نجلاء العتيبي
أستمع إلى قصيدةٍ لسيد البيد، محمد الثبيتي، رحمه الله، ابنِ الطائف، وأترُكُ لصوته أن يقودني إليها، تمُرُّ في خاطري جبالُها، وطرقاتُها الصاعدة، وبيوتٌ تستقبل المساء بنوافذ مفتوحة للهواء، أشعُرُ أن القصيدة تعرف شيئًا من هذا المكان؛ من اتساعه، ومن أُلفةِ أهله، ومن جمال يحتاج إلى مَن يُصغي إليه كي يمنحه عبارته، وأجدُني أستمعُ للشاعر وأستعيدُ المدينة، في لقاء يجمع محبة الكلمة بمحبة الأرض التي أنجبت صاحبها.
للطائف عذوبةٌ تخصُّها حين يأتي الليل، تُلطّف نسماتُها حرارةَ النهار، وتتقاربُ الأصوات في المجالس، ويطيبُ الحديث على مهلٍ، ويصبح لكوب الشاي مذاقٌ تصحبه راحة المكان، هناك يتسع الوقت لجملةٍ تُقال بمحبة، ولذكرى تجدُ مَن يستمع إليها، ولبيت شعرٍ يستدعي بيتًا آخر، بعض المدن تترك فينا صورًا، والطائف تترك إحساسًا نستعيده كلما مرَّ هواؤها في الذاكرة، فنشتاق إلى جلسةٍ، وإلى وجوهٍ، وإلى مساءٍ طال بنا وتمنَّينا امتداده.
ومع الفجر يستقبل سكونُها أولَ الضوء برقَّةٍ تأسرُ القلب، تتبيَّن قمم الجبال شيئًا فشيئًا، ويخرج النهار من بين الأشجار والبيوت، وتصلُ زقزقة الطير واضحةً في الهواء البارد، أحب هذا الوقت الذي يمنح الإنسان فرصةً ليجمع أفكاره قبل انشغاله، ويشعر بقُربِهِ من نفسه ومن المكان، في مثل هذه الصباحات أفهم كيف تستيقظ رغبة الكتابة؛ يبدأ الأمر بإحساس يصعُبُ وصفُهُ، ويظلُّ صاحبه يبحث عن كلماتٍ تليق بما شعر به.
ولعل هذه الصلة بين جمال الطائف والكلمة بعضُ ما يجعل اسم «مدينة الأدب» قريبًا من وجدانها؛ فمنذ انضمامها إلى شبكة اليونسكو للمدن المبدعة في أكتوبر 2023، بوصفها أول مدينةٍ سعوديةٍ تُدرَجُ في مجال الأدب، اتَّسع حضور إرثها في الحوار الثقافي العالمي، وأرى في هذه المكانة اعترافًا بتاريخ عاش في المجالس والكتب والقصائد، وبجهود تمنحه امتدادًا بين القُراء والكُتَّاب، وتفتح له أبواب التعارف والتبادل مع مدن أخرى.
وحين يُذكَرُ تاريخها الأدبي، يحضر سوقُ عكاظٍ بما جمعه من شعرٍ وحوارٍ وتنافسٍ في البيان، على هذه الأرض حمل الناسُ القصائدَ في صدورهم، وتناقلوا ما أعجبهم منها، وأعطَوا الشاعر منزلةً تصنعها جودة قوله، يُبهجني أن أتخيَّل الكلمة وهي تعبُرُ المسافات بصوت إنسانٍ، فتصل إلى آخر، وتبقى عنده لما وجد فيها من معنًى يمسُّهُ؛ بذلك اكتسب الأدب قربه من الحياة، وأصبح جزءًا من علاقة الناس بأرضهم وببعضهم.
وتتجدَّد هذه العلاقة كلما فتحت مكتبةٌ أبوابَها، أو اجتمع قُراء حول كتاب، أو وجد كاتب ناشئ مَن يرعى محاولته الأولى، وما أكرم المدينة حين تمنح أبناءَها أسباب المعرفة، وتُشعِرهم أن مواهبهم تستحقُّ العناية؛ فالطفل الذي يُرافق أسرته إلى فعالية أدبية قد يعود بسؤالٍ جديدٍ، والفتاة التي تقرأ قصيدةً قد تجدُ فيها ما يعينها على التعبير؛ فمن هذه البدايات الصغيرة ينمو حضور ثقافي يشترك الناس في صناعته، وتصبح المدينة أوسع بما يضيفه أهلها إليها.
وهذا ما أحب أن أراه في الطائف: جمالًا تصحبه معرفة، وموروثًا يجد مَن يقرأه ويقدمه للأجيال، وأصواتًا جديدة تحمل تجاربها بثقةٍ، ففي العناية بالأدب وفاءٌ لأهل الكلمة، وإيمانٌ بأثرها في تهذيب الحس، وتوسيع الفهم، وتقريب الإنسان من تجارب غيره، وحين يقرأ العالَمُ أدبنا، يقتربُ من وطننا عبر ما يشعر به أبناؤه، وما يحسنون التعبير عنه.
أعودُ إلى قصيدة الثبيتي، وقد امتزجتْ في نفسي بعذوبة ليل الطائف، وسكون فجرها، وأشعر أن لهذه المدينة فضلًا في كل كلمة حفظت شيئًا من روحها، وأن فرحتنا بمكانتها الأدبية تمتدُّ إلى ما نرجوه لها من ازدهار، وكلما عُدنا إليها وجدنا للمحبة سببًا؛ مجلسًا يُكرم زائره، أو صباحًا يشرح صدره، أو قصيدة تمنحه لغةً أقربَ إلى ما يشعُرُ؛ فتظل الطائف قريبة؛ فيها وُلدتُ وعِشتُ، ومنها بدأت معرفتي بالأماكن والحياة، ولها في قلبي محبَّةٌ كبرت معي، وصحبتني أينما مضيت.
* ضوء
يا طائفَ الوردِ، يا أُنسًا لوجداني
فيكِ ابتدأتُ، وفيكِ طابَ زماني.