الرياض - خاص بـ«الجزيرة»:
يعيش بعض الأشخاص في حالة من القلق المستمر على صحتهم؛ فيراقبون نبضهم وضغطهم وأعراضهم الصغيرة، ويبحثون عن الأمراض في وسائل التواصل الاجتماعي، ويكررون الفحوصات الطبية على الرغم من أن النتائج مطمئنة.
وقد تنجم عن هذه التصرفات (والتي تُعرف طبياً باضطراب قلق المرض أو توهم المرض) عدة محاذير شرعية تؤثر في عقيدة المسلم وسلوكه وسلامة قلبه، وربما تجلب له الكثير من الوساوس المرضية.
«الجزيرة» التقت اثنين من المختصين في العلوم الشرعية والطبية ليقدما رؤاهم وفق تخصصاتهم.
الخوف من المرض مرض
يؤكد الدكتور عبدالمحسن بن عبدالله الزكري قاضي الاستئناف بالرياض على وجوب الأخذ بالأسباب وطمأنينة التوكل، ولكن لا تجعل قلبك أسيرًا لها؛ فالصحة نعمة تُشكر، والمرض قدر يُدفع بما أُتيح من أسباب، والطمأنينة ثمرة التوكل على الله، فليست العافية أن يخلو الجسد من كل عارض، وإنما أن يعرف الإنسان كيف يعتني بصحته دون أن يتحول خوفه عليها إلى عبءٍ على حياته وطمأنينته، ويتسبب بالقلق لأسرته وأحبابه، مشيراً إلى أنه
في زمن أصبحت فيه المعلومة الطبية متاحة بضغطة زر، لم يعد الإنسان ينتظر موعد الطبيب ليعرف شيئًا عن صحته؛ فكل عرض له تفسير محتمل، وكل ألم بسيط يمكن أن يقود في محركات البحث إلى قائمة طويلة من الأمراض، وبين الوعي الصحي المشروع والانشغال المرضي مسافة دقيقة قد لا ينتبه إليها الإنسان إلا بعد أن يجد نفسه يعيش في حالة دائمة من الترقب والقلق.
قلق المرض
ويضيف الدكتور الزكري: هناك من يراقب نبضه وضغطه باستمرار، ويتوقف عند كل ألم أو تغير بسيط في جسده، ويبحث عن أعراض الأمراض في وسائل التواصل، ثم يعيد الفحوصات الطبية رغم أن نتائجها مطمئنة، ومع الوقت، قد تتحول الرغبة في الاطمئنان إلى مصدر دائم للقلق، ويُعرف هذا في المجال الطبي بقلق المرض، وهي حالة يصبح فيها الخوف من الإصابة بمرض محورًا متكررًا في تفكير الإنسان، حتى مع غياب المؤشرات الطبية التي تدعو إلى ذلك، وللأسف هناك من تجار الطب من يبالغ في تخويف المريض ليدفعه إلى الموافقة على قرارات ليست في صالحه بل تعود بالربح المادي على الطبيب أو الجهة التابع لها، ويكلف نفسه أعباء مالية تفوق قدرته، حين يتجاوز الاهتمام بالصحة حدّه
أو يتجاوز المختص بالعلاج في تضخيم الحالة المرضية وطرق علاجها.
الأسباب المشروعة
ويشدد د. عبدالمحسن الزكري على أن المحافظة على الصحة من مقاصد الشريعة، وأن مراجعة الطبيب، والتشخيص المبكر، والوقاية، والتداوي، كلها من الأخذ بالأسباب المشروعة، وليس من الصواب أن يُطلب من الإنسان تجاهل أعراضه أو الامتناع عن الفحوصات اللازمة بحجة التوكل، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الأخذ بالأسباب إلى استسلام دائم للخوف؛ فيصبح الإنسان بحاجة مستمرة إلى فحص جديد أو رأي طبي جديد حتى يشعر بالاطمئنان، ثم لا يلبث أن يعود القلق مرة أخرى.
وهنا يحتاج الإنسان إلى أن يميز بين الاحتياط الصحي والوسواس؛ فالاحتياط له غاية معقولة وحدود واضحة، أما الوسواس فيدفع صاحبه إلى طلب يقين كامل لا يستطيع أحد أن يملكه، مشيراً إلى أن التوكل لا يلغي الأسباب.
ومن أجمل ما يحققه المنهج الإسلامي في هذا الباب أنه يجمع بين أمرين قد يظن بعض الناس أنهما متعارضان: الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، وطمأنينة القلب.
فالمسلم لا يهمل جسده، ولا يرفض العلاج، ولا يستهين بالأعراض المهمة، لكنه في الوقت نفسه لا يجعل الأسباب الطبية مصدر أمنه الوحيد. قال تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}.
