صالح الشادي
في السابق، كانت المحاضرة أو الندوة أو الأمسية حدثًا يُنتظر، لا مجرد موعد يُكتب في المفكرة. كان الناس يأتون ليسمعوا، لا ليُروا فقط. وكانت المنصة مركز الجاذبية، والكلمة إذا خرجت من فم المتحدث وجدت أذنًا واعية وقلبًا مشاركًا. أما اليوم، فقد تغيّر المشهد: كراسٍ ممتلئة، وأذهان كثيرة فارغة، وحضور أجساد لا حضور أرواح. ترى الحاضر جالسًا بجسده، لكنه مسافر مع شاشة صغيرة، يلتقط الصور، ويسجل الحضور، ثم يخرج وهو لا يعرف إن كانت الندوة عن التعليم أم الاستثمار أم أزمة المناخ. وان سألت احدهم عن المحور الأساسي، أجاب بثقة: «كانت محاضرة جميلة»… وهذا كل ما لديه.
ليست المشكلة في الهاتف وحده. الهاتف مجرد مرآة لسؤال أكبر: لماذا جاء هذا الحضور؟ في كثير من المناسبات، لم يعد الحضور بحثًا عن معرفة، بل تغييرًا للأجواء، ونزهة اجتماعية، وفرصة لصورة مع هذا أو ذاك. البعض يأتي لأنه لا يريد أن يقال إنه لم يُدعَ، والبعض يأتي ليبحث يمينًا ويسارًا عن صديق أو معرفة أو وجه مشهور، وكأن القاعة سوق صغير للعلاقات، لا منصة للفكر. وهنا يظهر ذلك الاكتظاظ الذي يملأ الكراسي، لا حبًا في الموضوع، بل خوفًا من الغياب عن المشهد.
وللإنصاف، ليست كل الندوات سواء. هناك ندوات متخصصة صغيرة، يأتيها أهلها، فتكون نافعة ومؤثرة. لكن الحديث عن ذلك الحضور الجماهيري الذي يتحول أحيانًا إلى احتفال اجتماعي، تُقدَّم فيه الصورة على الفكرة، والحضور على الإصغاء. وقد رأيت هذا في أكثر من مكان، في أكثر من مدينة ومناسبة: متحدث يتكلم، وحضور يصوّر، ومنظمون يفرحون بالعدد، ثم لا يبقى من الأمسية إلا صور في الهواتف، وكلام عام عن «النجاح الكبير».
ما أسباب هذا التحول؟ هناك أسباب متشابكة. أولها وفرة الفعاليات. عندما تصبح الندوات كل أسبوع، والملتقيات كل شهر، والأمسيات في كل مناسبة، يفقد الحدث هيبته. الوفرة تلد اللامبالاة. وثانيها اقتصاد الشرة: صار الحضور رصيدًا رمزيًا، وصورةً تثبت أنك «من الحاضرين». وثالثها أن الدعوات نفسها أصبحت أحيانًا مجاملات، لا اختيارًا دقيقًا لأهل الاختصاص والاهتمام. فإذا دعي الناس لملء المقاعد، فلا نلومهم إذا جاءوا لملء الوقت. ورابعها أن الانتباه صار سلعة نادرة، والإشعارات تسرق العقل سرقة لطيفة لا يشعر بها صاحبها. وخامسها ضعف صناعة المحتوى: بعض المحاضرات تُقرأ من ورقة، أو تستطرد بلا هدف، أو تطول بلا داع، فيبحث الحاضر عن أي شيء ينجيه من الملل، ولو كان شاشة صغيرة. وسادسها أن كثيرًا من الجهات تقيس النجاح بعدد الحضور، لا بأثره. والعدد يكذب أحيانًا؛ فقد تمتلئ القاعة ولا تتغير فكرة.ثم تأتي إشكالية أخرى لا تقلّ عن الأولى، وهي عمل بعض الإعلاميين الذين يحضرون هذه المناسبات. ترى أحدهم يدخل، يجلس قليلًا، ثم يمد يده إلى البيان الختامي، وينسخه، ويتناقلونه. كأن البيان الختامي هو النجمة الوحيدة التي تخرج من القاعة. العامة خارج القاعة تصلهم أخبار الندوة: انعقدت، وحضر فلان، وخرجت بتوصيات. لكن المضامين والأهداف والنتائج تبقى تحوم في سقف القاعة، كدخان لا يجد نافذة. لا تغطية فاعلة للمحتوى، ولا صحفي محترف ينقل الفحوى بعمق وذكاء. والنتيجة أن الناس يقرأون عن ندوة، لا عن فكرة. ويعرفون أن شيئًا حدث، لا ماذا حدث.
لا نريد أن نكون قساة على الإعلاميين؛ فبعضهم يعمل تحت ضغط الوقت، وندرة المساحة، وطلب سريع من محرر يريد خبرًا لا تحليلًا. لكن المشكلة أن البيان الختامي وحده ليس تغطية. البيان هيكل عظمي، جميل ومنظم، لكنه بلا لحم ولا روح. وإذا كانت التغطية مجرد نسخ ولصق، فهي أشبه بمن يصف وليمة بأنه «كان هناك طعام»؛ صحيح، لكنه لا يقدم شيئًا. الصحافة الجيدة لا تنقل ما قيل فقط، بل تشرح لماذا قيل، وما معناه، ومن يخالف عليه، وما الذي سيحدث بعده. مقالة واحدة عميقة أنفع من عشرين بيانًا متطابقًا.
