د. عبد الله بن قريطان العنزي
أعادت قرارات مجلس الشورى الأخيرة المتعلقة بالتقارير السنوية لبعض الجامعات والجهات الحكومية إبراز أهمية القياس والتقويم في تطوير الأداء المؤسسي، وفتحت مجالًا لحوار علمي حول طبيعة المؤشرات التي تستند إليها المؤسسات في متابعة إنجازاتها، ومدى قدرتها على تقديم أدلة موثوقة عن جودة المخرجات والأثر المتحقق.
فقد تضمنت توصيات المجلس بشأن جامعة أم القرى تطوير كفاءة منظومة القياس والتقويم لضمان دقة مؤشرات الأداء وواقعيتها، كما تناولت توصياته بشأن جامعة تبوك تطوير مؤشرات تقيس الأثر الاقتصادي والاجتماعي للإنفاق على البحث العلمي. وعلى مستوى الجهات الحكومية، دعا المجلس إلى مراجعة مؤشرات الأداء الإستراتيجية بما يعزز قياس الأثر والجودة ورضا المستفيدين، وإلى بناء مؤشر لجاهزية القوى العاملة السعودية.
ورغم اختلاف طبيعة هذه الجهات وأدوارها، فإن قراءة هذه التوصيات في سياقها التنموي تتيح فرصة للتأمل في فلسفة القياس والتقويم، وعلاقتها بالتخطيط والحوكمة والتحسين المستمر.
فالمسألة تتجاوز عدد المؤشرات ومستهدفاتها إلى المنهجية العلمية التي تحدد ما ينبغي قياسه، وكيفية قياسه، وحدود تفسير نتائجه، وآليات توظيف تلك النتائج في اتخاذ القرار.
تكتسب هذه القضية أهمية خاصة في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها المملكة، وما تتطلبه رؤية المملكة 2030 من تنمية القدرات البشرية، ورفع الإنتاجية، وتعزيز التنافسية، وتحسين جودة التعليم والتدريب.
ويؤكد برنامج تنمية القدرات البشرية أهمية تطوير المعارف والمهارات والقيم، وتعزيز مواءمة المخرجات التعليمية والتدريبية مع احتياجات سوق العمل الحالية والمستقبلية.
وفي هذا السياق تمتد أدوار الجامعات إلى تنمية رأس المال البشري، وإعداد الكفاءات الوطنية، ودعم الابتكار والبحث العلمي، وتعزيز القيمة الاقتصادية والاجتماعية لمخرجاتها.
وتصبح منظومات القياس والتقويم أدوات معرفية تساعد المؤسسات على فهم ما تحقق، وتقدير القيمة المضافة، وتوجيه الموارد، واتخاذ القرارات المستندة إلى الأدلة.
يبدأ القياس العلمي بتحديد الظاهرة أو الخاصية المراد قياسها، وتعريفها إجرائيًا، ثم اختيار المؤشرات والأدوات الملائمة لتمثيلها، والتحقق من جودة البيانات والنتائج.
فالمؤشر ليس مجرد رقم يُستخرج من قاعدة بيانات، بل تمثيل إجرائي لجانب من ظاهرة يراد فهمها أو متابعتها.
وقد يكون المؤشر محسوبًا بدقة، وتكون بياناته صحيحة، ومع ذلك لا يكفي وحده لتقديم استدلال شامل عن الخاصية التي يمثلها.
فعدد الأبحاث المنشورة يقدم معلومة عن حجم الإنتاج البحثي، لكنه لا يكفي منفرداً للحكم على جودة البحث أو أثره المعرفي والمجتمعي. كما أن رضا الطلاب يمثل جانبًا مهمًا من تجربتهم الجامعية، لكنه لا يقدم بمفرده دليلًا كافيًا على تحقق نواتج التعلم.
ومن منظور نظرية الصدق الحديثة، لا تتوقف جودة القياس عند سلامة الأداة أو دقة الحساب، بل تمتد إلى الأدلة التي تدعم تفسير النتائج واستخدامها في الأغراض التي صُممت من أجلها.
