نجلاء العتيبي
حدَّثتني صديقتي عن والدتها، وكيف كانت تنتظرُ موعد برنامج: «أبناؤنا في الخارج» في نهاية السبعينيات، الذي كان يُقدّمه الأستاذ ماجد الشبل، رحمه الله. قادني حديثُها إلى البحث عن البرنامج في قناة الذكريات، فإذا بي أمام لقاءات مع مُبتعثين، بدتْ لي من أجمل ما شاهدتُ؛ لبساطتها، وصدق أحاديثهم، وما تستثيره في النفس من تقدير لأمهات عشنَ انتظار الخبر، وابتهجنَ بوصول صوت أو صورة من بلاد بعيدة.
تابعت الوجوه الشابة وأخذت أتساءل: أين مضتْ بهم الحياة بعد تلك الأعوام؟ وكيف أثمرتْ دراستهم؟ رحم الله مَن توفَّاه منهم، وأطال أعمار الباقين في صحة وعافية؛ فخلف كل وجهٍ ظهر على الشاشة أسرة تعرفه، وأم تحفظ نبرة صوته، وتُفتّش في ملامحه عن جوابٍ لسؤالٍ يسبق كل أسئلتها: هل ابني بخير؟
في ذلك الزمن كان للاتصال حساباته، وللمكالمة الدولية تكلفتُها وترتيباتها، وللرسالة طريقٌ طويلٌ؛ لذلك كان موعد الحلقة يحمل أهمية خاصة لدى الأُسر؛ فقد يُتيح لها أن ترى ابنها وتسمع صوته، ولو لدقائق معدودة، ولم يكن جميع المبتعثين ضيوفًا في البرنامج، غير أن ظهور أحدهم كان كافيًا ليمنح أسرته شيئًا من الطمأنينة، ويُشعرها بأن المسافة قد قصرت قليلًا.
كانت الأم تنتظر الحلقة وهي تترقَّب ظهور ابنها؛ تستعيدُ آخر حديث دار بينهما، وتُعيد قراءة رسالته، وتتخيَّل ما قد يمُرُّ به بعيدًا عنها، فإذا ظهر في البرنامج رأته يتحدَّث عن دراسته وطموحه، واطمأنَّت إلى حاله من صوته وملامحه، وقد تبقى تلك الدقائق حاضرةً في وجدانها، تستعيد منها ما يطمئنها حين يشتدُّ الشوق.
تفرح بما بلغه، فيما تتمنَّى لو يجلس أمامها لتسأله عما يأكل، وكيف ينام، ومن يُؤنسه إذا مرض، قد تبدو هذه الأسئلة بسيطة، لكنها تعني الكثير لمن غاب عنه أحبُّ الناس.
تتردَّد الأم بين رغبتينِ صادقتينِ: أن يبقى أبناؤها قريبينَ منها، وأن يرتفعوا بالعِلم، تتمنَّى حضورهم حولها، وتتمنَّى لهم في الوقت نفسه فُرصًا قد لا تتحقَّق إلا بالرحيل، تُؤيّد سفرهم، وتُعينهم على الاستعداد، وربما اختصرت حديث الوداع خشيةَ أن تثقل عليهم، يمضون بما سمعوه من تشجيعها، وتعود هي إلى يومها، تتعلَّم كيف تحتمل غيابًا اختارته معهم ومن أجل مستقبلهم.
هذا جانبٌ جديرٌ بأن نتذكَّره حين نحتفي بمنجزات المتعلمين؛ فخلف كل شهادةٍ اجتهاد صاحبها، وخلف كل رحلةٍ بيتٌ أعاد ترتيب أيامه على مواعيد عودته، وأم صبرت كي تراه يبلغ ما يرجوه، وللعلم مكانة تجعل الأسرة تقبل مشقَّة البُعد؛ لأن ثماره تمتدُّ إلى صاحبه وأهله ووطنه، ولعل في نجاح الأبناء أثرًا من ذلك الحب الذي أحسن المساندة، رغم حاجته العميقة إلى القرب.
ومن أعمق ما في هذه الرحلة أن الابن يكتشف، مع نضجه، مقدار ما احتملته أُمُّهُ حين شجَّعته على السفر؛ فيدرك أن رضاها برحيله لم يُطفئ شوقها، وأنها كانت تفرح باتساع مستقبله، رغم مشقة الانتظار وافتقاد حضوره في بيتها.
أما اليوم فقد تبدَّل الكثير؛ فتستطيع الأم أن ترى ابنها في مكالمة مرئية، وتتحدَّث معه وهو في غرفته، ويُشاركها يومه بصورة أو رسالة صوتية، تعرف نتيجة اختباره فور صدورها، وتسمع فرحته دون أن تنتظر وصول خطاب؛ إنها نعمة عظيمة خفَّفت قلقًا حملته أُسر سابقة، وأتاحت للمبتعث أن يظلَّ حاضرًا في حياة أهله، مهما تباعدت المدن واختلفت المواعيد.
مع هذه السهولة تبقى للمبادرة قيمتها؛ فقد تكون الأم قادرةً على الاتصال، لكنها تنتظر أن يتذكَّرها ابنها من تلقاء نفسه، وأن يُحدّثها دون استعجالٍ؛ فالتقنية تختصر زمن الوصول، أما الاهتمام فيمنح التواصل دفأه ومعناه، وحين ينشغل الأبناء بدراستهم، يكفي أن يُخصّصوا لأهلهم موعدًا معلومًا، وحديثًا يطمئنهم، ومشاركة تشعرهم بأن لهم مكانًا محفوظًا في يومهم.
بعد المشاهدة عُدتُ إلى حديث صديقتي؛ فما أجمَلَ أن يصل برنامج تلفزيوني بين طلاب يسعون إلى العلم وبيوت تترقَّب أخبارهم، وشعرت بالامتنان لما نعيشه اليوم من سهولة التواصل، ولعل أجمل ما نحتفظ به من تلك المشاهد أن نتذكَّر قيمة الخبر المطمئن حين تنتظره أُمٌّ، فنرسله إليها بمحبَّةٍ، ونحفظ لها حقَّ المشاركة في رحلة دعمتها بقلبها، ودعت لأصحابها، وصبرت على بُعدها، كي تراهم يعودون بما ينفعهم ويرفع شأن وطنهم.
* ضوء:
«في غياب الأبناء يتحوَّل بيت الأم إلى محرابٍ من الشوق، وتُصبح كل دقة ساعة فيه دعاء بسلامة الغائبين».
- أنيس منصور.