ولماذا يحدث هذا؟ لأن بعض المنظمين يتعامل مع الإعلام كضيف بروتوكول، لا كشريك في المعرفة. لا يقدمون أجندة مسبقة، ولا سيرًا للمتحدثين، ولا غرفة صحافة، ولا فرصة للأسئلة، ولا تسجيلات ولا نصوصًا كاملة. فيسهل على الصحفي أن يأخذ البيان ويمشي. ومن جهة أخرى، بعض الإعلاميين لا يقرأ الموضوع قبل الحضور، ولا يعد سؤالًا، ولا يفرق بين ندوة تخصصية وأمسية عامة. ثم إن قياسات المشاهدات تجعل الخبر السريع أسهل من التحليل العميق. والبيان الختامي آمن، رسمي، ولا يغضب أحدًا. لكنه أيضًا لا يعلّم أحدًا.
كيف نتلافى هذا؟ الحل ليس في منع الهواتف، ولا في إلغاء المناسبات، ولا في لوم الناس فقط. الحل في إعادة تعريف الحضور والتغطية معًا. على المنظمين أن يسألوا قبل الدعوة: ما هدفنا؟ من جمهورنا؟ هل هذا الموضوع يخصه فعلًا؟ ثم يدعوا نوعًا لا كمًّا. وليكن في المكان مساحة للاجتماع والحديث الجانبي، وقاعة للاستماع والتركيز. من أراد النزهة فليجد مكانًا لطيفًا في الردهة، ومن أراد العلم فليجد مقعدًا في الصف. ويُخصَّص وقت قصير للتصوير، ثم يُغلق الباب على الجدّ. وتُقصَّر الجلسات، وتُفتح للحوار، وتُوزَّع المواد مكتوبة أو مرئية، حتى لا يتحول الحاضر إلى كاميرا بشرية.
وعلى المنظمين أيضًا أن يعاملوا الإعلام كشريك حقيقي: يرسلون له الأجندة مسبقًا، وسير المتحدثين، وأسئلة مقترحة، وملخصًا للموضوع. يهيئون غرفة أو زاوية للصحافة، ويسهلون الوصول إلى المتحدثين بعد الجلسات، ويوفرون تسجيلًا ونصوصًا. ويطلبون من الإعلام تغطية المحتوى لا مجرد حضوره. لا بأس ببيان ختامي، لكن الأفضل أن يُشرح للناس بلغة واضحة: ما الذي خرجت به الندوة؟ وما الذي لم تتفق عليه؟ وما الخطوة التالية؟
أما الإعلامي، فليحضر كما يحضر طالب علم لا مندوب بروتوكول. ليقرأ عن الموضوع، وليعد سؤاله، وليجلس حتى النهاية، وليقابل المتحدثين، وليكتب مقالًا يفهمه الناس. وليتذكر أن الخبر ليس أن الندوة انعقدت، بل ماذا قالت. صحفي واحد يفهم ما يكتب أنفع من عشرة ينقلون بيانًا لا يفهمونه. وربما كان في البيان الختامي نفسه عبارة تحتاج شرحًا، لا نسخًا. وهنا يظهر الفرق بين من ينقل الكلام، ومن ينقل المعنى.أما المتحدث، فليحترم وقت الناس، وليحدثهم لا يقرأ عليهم. ليبدأ بسؤال، وليقترب من الواقع، وليترك لهم شيئًا يحملونه معهم. وأما الحاضر، فليسأل نفسه قبل أن يجلس: هل جئت لأسمع أم لأُرى؟ إن كان الجواب الثاني، فالأمانة أن يجلس في المقهى لا في القاعة. وإن كان الأول، فليضع الهاتف في جيبه، وليشارك بسؤال، وليصغِ كما يحب أن يُصغى إليه. وإذا شارك بعد ذلك، فليشارك الفكرة لا الصورة فقط.
والحقيقة أن هذه الظاهرة ليست نهاية العالم. هي مرحلة مرّت بها كثير من المجتمعات حين انفتحت أبواب التصوير والشهرة السريعة. وقد تخف مع الوقت، كما تخف موجة الضجيج إذا عاد للمعرفة وزنها. ستعود المنصات إلى ألقها عندما يعود الإصغاء قيمة، ويصبح الحضور قرارًا لا عادة، واختيارًا لا مجاملة. والمنصة لا تحتاج كراسي ممتلئة فقط، بل عقولًا حاضرة وقلوبًا مستعدة. والإعلام لا يحتاج بيانًا يُنسخ، بل عقلًا يشرح. وإذا كان لا بد من صورة، فلتكن بعد فكرة. وإذا كان لا بد من خبر، فليكن عن ماذا حدث، لا مجرد أن شيئًا حدث.