ليلى أمين السيف
حين قررت الهجرة، لم تكن السويد هي الوجهة التي اخترتها فقد كانت ألمانيا حينها هي المقصد.
لكن الحياة أحيانا لا تسير بالطريق الذي نرسمه لها فتأخذنا إلى مكان آخر ثم تترك لنا مهمة اكتشاف لماذا كان ذلك الطريق هو الذي كُتب لنا أن نسلكه. بلد لم يكن في خطتي الأولى لكنه صار بعد ذلك جزءا من حكايتي وهكذا انتهى بي المطاف في السويد.
لم آت اليها وانا لا اعرف عنها شيئا. كنت قد قرأت عنها وسمعت الكثير عن هذا البلد البعيد في شمال أوروبا؛ عن نظامه الاجتماعي وعن طبيعته وعن مستوى الحياة فيه وعن الهدوء الذي يميز مدنه وعن كونها بلاد نوبل الرجل الذي جعل اسمه مرتبطا بالعلم والمعرفة والاختراع والسلام.
لكن مهما قرأنا عن بلد تبقى هناك مسافة بين ما نعرفه عنه وما نشعر به حين يصبح جزءا من حياتنا فالكتب تخبرك عن كل شيء أما الانغماس في الحياة فتلك حكاية اخرى. وكانت الدهشة الاولى للسويد مختلفة؛ فالجو له حضوره والمطر له حكايته والبرد والثلوج يغيران ملامح المكان والخضرة تمتد حولك في كل اتجاه والبيوت بهدوئها وبساطتها والطبيعة التي تبدو حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية.
أول ما ترك أثرا في نفسي لم يكن القانون ولا السياسة ولا الاقتصاد؛ أنه الجو. ذلك الهواء الشمالي النقي الذي تشعر معه انك تستنشق شيئا مختلفا؛ هواء بارد وخفيف، صاف يدخل صدرك ببرودته الأولى ثم يترك فيه احساسا غريبا بالنقاء والاتساع كأن الرئتين تتنفسان للمرة الأولى على مهل.
ويبلغ المشهد جماله حين ينهمر المطر كأنه امتداد طبيعي لذلك الجمال؛ ينساب من السماء في هدوء، يغسل الطرق والأشجار ويوقظ الخضرة حتى يبدو المشهد كله أكثر نضارة وحياة.
وللبرد هنا لغة اخرى؛ لغة صامتة، حادة ونقية توقظ الحواس وتمنح المكان هيبة الشمال.
والشتاء السويدي قصة بحد ذاته ففيه يكتب الثلج فصل السويد الابيض؛ يغطي الطرق والاسطح والأشجار ويعيد رسم تفاصيل المكان بهدوء حتى يصبح المألوف جديدا واليومي مدهشا.
ولأنني لم آت من بلاد الثلج، كان للمشهد دهشة خاصة أن تستيقظ فتجد العالم أبيض. أن تنظر من النافذة فلا ترى ذلك اللون الذي اعتدت عليه. أن تمشي والثلج تحت قدميك وتسمع ذلك الصوت الخافت الذي لا يشبه صوت المشي على الأرض العادية. ثم تكتشف أن السويديين يعيشون كل ذلك ببساطة شديدة. يرتدون معاطفهم، يأخذون أطفالهم إلى المدرسة، يذهبون إلى أعمالهم، يشربون قهوتهم ويكملون يومهم وكان الثلج مجرد فصل من فصول الحياة.
وتكتمل الصورة بالبيوت تلك المباني التي تبدو هادئة، مرتبة، عملية بلا مبالغة.
الخشب حاضر في كثير من المشاهد والنوافذ الكبيرة تفتح للضوء طريقا إلى الداخل والالوان هادئة وكل شيء يبدو وكأنه صمم ليخدم الإنسان لا ليستعرض أمامه.