ولا يستعجل في إجراء العمليات الجراحية والتدخل الطبي أو استهلاك كميات من الأدوية، وربما كان ضرر هذه التصرفات أكبر من نفس المرض، وإذا ظهر عرض يحتاج إلى تقييم، ذهب الإنسان إلى الطبيب المختص، وأجرى ما يلزم من فحوصات، والتزم بالتوجيه الطبي؛ فإذا جاءت النتائج مطمئنة، ولم ير الطبيب ما يستدعي مزيدًا من الاستقصاء، كان من الحكمة أن يقبل بذلك، وألا يجعل الشك بوابة لا تنتهي من الفحوص والبحث.
ظواهر لافتة
ويرى د. عبدالمحسن الزكري أنه ينبغي الاستفادة من الذكاء الاصطناعي والبحث الإلكتروني والاطلاع على تجارب الآخرين ولكن لا تجعل محرك البحث عيادتك اليومية أو تجارب الآخرين مصدراً لقرارك، ومن الظواهر اللافتة اليوم أن بعض الناس أصبحوا يبحثون عن أعراضهم في الإنترنت بصورة متكررة، وهذه الممارسة قد تبدو في ظاهرها طلبًا للمعرفة، لكنها قد تزيد القلق؛ لأن العرض الواحد قد يرتبط بأسباب كثيرة، تتراوح بين البسيط والخطير، بينما لا يستطيع محرك البحث أن يفحص المريض أو يعرف تاريخه الصحي أو يقيّم حالته سريريًا.
ولهذا ينبغي أن تكون المعلومات الصحية وسيلة للوعي، لا وقودًا للوسواس، وأن يبقى الطبيب المختص هو المرجع في التشخيص والتقييم، والعافية تحتاج إلى شكر لا إلى خوف دائم، وإن من المفارقات أن يتحول خوف الإنسان من المرض إلى سبب في حرمانه من الاستمتاع بالعافية التي يعيشها؛ فبدل أن يشكر نعمة الصحة، يصبح منشغلًا طوال الوقت باحتمال فقدانها، والإيمان لا يعني أن الإنسان لن يمرض، كما أن ظهور عرض عابر لا يعني بالضرورة وجود مرض خطير، والحياة بطبيعتها تحمل قدرًا من عدم اليقين، والإنسان لا يستطيع أن يحصل على ضمان كامل للمستقبل.
الأسباب والقلق
واختتم د. عبدالمحسن الزكري حديثه بضرورة الأخذ بالأسباب وترك القلق، والحكمة ليست في أن نهمل أجسادنا، كما أنها ليست في أن نعيش أسرى لمراقبتها، كما أن الحكمة أن نضع الأمور في مواضعها: نفحص عندما تستدعي الحاجة، ونتداوى عندما نحتاج إلى العلاج، ونستشير أهل الاختصاص، ثم نترك ما وراء ذلك لله سبحانه، حيث إن الصحة مسؤولية، والعافية نعمة، والوقاية وعي، والتداوي سبب؛ لكن الطمأنينة أعمق من كل ذلك، إنها ثمرة قلب يعرف أن عليه أن يفعل ما يستطيع، ثم يثق بربه فيما لا يستطيع.
فليس المطلوب أن نعيش بلا احتياط، ولا أن نبحث عن يقين مستحيل، وإنما أن نعيش بوعيٍ يحفظ أجسادنا، وإيمانٍ يطمئن قلوبنا، وتوكلٍ يجعلنا نأخذ بالأسباب دون أن نصبح أسرى لها، ونتمنى أيضاً من الجهات الرقابية المختصة التنبه للأطباء والمستشفيات الخاصة التي تبالغ في إجراء العمليات وصرف الأدوية دون ضرورة لها وإنما لزيادة الدخل على حساب صحة الآخرين واقتصاد المجتمع.
مساران متوازيان
ويقول الدكتور عروة بن محمد حاميش أخصائي الأمراض الباطنية بالرياض: الصحة الجيدة ليست مجرد غياب المرض، وليست مرتبطة بالوزن أو شكل الجسم فقط، بل هي توازن بين الجسم والعقل والنوم والغذاء والنشاط والعلاقات الاجتماعية، ولذلك فإن بناء جسم صحي يحتاج إلى مسارين متوازيين: العناية بالجسم، والعناية بطريقة التفكير تجاه الصحة، وذلك وفق الآتي:
1 - التغذية المتوازنة:
لا يحتاج الجسم الصحي إلى حمية قاسية، وإنما إلى نظام غذائي متوازن ومستمر، حيث ينبغي الحرص على تناول الخضراوات والفواكه يوميًا،
والحصول على البروتين من مصادر متنوعة مثل: البيض، الدجاج، السمك، البقوليات ومنتجات الألبان، واختيار الحبوب الكاملة والأطعمة الغنية بالألياف، وتقليل السكريات والمشروبات المحلاة والأطعمة فائقة التصنيع، والاعتدال في الدهون والملح، وشرب كمية مناسبة من الماء بحسب احتياجات الجسم والطقس والنشاط.
