عبدالرحمن العطوي
لم تعد المعركة في عالم اليوم تدار بالسلاح وحده ولم تعد الفوضى تصنعها البنادق والمتفجرات وحدها فقد أصبح الإعلام في بعض صوره أخطر من ذلك كله عندما تتحول الشاشة إلى منصة لبث الأكاذيب وتزييف الحقائق وصناعة الأزمات وتوجيه الرأي العام وفق أجندات من يقف خلفها ويمولها ويحدد لها ما تقول وما تخفي وما تبالغ فيه وما تتجاهله وفي الوقت الذي تمر فيه المنطقة بمرحلة شديدة الحساسية تتشابك فيها الأزمات السياسية والأمنية والعسكرية وتتعاظم فيها الحاجة إلى المعلومة الدقيقة والمسؤولة تخرج علينا بعض القنوات الفضائية من دول عربية وإسلامية لتؤدي دورا يتجاوز العمل الإعلامي إلى ممارسة سياسية وتحريضية مكشوفة فتنتقي الأخبار وتعيد صياغة الوقائع وتبني رواياتها على مصادر مجهولة أو معلومات مفبركة ثم تقدمها للمشاهد على أنها حقائق مكتملة بينما هي في حقيقتها جزء من معركة إعلامية تستهدف الوعي قبل أن تستهدف الموقف السياسي.
المشكلة ليست في الاختلاف السياسي ولا في تعدد وجهات النظر فذلك حق مشروع في أي بيئة إعلامية حرة ولكن الخطر يبدأ عندما يسقط الإعلام من خانة الرأي إلى خانة التضليل وعندما تتحول القناة إلى غرفة عمليات إعلامية تعمل على صناعة الرواية بدلا من نقل الحقيقة وعندما تصبح الأخبار الكاذبة والشائعات والتسجيلات المجتزأة والعواجل المضللة أدوات يومية لتشويه الدول والإساءة إلى قياداتها والتحريض على مجتمعاتها ومحاولة صناعة صورة ذهنية زائفة لدى المتلقي.
والأكثر خطورة أن بعض هذه القنوات لا تكتفي بنقل ما يصدر عن جهات معادية أو جماعات خارجة عن الشرعية وإنما تمنحها مساحة إعلامية واسعة وتتعامل مع تصريحاتها وكأنها بيانات رسمية صادرة عن دول ومؤسسات شرعية في حين أن بعض تلك الجهات جماعات مسلحة ومنظمات مصنفة إرهابية أو مرتبطة بمشروعات فوضوية لا تمثل الشعوب التي تدعي الحديث باسمها فكيف يمكن لقناة تدعي المهنية أن تقدم خطاب جماعة مسلحة على أنه موقف دولة وأن تمنح تصريحاتها صفة الخبر الرسمي دون أن تضع للمشاهد سياقه الحقيقي ودون أن توضح طبيعة الجهة التي أطلقته وأهدافها وموقعها من المشهد السياسي والقانوني.
إن استضافة شخصيات تقيم في دول غربية وتقدم للمشاهد تحت عناوين كبيرة من قبيل سياسي أو معارض لا تعفي القناة من مسؤوليتها المهنية في تعريف الجمهور بحقيقة موقع الضيف وخلفيته ومصادر معلوماته ومدى ارتباطه بالحدث الذي يتحدث عنه فليس كل من ظهر أمام الكاميرا سياسيا وليس كل من وصف نفسه بالمعارض مصدرا مستقلا وليس كل تصريح يصدر من شخص بعيد عن الميدان يستحق أن يتحول إلى عنوان عاجل تتناقله المنصات وكأنه حقيقة لا تقبل النقاش.
فلماذا تتحول بعض المنصات إلى مصانع للأخبار الكاذبة ولماذا يتم تمرير الادعاءات دون تحقق ولماذا يعاد بث معلومات ثبت زيفها ولماذا تصبح الإساءة إلى المملكة ومؤسساتها ومجتمعها مادة متكررة وكأن هناك من يدفع باتجاه إبقاء خطاب الكراهية والتشويه حاضرا في المشهد الإعلامي مهما تغيرت الأحداث.