وذلك لا يعني ذلك إخضاع جميع مؤشرات الأداء الإداري لنماذج القياس النفسي؛ فالمؤشرات المباشرة، مثل عدد الخريجين أو حجم الإنفاق، تختلف عن المؤشرات التي تحاول تمثيل أبنية مركبة، مثل جودة التجربة التعليمية أو الجاهزية المهنية.
لكنها تشترك جميعًا في الحاجة إلى وضوح المفهوم، وسلامة التعريف الإجرائي، وجودة البيانات، وتحديد حدود الاستدلال. إن منظومات القياس المتكاملة تتطلب التمييز بين المدخلات والأنشطة ، وبين والمخرجات والنتائج والأثر، مع إدراك العلاقة بين هذه المستويات.
فالإنفاق على البحث العلمي يمثل مدخلًا، وتنفيذ المشروعات البحثية يمثل نشاطًا، والأبحاث المنشورة تمثل أحد المخرجات، أما ما ينتج عنها من تغير معرفي أو تقني أو اقتصادي أو اجتماعي، فيقع ضمن مستويات النتائج والأثر.
وجميع هذه المستويات مهمة لفهم الأداء المؤسسي، غير أن قياس الأثر يتطلب منهجيات تتجاوز العد المباشر للأنشطة والمخرجات، وتستند إلى أدلة تسمح بفهم التغير المتحقق ومدى ارتباطه بالبرامج والتدخلات المؤسسية.
كما ينبغي التمييز بين الإسهام في إحداث الأثر وإثبات نسبته السببية إلى تدخل معين؛ فالأول قد تدعمه أدلة متعددة، في حين يتطلب الثاني تصميمات تقويمية قادرة على التعامل مع العوامل الأخرى المؤثرة في النتائج.
وفي البيئة الجامعية، يمكن أن يتجسد هذا التوجه في قياس القيمة المضافة للتعلم، ونمو الكفايات المهنية، وجاهزية الخريجين، والأثر المعرفي والتطبيقي للبحث العلمي، والإسهام في تنمية المجتمع والاقتصاد.
تقدم المعايير والممارسات العلمية العالمية أساسًا لتطوير منظومات القياس والتقويم، سواء في نظرية الصدق الحديثة، أو تقويم البرامج، أو قياس النتائج والأثر، أو إدارة الجودة والتحسين المستمر غير أن الاستفادة من هذه الخبرات لا تعني نقل النماذج والأدوات بصورة حرفية إلى البيئة المحلية. فالقياس العلمي يجمع بين صرامة المنهج وملاءمة السياق؛ إذ تتأثر دلالات بعض المؤشرات بطبيعة المجتمع، والثقافة المؤسسية، والظروف الاقتصادية، والخصائص التنظيمية، والأهداف التي تسعى المؤسسات إلى تحقيقها. ومن هنا تبرز أهمية تطوير نموذج سعودي يستند إلى المعايير العلمية العالمية، ويستوعب في الوقت نفسه خصوصية المجتمع السعودي وقيمه وثقافته، وطبيعة مؤسساته التعليمية، ومنظومة العمل الحكومي، وأولويات التنمية الوطنية.
ولا تتعارض هذه الخصوصية مع قابلية المقارنة الدولية، بل تتطلب الجمع بين المعايير المشتركة والأبعاد المرتبطة بالسياق المحلي.
وتزداد أهمية ذلك مع اختلاف رسائل الجامعات السعودية ونماذجها المؤسسية؛ فالمؤشرات المشتركة تتيح المقارنة، في حين تسمح المؤشرات النوعية بتمثيل الوظائف والأهداف الخاصة بكل جامعة.
تمتلك المملكة بنية مؤسسية متخصصة في القياس والتقويم والاعتماد، تقودها هيئة تقويم التعليم والتدريب من خلال مراكزها وبرامجها الوطنية.
ويؤدي المركز الوطني للتقويم والاعتماد الأكاديمي «اعتماد» دورًا في ضمان جودة المؤسسات والبرامج الأكاديمية، من خلال معايير الاعتماد والتقويم الذاتي والخارجي، فيما يضطلع المركز الوطني للقياس «قياس» بدور متخصص في إعداد الاختبارات والمقاييس التربوية والمهنية وفق أسس علمية وفنية.
