاريخ لتشمل الأفراد والجماعات والدول والشعوب. وإذا كان الحسد بين الأشخاص مذمومًا شرعًا وعقلًا، فإنه حين يتحول إلى ظاهرة سياسية وإعلامية موجهة ضد دولة بأكملها، يغدو أخطر وأعقد، لأن آثاره لا تقتصر على فرد أو أسرة، بل تمتد إلى شعوب بأكملها وعلاقات دولية ومصالح إستراتيجية.
الحسد في أصله تمني زوال النعمة عن المحسود، سواء كانت نعمة دين أو دنيا، وسواء كان الحاسد يريدها لنفسه أو لم يردها، بل يكره أن تكون لغيره. وهو يختلف عن الغبطة التي تعني تمني مثل ما عند الغير من نعمة دون تمني زوالها عنه. وقد ورد في القرآن الكريم الاستعاذة من شر الحاسد إذا حسد، كما ورد النهي عن التحاسد والتباغض والتدابر. والحسد أشد ضررًا من البخل، فالبخيل يمنع ما يملكه من خير عن الناس، أما الحسود فيتمنى زوال النعمة عن الناس حتى لو لم يكن له هو علاقة بالأمر، وهذا من أبشع الأخلاق، وهو مهلك للفرد والجماعة.
والحسد لا يقتصر على الأفراد، بل يتجاوزهم إلى الجماعات والمنظمات والدول. فالحسد الأخطر هو ما يتجاوز فرديته إلى الجماعات والمنظمات والدول، وكيف لا ينمو ويتشعب، وتتعدد مواقعه، وكل ذي نعمة محسود. وقد أشار القرآن الكريم إلى حسد الجماعات في قوله: {وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}، وفي قوله: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم}. فقد حمل الحسد قريشًا وأهل مكة على التكذيب بالنبي صلى الله عليه وسلم ومعاداة الإسلام، مع يقينهم بصدقه وأمانته. والحسد بين الدول ليس جديدًا، وهو منتشر منذ القرون السحيقة، في الغرب والشرق، والعرب ليسوا استثناء من ذلك. بل إن بعض الحروب الكبرى التي شهدها العالم يمكن تفسيرها في ضوء الحسد الذي يدفع صاحبه إلى تخريب نجاح الآخرين أو السيطرة عليهم، بل وتدمير الدول إن استطاع.
وتتعرض المملكة العربية السعودية لحملات حسد وعداء واسعة النطاق، بسبب مكانتها الدينية الفريدة، فهي تحتضن الحرمين الشريفين، وتشرف على خدمة عشرات الملايين من ضيوف الرحمن في مواسم الحج والعمرة، وتقود العالم الإسلامي بثقلها الديني والروحي. كما تعيش السعودية استقرارًا وأمنًا ورخاءً في منطقة شبّت فيها النار، ولحق كثير من بلدانها وشعوبها الدمار، وثارت فيها الفتن العمياء. وهذا الاستقرار هو ما يحسدها عليه كثيرون، لأن شعب المملكة يعيش في أمن ورخاء بينما غيره يعاني من الحروب والدمار. وقد حققت المملكة إنجازات اقتصادية هائلة في إطار رؤية 2030، من مشروع نيوم والقدية والبحر الأحمر إلى برامج الابتكار في الذكاء الصناعي والطاقة المتجددة، وتراجعت معدلات البطالة إلى أدنى مستوياتها، مما يجعلها محسودة على قوة اقتصادها المستدام وعلى موقعها الجغرافي الذي يربط القارات الثلاث.
ويحسد الحاسدون السعودية أيضًا على وحدة الصف بين القيادة والشعب، وعلى عدم قدرة تلك الجهات على زرع الفتنة بين مكونات المجتمع. فالتلاحم بين القيادة والشعب هو ما يغيظ الأعداء ويحبط مخططاتهم. كما أصبحت المملكة من أقوى الاقتصادات المؤثرة على مستوى العالم، وتمتلك ثاني أكثر الموارد الطبيعية قيمة، وثاني أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة، وأكبر مصدر للنفط في العالم. كل هذه العوامل تجعلها عرضة لحسد الحاسدين وتربص المتربصين.
والحسد لا يقف عند حد الشعور الداخلي، بل يتحول إلى عداء وبغض وكراهية. فالحسد يلزم منه البغض والعداوة، والبغض يسبب التنازع والتخاصم، والتنازع والتخاصم يؤدي إلى استغراق العمر في إزالة النعمة بالحيل والدعاية وهتك الستر. وقد وصف الله تعالى هذه الحالة في القرآن الكريم بقوله: {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ}. وقال أيضًا: {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ}. وتتجلى هذه الظاهرة في الحملات الإعلامية المنظمة ضد السعودية، والتي لم تعد نقدًا سياسيًا، بل اضطراب نرجسي جماعي وحسد مرضي يُفعَّل كلما ازداد نجاح السعودية وضوحًا. وكثير من هذه الهجمات ذباب إلكتروني مدفوع وبوتات تُدار من غرف عمليات في عواصم عربية وغربية، وليست آراء شعبية عفوية.
