عبد العزيز بن صالح الفريدي
تتسع قاعدة الاقتصاد السعودي مع اتساع دور المنشآت الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، التي باتت تمثل أحد أهم روافد القطاع الخاص ومحركات النمو وتنويع مصادر الدخل، وتكشف بيانات البنك المركزي السعودي «ساما» عن نمو لافت في التمويل الموجه إلى هذه المنشآت، إذ بلغ نحو 490.8 مليار ريال بنهاية الربع الثاني من عام 2026، بزيادة سنوية قدرها 16.5 في المائة، وهي أرقام تتجاوز دلالتها مجرد ارتفاع التسهيلات الائتمانية؛ لأنها تعكس تنامي قدرة هذه المنشآت على الاستثمار والتوسع، والدخول في سلاسل الإنتاج والإمداد، والمساهمة بصورة أكبر في سوق العمل والاقتصاد الوطني، هذه الأرقام تستحق التوقف عندها؛ لأن المنشآت الصغيرة والمتوسطة لم تعد هامشًا في المشهد الاقتصادي، ولا مجرد مشروعات محدودة التأثير، بل أصبحت إحدى الأدوات الرئيسة التي يمكن من خلالها بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وأوسع مشاركة، فحين يتدفق التمويل إلى هذه المنشآت، فإنه لا يذهب إلى حسابات مصرفية فحسب، بل يمكن أن يتحول إلى مصنع جديد، أو متجر يتوسع، أو شركة تقنية تطور منتجًا، أو مؤسسة خدمات توظف مزيدًا من السعوديين، أو مشروع ناشئ ينتقل من فكرة صغيرة إلى نشاط قادر على المنافسة.
واللافت للنظر أن المنشآت متناهية الصغر سجلت نموًا في التسهيلات بلغ 44.35 في المائة على أساس سنوي، لتصل إلى نحو 86.76 مليار ريال، وهذه النسبة تحمل دلالة مهمة؛ لأنها تشير إلى أن دائرة التمويل لا تتجه فقط إلى المنشآت التي قطعت شوطًا في النمو، وإنما تمتد بصورة أكبر إلى القاعدة الأصغر من مجتمع الأعمال، حيث تبدأ غالبية التجارب الريادية، وكلما تمكن صاحب المشروع الصغير من الوصول إلى التمويل المناسب في الوقت المناسب، أصبح الانتقال من النشاط الفردي إلى المنشأة القابلة للنمو أكثر واقعية.
وفي المستوى التالي، ارتفعت التسهيلات المقدمة للمنشآت الصغيرة بنسبة 11.6 في المائة، بينما زادت للمنشآت المتوسطة بنسبة 12.07 في المائة. وهذا التدرج يكشف أن منظومة التمويل أصبحت تتعامل مع مراحل مختلفة من دورة حياة المنشأة، من المشروع الناشئ إلى المنشأة الصغيرة ثم المتوسطة، بما يعني أن الهدف لم يعد مجرد توفير قرض لبدء النشاط، وإنما بناء مسار يمكن للمنشأة من خلاله أن تنمو وتتوسع وتنتقل إلى مستويات أعلى من الإنتاج والتوظيف والمنافسة، كما أن نمو التمويل المصرفي للمنشآت الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر بنسبة 16.28 في المائة إلى نحو 467.6 مليار ريال، بالتزامن مع ارتفاع التمويل المقدم من شركات التمويل بنسبة 21.4 في المائة، يعكس اتساع قنوات التمويل وتنوعها، وهذه مسألة لا تقل أهمية عن حجم التمويل نفسه؛ فالمنشأة الصغيرة ليست نسخة مصغرة من الشركة الكبرى، ولها احتياجاتها ومخاطرها ودورة رأس مالها، ولذلك فإن تنوع المنتجات التمويلية وقدرتها على الوصول إلى المنشأة في مراحلها المختلفة يمثلان عنصرًا أساسيًا في نجاح منظومة التمويل.
لكن السؤال الأهم الذي ينبغي أن تطرحه هذه الأرقام ليس: كم بلغ التمويل؟ وإنما: ماذا صنع هذا التمويل؟ فالقيمة الحقيقية للتمويل تظهر عندما يتحول إلى استثمار وإنتاج ووظائف وتوسع وأسواق جديدة، وكل ريال يدخل إلى منشأة منتجة يمكن أن يتحرك داخل الاقتصاد مرات عديدة؛ فيشتري معدات، ويدفع أجورًا، ويستعين بموردين، ويطلب خدمات، ويدخل في سلسلة إنتاج، ثم يعود في صورة قيمة مضافة جديدة.
ومن هنا فإن نمو التمويل يمثل فرصة، لكنه في الوقت نفسه يضع مسؤولية مشتركة على المنظومة الاقتصادية كلها. فالمطلوب ليس فقط زيادة السيولة المتاحة، وإنما التأكد من وصولها إلى المشروعات القابلة للنمو، ومساعدة أصحاب المنشآت على إدارة المخاطر، ورفع الكفاءة، واستخدام التقنية، والوصول إلى الأسواق، والاستفادة من سلاسل الإمداد التي تصنعها المشروعات الكبرى، وهذا هو الفارق بين التمويل باعتباره عملية مصرفية والتمويل باعتباره أداة للتنمية الاقتصادية. ففي الحالة الأولى ينتهي الأمر عند منح التمويل، أما في الحالة الثانية فإن التمويل يصبح بداية لسلسلة من الآثار الاقتصادية التي تمتد إلى الاستثمار والتوظيف والإنتاج والمحتوى المحلي والابتكار.
ولعل أهمية هذه الأرقام تكمن أيضًا في أنها تعكس تغيرًا أوسع في طبيعة الاقتصاد السعودي؛ فالمملكة لا تبني اقتصادها الجديد من خلال الشركات العملاقة والمشروعات الكبرى فقط، وإنما تعمل بالتوازي على توسيع قاعدة القطاع الخاص، وتمكين المنشآت الأصغر من أن تكون جزءًا من دورة النمو. وهذه القاعدة الواسعة هي التي تمنح الاقتصاد قدرًا أكبر من التنوع والمرونة والقدرة على خلق فرص جديدة، فالاقتصاد القوي ليس ذلك الذي يملك مشروعات ضخمة فقط، وإنما الذي يستطيع أن يصنع من المشروع الصغير شركة، ومن الشركة المتوسطة مؤسسة منافسة، ومن الفكرة فرصة استثمار، ومن التمويل قيمة مضافة. ولهذا فإن الرقم البالغ 490.8 مليار ريال لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره حجمًا للتمويل فحسب، بل باعتباره مساحة اقتصادية جديدة يمكن أن تتحول، إذا أحسن توظيفها، إلى مزيد من الإنتاج وفرص العمل والابتكار.
وفي النهاية، فإن نجاح منظومة تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة لن يقاس فقط بما تضخه البنوك وشركات التمويل، وإنما بما تستطيع هذه المنشآت أن تعيده إلى الاقتصاد من قيمة وفرص ونمو. وعندما يتحول التمويل من مجرد سيولة إلى مشروع، ومن مشروع إلى إنتاج، ومن إنتاج إلى وظيفة، ومن وظيفة إلى قيمة مضافة، عندها فقط يصبح التمويل أحد أهم محركات الاقتصاد، ويصبح نمو المنشآت الصغيرة والمتوسطة قصة أكبر بكثير من مجرد رقم في تقرير اقتصادي.