والأشجار هنا ليست مجرد أشجار على جانبي الطرق؛ إنها جزء من روح المكان. طويلة باسقة تمتد نحو السماء وتلقي بظلالها على العابرين بينما تحيط بك الخضرة من كل جانب حتى يصعب أن تمر دون أن تلاحظها. تراها بين البيوت وعلى أطراف الطرق وفي الحدائق وكأن الأرض هنا لا تحب أن تظهر عارية؛ دائما ما تكسو نفسها بشيء من العشب أو الشجر أو الزهر. وربما لهذا يبدو المكان أكثر هدوءا وحياة أما الغابات فهي جزء من شخصية البلاد. وفوق ذلك ثلأتي البحيرات فهي كثيرة إلى درجة تجعل الماء يبدو وكانه احد سكان السويد. طبيعة واسعة، هادئة لا تحتاج إلى كثير من الكلام.
يكفي أن تقف أمام بحيرة في صباح بارد أو تمشي بين الأشجار بعد المطر حتى تفهم لماذا ارتبطت السويد في أذهان كثيرين بالطبيعة والهدوء.
وخلف هذا الجمال كله كانت هناك سويد أخرى؛ بلد له فلسفته الخاصة في الحياة.
بلاد لها حكايتها الخاصة مع المساواة والعمل والأسرة؛ مجتمع يحاول أن يجعل للطفل مكانا وللأسرة حماية وللمرأة استقلالا وللكبير في السن رعاية وللإنسان مساحة يعيش فيها بكرامة.
غير أن ما لفتني حقا لم يكن كل ما قرأت عنه قبل المجيء. ليس الثلج وحده ولا الغابات والبحيرات ولا التصميم ولا الهدوء. هناك شيء آخر، شيء لا تلتقطه عدسة ولا تصفه صورة؛ شعور يتسلل إلى تفاصيل الحياة دون أن ننتبه اليه.
ذلك الاحساس بان الإنسان ليس وحده أمام الحياة وبالطبع فإن السويد ليست استثناء في هذا؛ فهناك دول كثيرة تقدم لمواطنيها ومقيميها خدمات ورعاية اجتماعية وأنظمة تحمي الإنسان وتسانده. لكن قيمة النعمة لا تحتاج أن تكون فريدة حتى تستحق الامتنان.
حين يعيش الإنسان في بلد يجد فيه طفله مقعدا في المدرسة ويجد فيه المريض طريقا إلى الرعاية الصحية ويجد المسن من يرعاه وتجد الأسرة من يسندها في وقت الشدة ولا يفقد الإنسان كرامته
حين يفقد قدرته على العمل، يصبح من الانصاف أن يتوقف لحظة ويقول: شكرا.
شكرا للدولة على ما تقدمه. شكرا لكل مؤسسة تعمل من اجل الناس. وشكرا لكل من جعل هذه الخدمات جزءا من الحياة اليومية حتى اصبحنا نراها أحيانا شيئا عاديا ولا ننتبه إلى قيمتها..
وكل هذا تقف خلفه منظومة اجتماعية وقانونية قد تكون فيها ثغرات وقد تخطئ وقد تؤخر وقد تضع شروطا واجراءات ترهق الإنسان لكنها في أساسها تقوم على فكرة شديدة الاهمية؛ أن الإنسان يستحق الحماية والكرامة لا لأنه ولد في المكان الصحيح وإنما لأنه إنسان.
وفي المعنى الاسلامي الشكر لا يكون بالكلمات وحدها؛ فالنعمة تدوم بالشكر والشكر الحقيقي يكون بحفظها وحسن استعمالها وبأن نكون عونا على استمرار الخير فيها.
ومن حق هذا البلد علينا أن نحافظ على ما فيه من نعم وأن نلتزم بالقانون ونقوم بواجباتنا ونسهم بما نستطيع في مساعدة الدولة والمجتمع على ما فيه مصلحة الجميع فبعض النعم لا نشعر بعظمتها لأنها ببساطة اصبحت من تفاصيل يومنا.
