د. ناهد باشطح
فاصلة:
«معادلة التعامل الجيد مع المال بسيطة لكن الأصعب هو السلوك الذي نصارعه ونحن نحاول تطبيقها»
-مورقن هاوسل، من مقالتها قوانين المال-
* * *
كم من المشاعر والخيبات والقرارات نسبناها إلى المال حتى صار في وعينا كأنه شخص يؤذينا أو يحرمنا؟
في إحدى جلسات «ماستر الثراء» في بالي، ولتطبيق أحد التمارين طلب منا الدكتور «إيهاب الحمارنة» أن ننقسم إلى مجموعات صغيرة، كان في القاعة أكثر من مائة مشارك، و كانت مجموعتي أربع فتيات.
أعطانا تمريناً بدا لنا بسيطاً، أن يكتب كل واحد في مجموعته الأشياء التي يعتقد أن المال منعه من تحقيقها في حياته.
بدأنا نكتب: لم أستطع السفر بسبب المال، لم أشتر المنزل الذي أريده بسبب المال،
لم أقتن السيارة التي أحلم بها بسبب المال... ثم تغيّر التمرين.
طلب د. إيهاب منا أن يجلس أحدنا في منتصف المجموعة، ولم يعد فلانًا أو فلانة. أصبح، في تلك اللحظة، «المال».
في مجموعتي بدأت كل منّا تهمس بما كتبته في أذن من تمثّل انها المال وهي جالسة في المنتصف، لكن بصيغة اتهام مباشر: «بسببك أيها المال لم أستطع السفر». «بسببك لم أستطع شراء منزل». «بسببك لم أفعل...».
ثم نتبادل الأماكن، حتى تجرب كل واحدة منا أن تجلس في المنتصف وتكون هي «المال».
كان الأمر أغرب مما توقعت، الفتاة منا حين تجلس في المنتصف تتأثر، بعضنا بكى، الكلمات التي كتبناها على الورق، لم تعد مجرد كلمات عندما وُجهت إلى إنسان يجسد أمامنا المال، بل مشاعر انتقلت الى المتهم واستقبلها وتأثر بها، وكذلك المال يتأثر بمشاعرنا تجاهه.
وحين جاء دوري وجلست في المنتصف، بدأت أستقبل الاتهامات.
همستْ في أذني إحدى الفتيات:
«بسببك أيها المال خانوني أهلي».
هزتني العبارة.
لم تعد المسألة سفراً لم يحدث، أو بيتاً لم نشتره، أو سيارة لم نمتلكها، وصل المال فجأة إلى مكان آخر تماما: الخيانة، والعائلة، والألم، كنا أمام ألم إنساني عميق.
وسألت نفسي: كم حمّلنا المال من قصصنا التي نعيش؟ نتهم صراع الورثة من الإخوة والأقارب أنه بسبب المال، نتهم زواج الزوج بامرأة أخرى وتقصيره تجاهها، أنه بسبب توفر المال لديه وهكذا ربما لو استطاع المال أن يتكلم لقال لنا:
قبل أن تلوموني، انظروا إلى القرارات التي اتخذتموها باسمي.
أحياناً كان سبب قراراتنا الخوف أو الأولوية، وأحياناً إدارة غير واعية
لذلك تعلمنا كيفية فهم طاقة المال ومن ثم إداراته.
بعد «ماستر الثراء» بدأت ولأول مرة أسجّل مصروفاتي بدقة، في البداية كنت أريد أن أعرف الأرقام فقط، كم أنفقت؟ وعلى ماذا؟
لكن تسجيل المصروفات بدأ يكشف لي شيئاً آخر، فالميزانية ليست جدولاً للمال فقط، إنها خريطة للأولويات، والميزانية، ليست حرماناً، بل قرار مدروس.
لذلك لم يعلمني تمرين بالي أن أتوقف عن اعتبار المال عائقاً، بل علمني ألا أتهمه قبل أن أسأل.
هل المال هو الذي منعني هذه المرة؟ أم الخوف؟ أم أن الأمر لم يكن أولوية؟
بعد انتهاء «ماستر المال» بدأت أراقب علاقتي بالمال بطريقة مختلفة، واكتشفت أن
لدينا عددا من المفاهيم المغلوطة عن المال ربما من الطفولة أو من العقل الجمعي تتسبب في هدرنا أحياناً للمال وهو طاقة متجددة تعطينا بقدر ما نحترمها ونفهم أسرارها.
ربما تبدأ علاقتنا بالمال قبل أن نعرف حتى معنى المال.
نحن لا نتعلم عنه فقط عندما نحصل على أول راتب أو نفتح أول حساب مصرفي. نتعلم عنه في بيوتنا، من الجمل التي نسمعها، ومن خوف الكبار منه، ومن خلافاتهم بسببه.
«المال وسخ دنيا»،»الفلوس تغيّر النفوس»، «الأغنياء لا يشبعون».
كبرنا، ونسينا هذه الجمل، لكن هل نسينا فعلاً الرسائل التي كانت خلفها؟
قد يكبر الإنسان وهو يريد المال، لكنه يخشى أن يبدو مادياً، يريد أن يطلب مقابلا أعلى لعمله، لكنه يشعر بالحرج.
لسنا جميعًا كذلك بالطبع، ولا يمكن اختزال علاقتنا بالمال في طفولتنا، لكنني بدأت أفهم في بالي أن علاقتنا به ليست حسابية فقط.
إنها أيضًا قصة... قصة بدأت قبلنا أحياناً.