إن المملكة العربية السعودية التي تقف اليوم بثقلها السياسي والاقتصادي والأمني في منطقة مضطربة لا يمكن أن تكون بعيدة عن محاولات الاستهداف الإعلامي فكلما ارتفع تأثيرها واتسعت أدوارها وتعددت مبادراتها السياسية والإنسانية والاقتصادية ازدادت محاولات التشويش على صورتها ولذلك فإن مواجهة التضليل الإعلامي لا ينبغي أن تكون بردود فعل عاطفية على كل شائعة وإنما بمنظومة احترافية ترصد وتوثق وتكشف وتواجه وتضع الوقائع أمام الرأي العام وتترك للمتلقي فرصة المقارنة بين الحقيقة والرواية المصنوعة.
والمفارقة أن بعض القنوات التي تتحدث كثيرا عن الحرية الإعلامية لا تتردد في منح منابرها لمن يمارسون التحريض أو يروجون لأخبار لا تستند إلى مصادر موثوقة ثم عندما تظهر الحقيقة لا نجد الاعتذار ذاته ولا المساحة ذاتها ولا العنوان العاجل الذي رافق الخبر الكاذب بل تمر الكذبة وكأنها لم تكن بينما تكون آثارها قد وصلت إلى ملايين المشاهدين.
الإعلام المسؤول لا يقاس بعدد العواجل ولا بسرعة نشر الخبر وإنما بقدرته على التحقق قبل النشر وبقدرته على التمييز بين الخبر والرأي وبين المعلومة والدعاية وبين المصدر المستقل والمصدر الذي يعمل ضمن أجندة سياسية أو عسكرية فالإعلام الذي يفتح شاشته لكل من يريد التشويه دون تدقيق لا يمارس حقا مهنيا وإنما يشارك بصورة مباشرة أو غير مباشرة في صناعة التضليل.
وهنا تبرز مسؤولية الجهات التنظيمية في الدول التي تبث منها هذه القنوات أو تعمل من خلالها فحرية الإعلام لا تعني الفوضى وحرية التعبير لا تعني نشر الأكاذيب والإساءة والتحريض ولا تعني تحويل المنصات الإعلامية إلى أدوات لتصفية الحسابات السياسية فكما توجد قوانين تنظم النشاط المالي والتجاري توجد أنظمة تضبط العمل الإعلامي وتحمي المجتمع من التضليل وخطاب الكراهية ونشر المعلومات المضللة ولذلك فإن تطبيق الأنظمة لا ينبغي أن يكون انتقائيا ولا أن يتوقف عند حدود البيانات وإنما يجب أن تكون هناك مساءلة واضحة لكل مؤسسة إعلامية تتعمد أو تكرر نشر معلومات كاذبة أو مضللة بعد ثبوت عدم صحتها.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في قناة فضائية بحد ذاتها ولا في رأي سياسي مخالف وإنما في منظومة إعلامية كاملة يمكن أن تتحول فيها الشاشة إلى سلاح لتأجيج المجتمعات وإرباك الشعوب وتشويه الدول وإضعاف الثقة بالمؤسسات وزرع الشك في كل حقيقة وهذا النوع من الإعلام لا يقل خطورة في تأثيره عن أدوات الفوضى التي تستخدمها الجماعات المسلحة على الأرض لأن تلك الجماعات قد تطلق رصاصة بينما تستطيع الشاشة أن تطلق آلاف الأكاذيب في اللحظة نفسها لتصل إلى ملايين الناس.
ومن هنا فإن المرحلة الحالية تتطلب إعلاما أكثر مسؤولية لا إعلاما أكثر ضجيجا وتتطلب من القنوات التي تدعي المهنية أن تعيد النظر في مفهوم السبق الصحفي وأن تدرك أن سبق نشر الكذبة ليس إنجازا وأن تحويل تصريح جماعة مسلحة إلى خبر عاجل ليس حيادا وأن استضافة شخص مجهول الصفة والمصدر لتوجيه الاتهامات إلى دولة أو مجتمع ليست ممارسة مهنية وأن إعادة نشر الادعاء بعد تداوله في وسائل التواصل الاجتماعي لا يحوله إلى حقيقة.