وهنا بدأت افكر في معنى النعمة فنحن احيانا لا نشعر بالنعمة لأنها اصبحت جزء من تفاصيل حياتنا.
الطفل الذي يذهب إلى المدرسة كل صباح لا يفكر في أن التعليم نعمة وغيره محروم منها والذي يستطيع أن يراجع الطبيب عندما يحتاج لا يجلس ليفكر في معنى الرعاية الصحية. والإنسان الذي يكبر في السن ويجد حوله مجتمعا ومؤسسات وخدمات لا يتوقف كثيرا عند السؤال: ماذا كان سيحدث لي لو لم تكن هذه الاشياء موجودة؟ لكن الإنسان الذي عاش في أماكن مختلفة يعرف. يعرف أن هناك فرقا هائلا بين أن يكون لديك حق قد تختلف حول تفاصيل الحصول عليه وبين الا يكون لك الحق اصلا. يعرف الفرق بين أن تقلق من قرار إداري وأن تقلق من مستقبلك كله. يعرف الفرق بين أن تنتظر موعدا طبيا وبين الا تعرف أن كان العلاج متاحا لك أصلا.
وهنا لا أريد أن أقول إن السويد بلد بلا عيوب. على العكس. في السويد ما يستحق النقد وما يحتاج إلى اصلاح وهناك قوانين واجراءات قد يجدها الإنسان قاسية أو معقدة لكن الانصاف يقتضي أن نرى النصف الآخر من الصورة أيضا.
أن نتوقف أحيانا عن النظر إلى ما ينقصنا فقط وننظر إلى ما بين أيدينا.
أن يكون أطفالنا سواء كانوا سويديين أو مقيمين أو لاجئين وفق القواعد التي تنطبق على وضعهم داخل منظومة تعليم ورعاية لا تجعل الأصل العرقي معيارا لقيمة الطفل.
ان يجد المريض طريقا إلى الرعاية الصحية وفق النظام المطبق عليه لا أن يصبح مرضه وحده سببا لسقوطه من الحساب. أن يكبر الإنسان وهو يعرف أن المجتمع لم يقل له: انتهت فائدتك.
وأن يعيش المقيم، في كثير من جوانب الحياة اليومية، تحت حماية القانون والمؤسسات لا تحت رحمة مزاج الافراد. قد لا تكون المساواة مطلقة في كل شيء ولا ينبغي أن ندعي ذلك لكن يكفي أحيانا أن تعرف أن الإنسان في هذه البلاد لا يبدأ حياته اليومية من سؤال.
هل أنا مواطن أم لا؟ بل من سؤال آخر: ما حقي؟ وما واجبي؟ وماذا يقول القانون؟
وهذا فرق كبير. ما الذي يجعل الوطن جميلا؟
ربما لهذا بعد سنوات من وصولي إلى السويد لم تعد دهشتي الأولى مرتبطة بالثلج ولا بالمطر
لقد أصبح الثلج ثلجا والمطر مطرا والبرد بردا والغابات غابات لكن بقي شيء واحد يستحق الدهشة. أن يتحول الامان إلى شيء عادي وأن يصبح من الطبيعي أن تفكر في الغد دون أن تخاف منه.
هذه البلاد لم تمنحنا الكمال لكنها منحت كثيرا منا شيئا ثمينا؛ مساحة لنعيش دون خوف دائم من الغد وهذه وحدها نعمة تستحق أن نرعاها ونثمنها..
ومع كل هذا الامتنان، لا أستطيع أن أخفي قلقي على السويد الآن. أشعر أننا نقف عند منعطف يحتاج إلى كثير من الحكمة؛ فحين يتحول الخلاف السياسي إلى استقطاب وحين تصبح المخاوف والهويات مادة للمنافسة وحين تطغى الحسابات الحزبية على المصلحة العامة، يبدأ الوطن نفسه بدفع الثمن.