ويمكن تصنيف الفئات التي تحمل الحسد والعداء للسعودية في عدة فئات. فمنها أعداء الخارج من التنظيمات الضائعة ودول الجوار الجائعة وقوى الاستعمار التي تتربص بالمملكة، ومنها اليسار الغربي والإخوانجية والنخب العربية المتغربنة واليسار الأوروبي القديم الذين يشنون هجومًا يوميًا على السعودية. ومنها الإعلام المأجور الذي يبث حقده على المملكة وينفث سموم حسده، وتشن بعض القنوات والصحف حملات منظمة لتشويه صورة المملكة وتشويه إنجازاتها. ومنها بعض الأشقاء العرب الذين يرددون تلك الأقاويل في وسائل الإعلام المرئي والمقروء والمسموع، ويتخذون موقفًا عدائيًا واضحًا تجاه السعودية في لحظات الأزمات، بينما لا يترددون في اللجوء إليها طلبًا للعمل أو الأمان أو الدعم الاقتصادي. ومنها الحاقدون من الأفراد الذين يحملون أحقادًا شخصية ويستهدفون كل ما هو سعودي، وكأنهم يعانون من رهاب السعودية، وهي حالة مرضية مستعصية تجعلهم يهاجمون أي منجز أو تقدم سعودي.
ومواجهة الحسد تكون على مستويين: المستوى الشرعي والفردي، والمستوى الوطني والجماعي. أما على المستوى الشرعي والفردي، فتكون بالتحصين بالأذكار والرقى الشرعية، بقراءة المعوذتين وآية الكرسي، والمحافظة على أذكار الصباح والمساء، وقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله عند الإعجاب بشيء. وتكون أيضًا بالدعاء والاستعاذة بالله من شر الحاسدين، فقد أمر الله نبيه في سورة الفلق بالاستعاذة من شر حاسد إذا حسد. وتكون بالصدقة التي تدفع البلاء وتقي من الحسد، وبالتوكل على الله تعالى، والالتزام بالطاعات، والبعد عن المعاصي، والمواظبة على أذكار الصباح والمساء. كما تكون بالتصرف مع الحاسد بالعفو والصفح، وعدم تهييجه وإثارة أحقاده، فقد قال تعالى بعد ذكر حسد اليهود: {فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ}.
وأما على المستوى الوطني والجماعي، فتكون بالتمسك بالعقيدة والوحدة الوطنية، والتزام الدين وتوحيد الصف في بلد الحرمين الشريفين، وجعل هذا الأساس المتين. وتكون بتعزيز الوعي لدى الشباب، ونشر الوعي الديني من خلال تسليط الأضواء على مفهوم العلاقة بين الحاكم والمحكوم ووسائل النصح والشورى. وتكون بالصمود والثبات، فهذا البلد صمد وسيصمد كالصخرة في وجه كل من يريد أن يعترض هذا البلد. وتكون بمواصلة الإنجاز، فالحسد لا يجب أن يوقف مسيرة التقدم، وكلما ازدادت السعودية نجاحًا، ازداد الحاسدون غيظًا، لكن ذلك يجب ألا يكون سببًا في التوقف. سيبقى الحسد ضوضاء في الخلفية، وستبقى السعودية العظمى تمشي إلى الأمام. وتكون أيضًا بمواجهة الحملات الإعلامية المغرضة بإعلام مهني وموضوعي يعكس الإنجازات الحقيقية للمملكة، ويفند الادعاءات الكاذبة بالحجة والدليل، وبتركيز على ما يجمع أبناء الوطن، وتحصين الجبهة الداخلية ضد محاولات زرع الفتنة والفرقة.
وهكذا يبقى الحسد آفة أخلاقية واجتماعية خطيرة، تبدأ بين الأفراد وتتسع لتشمل الجماعات والدول. وقد تعرضت المملكة العربية السعودية لهذا الحسد بكل صوره وأشكاله، بسبب مكانتها الدينية الفريدة، واستقرارها وأمنها في منطقة مضطربة، ونهضتها الاقتصادية الشاملة، وتلاحم قيادتها وشعبها. لكن الحسد، وإن أوجع، لا يهزم الحاسد كما يهزم المحسود إن لم يحسن التعامل معه. وسبيل المواجهة هو التحصن بالإيمان والأذكار، والوحدة الوطنية، ومواصلة الإنجاز، والصمود في وجه كل حاسد وحاقد. وحين يعجز الحاسد عن إيقاف مسيرة النجاح، فإنه لا يجني من حسده سوى العذاب في الدنيا والخسران في الآخرة، أما المحسود الذي تحصّن بالله ثم بوحدته وعمله، فإنه يمضي إلى الأمام، وتبقى النعمة عليه ما دام شاكرًا، والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.