لقد أصبح المشاهد اليوم أكثر وعيا وقدرة على المقارنة ولم يعد يتلقى الخبر من مصدر واحد ولذلك فإن القنوات التي تبني حضورها على التضليل قد تنجح في صناعة ضجيج مؤقت لكنها تخسر مع الوقت أهم ما يملكه الإعلام وهو الثقة والثقة إذا سقطت لا تعيدها كثرة المذيعين ولا ضخامة الاستوديوهات ولا كثرة العواجل.
إن المملكة العربية السعودية ليست بحاجة إلى إعلام يرد على كل إساءة بإساءة ولا إلى الدخول في معارك الصراخ الإعلامي وإنما تحتاج إلى إعلام وطني مهني قوي وإلى حضور دولي يضع الحقائق أمام العالم وإلى منظومة رصد ومواجهة للتضليل تقوم على الوثيقة والمعلومة والبيان الرسمي والحقائق القابلة للتحقق فالحقيقة في نهاية المطاف أقوى من الشائعة ولكنها تحتاج إلى من يقدمها في الوقت المناسب وباللغة التي يفهمها العالم.
وإذا كانت المنطقة تعيش اليوم واحدة من أكثر مراحلها حساسية فإن مسؤولية الإعلام تصبح أكبر من أي وقت مضى لأن الكلمة قد تهدئ أزمة وقد تشعلها والخبر قد يحمي مجتمعا وقد يدفعه إلى الفوضى والصورة قد تشرح الحقيقة وقد تستخدم لتزييفها ولذلك فإن السؤال لم يعد هل يحق لهذه القنوات أن تقول ما تشاء وإنما هل تتحمل مسؤوليتها عندما تقول ما تعرف أنه غير صحيح وهل توجد جهة قادرة على مساءلتها عندما تتحول الشاشة إلى منصة للإساءة والتضليل والتحريض.
إن مواجهة الإعلام المضلل ليست حربا على حرية الصحافة كما يحاول البعض تصويرها بل هي دفاع عن الحقيقة وعن حق الجمهور في الحصول على معلومة صحيحة وعن أمن المجتمعات واستقرارها فكما نطالب الجماعات المسلحة بعدم العبث بأمن الدول يجب أن نطالب بعض المنصات الإعلامية بعدم العبث بعقول الشعوب لأن الفوضى التي تبدأ بخبر كاذب قد تنتهي بأزمة حقيقية.
وفي زمن أصبحت فيه المعلومة سلاحا فإن حماية الحقيقة أصبحت جزءا من حماية الأمن الوطني ومن حماية وعي المجتمع ومن هنا فإن القنوات التي تختار أن تكون صوتا لمن يمولها ويوجهها بدلا من أن تكون صوتا للحقيقة عليها أن تدرك أن الزمن تغير وأن الجمهور أصبح أكثر قدرة على كشف التناقضات وأن الكذبة مهما ارتفع صوتها ستبقى كذبة وأن الشاشة مهما اتسعت لا تستطيع أن تمنح الباطل صفة الحقيقة وأن الإعلام الذي يفقد ضميره قد يتحول من سلطة رابعة إلى أداة من أدوات الفوضى.
وهنا تبقى الرسالة الأهم أن المملكة العربية السعودية ستظل قادرة على حماية صورتها ومكانتها بالحقيقة والعمل والإنجاز وأن أفضل رد على حملات التشويه ليس الانفعال وإنما كشف الحقيقة وأن مواجهة إعلام التضليل تبدأ من احترام عقل المواطن والمشاهد ومن تطبيق الأنظمة على كل من يتجاوزها ومن إعلاء قيمة الإعلام المهني الذي يعرف أن مهمته الأولى ليست صناعة العداوات ولا تنفيذ أجندات الممولين وإنما البحث عن الحقيقة ونقلها بمسؤولية فالمنطقة لا تحتمل مزيدا من أبواق الفوضى ولا العالم يحتاج مزيدا من الأخبار المفبركة وما يحتاجه الجميع اليوم هو إعلام يطفئ الحرائق لا إعلاما يبحث عن الوقود.