والقاعدة المهمة: لا تبحث عن الغذاء المثالي، بل عن نظام تستطيع الاستمرار عليه.
2 - الحركة والرياضة:
النشاط البدني من أهم عوامل الوقاية الصحية، المشي السريع، وركوب الدراجة، والسباحة، والجري أو تمارين المقاومة كلها خيارات مفيدة، ويمكن أن تبدأ تدريجيًا، مثل:
المشي 30 دقيقة معظم أيام الأسبوع، وتمارين المقاومة مرتين أو أكثر أسبوعيًا، وزيادة الحركة اليومية وتقليل الجلوس لفترات طويلة، والأفضل هو اختيار نشاط تستمتع به حتى يصبح جزءًا طبيعيًا من حياتك.
3 - النوم:
النوم ليس وقتًا ضائعًا؛ فهو جزء أساسي من صحة الدماغ والجهاز المناعي والتمثيل الغذائي، وينبغي محاولة النوم والاستيقاظ في أوقات منتظمة، وتقليل استخدام الهاتف قبل النوم، وتجنب الكافيين في الساعات المتأخرة من اليوم، وتوفير غرفة هادئة ومناسبة للنوم.
4 - الحفاظ على وزن صحي
الهدف ليس الوصول إلى أقل وزن ممكن، وإنما الوصول إلى وزن مناسب والحفاظ عليه بطريقة تدريجية، حيث إن إنقاص الوزن الناجح يعتمد عادةً على عادات صغيرة مستمرة بدل الحميات القاسية أو الحلول السريعة.
وساوس المرض
ويبين د. عروة حاميش أخصائي الأمراض الباطنية بالرياض أن القلق الصحي هو انشغال زائد باحتمالية الإصابة بمرض خطير، حتى عندما تكون الأعراض بسيطة أو الفحوصات مطمئنة، وقد يظهر على شكل: مراقبة الجسم بشكل متكرر، وقياس الضغط أو النبض مرات كثيرة، والبحث المستمر عن الأعراض في الإنترنت، وتفسير الصداع أو التعب أو الخفقان مباشرةً على أنه مرض، وطلب الطمأنة بشكل متكرر، والخوف من أن يكون الطبيب أو الفحص قد أخطأ، والمشكلة أن الطمأنة المتكررة قد تخفف القلق مؤقتًا، لكنها قد تعزز دائرة الوسواس على المدى الطويل، مشدداً على أهمية فهم دائرة القلق، من خلال الآتي:
إحساس طبيعي في الجسم - فكرة «ربما لدي مرض خطير» - القلق - مراقبة الجسم - ملاحظة أحاسيس أكثر - البحث عن المرض - زيادة القلق.
الجسم نفسه يتأثر بالقلق؛ فقد يؤدي القلق إلى زيادة ضربات القلب، التعرق، شد العضلات، اضطراب المعدة أو الإحساس بضيق النفس، وعندما يفسر الشخص هذه الأعراض على أنها دليل على مرض خطير، تستمر الحلقة، ويمكن أن تكسر هذه الدائرة، وفق النقاط التالية:
1 - لا تفسر كل إحساس على أنه مرض.
2 - توقف عن البحث العشوائي عن الأعراض.
3 - قلل فحص جسمك.
4 - لا تجعل الفحوصات وسيلة لتهدئة القلق فقط.
5 - مارس حياة طبيعية رغم وجود القلق.
التخلص من الخوف
ويختم د.عروة حاميش أخصائي الباطنية بالرياض حديثه قائلاً: الجسم الصحي لا يُبنى في أسبوع، كما أن التخلص من الخوف من المرض لا يحدث بطمأنة واحدة، والصحة الحقيقية هي أن: تأكل بشكل متوازن + تتحرك بانتظام + تنام جيدًا + تحافظ على وزن مناسب + تجري الفحوصات المناسبة طبيًا + تتوقف عن مراقبة جسمك بشكل مفرط + تتعلم التعامل مع الأفكار المقلقة دون الاستجابة لها.
والهدف ليس أن تعيش حياتك وأنت تبحث عن دليل يؤكد أنك سليم، بل أن تعيش حياة صحية دون أن يتحول الاهتمام بالصحة إلى خوف دائم من المرض.