كما تسهم منظومة الهيئة البحثية والتدريبية في تطوير المعرفة المتخصصة وبناء القدرات الوطنية في مجالات القياس والتقويم والاعتماد.
وتمثل هذه المنجزات قاعدة وطنية يمكن البناء عليها لتعزيز التكامل بين ضمان الجودة الأكاديمية، وقياس المخرجات، وتقويم البرامج، وتقدير الأثر التنموي.
وفي ضوء الموضوعات التي أثارتها توصيات مجلس الشورى، تبدو الحاجة ماسة إلى حوار علمي ومؤسسي تتشارك فيه الهيئة ومراكزها المتخصصة، ومجلس شؤون الجامعات، والجامعات، والجهات الحكومية ذات العلاقة.
ويمكن أن تتولى الهيئة، بالتنسيق مع الجهات المعنية، طرح تصور علمي يوضح كيفية التعامل مع المسافة المنهجية بين متابعة مؤشرات الأداء وقياس النتائج والأثر، ويعزز التكامل بين المنظومات القائمة، والاستفادة من نتائجها في التخطيط والتحسين واتخاذ القرار.
ويستدعي هذا التوجه استثمار الخبرات الوطنية في القياس النفسي والتربوي، وتقويم البرامج، والاقتصاد، والإدارة، وتحليل البيانات، بما يضمن تطويرًا متعدد التخصصات، يستند إلى البحث العلمي والتحقق التطبيقي.
تتحقق القيمة الأعمق لمنظومة القياس عندما تصبح نتائجها جزءًا من دورة التعلم والتحسين المؤسسي.
فمتابعة المستهدفات تكتسب قيمة أكبر عندما تقود إلى فهم أسباب النتائج، وتحديد فرص التطوير، وتوجيه الموارد، ثم إعادة القياس للتحقق من فاعلية الإجراءات المتخذة.
وهنا تتكامل فلسفة القياس والتقويم مع فلسفة إدارة الجودة الشاملة؛ فالجودة ليست مجرد استيفاء متطلبات أو بلوغ نسب مستهدفة، وإنما ثقافة مؤسسية تستند إلى الأدلة في فهم الأداء وتطويره.
فالمؤشر الجيد لا يكتفي بالإجابة عن سؤال: هل تحقق المستهدف؟ بل يساعد في الإجابة عن أسئلة أخرى: ماذا تعني النتيجة؟ وما الذي أسهم في تحققها؟ وما الذي يمكن تعلمه منها؟ وكيف نستثمر هذه المعرفة في تحسين الأداء؟
وبذلك يصبح القياس جزءًا من إدارة المعرفة المؤسسية، وليس مجرد إجراء لإعداد التقارير.
إن التحول التنموي الذي تشهده المملكة في ظل رؤية 2030 يفتح آفاقًا واسعة لتطوير فلسفة القياس والتقويم، بما يعزز قدرة المؤسسات على فهم إنجازاتها، وتقدير قيمتها المضافة، وتوجيه جهودها نحو تحقيق أثر مستدام.
وتوفر قرارات مجلس الشورى المتعلقة بتطوير منظومات القياس ومؤشرات الأداء مناسبة مهمة لتوسيع الحوار العلمي حول هذا الموضوع، والبناء على المنجزات الوطنية القائمة، وتعزيز التكامل بين جودة التعليم وتنمية القدرات البشرية ومتطلبات الاقتصاد الوطني.
إن ما نطمح إليه عند تبني فلسفة الجودة وتقويم البرامج وقياس الأثر ليس مجرد مؤشرات أكثر عددًا أو تعقيدًا، بل فلسفة وطنية متكاملة، تستند إلى المعايير العلمية العالمية، وتنبع من خصوصية المجتمع السعودي، وتستجيب لأولويات التنمية، وتجعل من نتائج القياس معرفة تقود القرار والتحسين وصناعة الأثر.
فالقياس ليس غاية مستقلة، وإنما وسيلة لفهم الواقع وتطويره؛ وكلما تطورت قدرتنا على قياس ما ننجزه، وفهم ما تعنيه النتائج، والتحقق من القيمة التي نضيفها، ازدادت قدرتنا على توجيه الموارد والجهود نحو تحقيق مستهدفات التنمية بكفاءة واستدامة.