السويد أكبر من أن تختصر في برنامج حزب وأهم من أن تصبح ساحة لتجارب سياسية أو مواقف شخصية. هذه البلاد التي بنت قوتها على الثقة والمؤسسات واحترام الإنسان تستحق ممن يختلفون حول مستقبلها أن يختلفوا من اجلها لا على حسابها.
فالسياسيون يتغيرون والأحزاب تتبدل والانتخابات تنتهي أما السويد فتبقى.
وفي خضم هذا الصخب الانتخابي، أقول لكل سياسي، أيا كان حزبه واتجاهه: توقفوا لحظة عن النظر الينا كأصوات انتخابية وانظروا الينا كأشخاص يحبون وطنهم.
المواطن الذي يحمل جوازا سويديا ليس وحده من يحب هذه البلاد والمقيم الذي لم يحصل على الجنسية بعد ليس عابرا فيها. نحن جميعا تهمنا السويد.
نعمل فيها، نربي أبناءنا فيها، ندفع من أعمارنا لبنائها ونحلم أن تكون غدا أفضل. نحن بالذات اخترناها وطنا لنا نحميه وندافع عنه، فاختاروا أنتم أن تحموها من الانقسام.
لا تجعلوا الهجرة وقودا للصراع الانتخابي ولا تجعلوا الخوف من الآخر وسيلة لكسب الأصوات
عالجوا المشكلات بقرارات عادلة وحاسبوا من يفسد ومن يستغل النظام ومن يهدد أمن المجتمع؛ لكن لا تجعلوا ملايين الناس يدفعون ثمن أخطاء أفراد.
كونوا حازمين مع الجريمة والفساد والاستغلال وحازمين بالقدر نفسه مع العنصرية والكراهية والتحريض على الناس بسبب أصلهم أو دينهم أو لونهم فالسياسة التي تبني جدارا بين أبناء البلد ليست قوة والسياسة التي تجعل إنسانا يشعر أنه أقل قيمة لأنه لم يولد هنا ليست حماية للسويد.
قوة السويد في أن قانونها أقوى من الكراهية ومؤسساتها اقوى من العنصرية وديمقراطيتها أوسع من الخلافات.
هذه البلاد جميلة ببياضها وسوادها، بثلوجها وأمطارها، بغاباتها وبحيراتها، بنجاحاتها واخفاقاتها، بمواطنيها ومقيميها فلا تشوهوا هذه الجميلة من أجل معركة انتخابية.
لا تسمحوا للخلاف السياسي أن يتحول إلى شرخ اجتماعي ولا تسمحوا للكراهية أن تصبح لغة عادية في بلد عرفه العالم بالسلام والعلم والعدل والإنسانية.
احموا السويد من الفساد ومن الجريمة ومن العنصرية ومن الكراهية ومن كل من يريد إفساد هذا المجتمع أو تمزيقه.
وحين تفعلون ذلك لن تكونوا تحمون فئة من السويديين دون أخرى بل ستكونون تحمون السويد نفسها.
نحن لا نطلب سويدا بلا اختلاف، نطلب سويدا لا يتحول فيها الاختلاف إلى عداوة.
لا نطلب وطنا بلا مشاكل، نطلب وطنا لا يخاف فيه الجار من جاره ولا نطلب أن نتفق جميعا. نطلب فقط أن نتذكر أننا رغم اختلاف اوراقنا وأصولنا نعيش تحت سماء واحدة ونريد لهذه البلاد الخير نفسه.
لقد اخترنا السويد وطنا لنا فلا تجعلونا نندم على اختيار وطن أحببناه بل اجعلوا منها وطنا نفتخر جميعا باننا اخترناه.
سويد قوية بالعدل، لا بالخوف.
سويد موحدة بالاحترام، لا بالكراهية
سويد تتسع لنا جميعا.