مهدي آل عثمان
تعيش المملكة العربية السعودية مرحلة اقتصادية متسارعة، فتحت خلالها أبواباً واسعة للاستثمار المحلي والأجنبي، وهيأت بيئة تشريعية وتنظيمية جاذبة لرؤوس الأموال، في إطار مستهدفات رؤية المملكة 2030 الرامية إلى تنويع الاقتصاد، وزيادة مساهمة القطاع الخاص، واستقطاب الاستثمارات النوعية. وقد جاء نظام الاستثمار المحدث مؤكداً المساواة في التعامل بين المستثمر المحلي والأجنبي، وحماية حقوق المستثمر، وتوفير إجراءات عادلة وشفافة وبيئة تنافسية جاذبة.
لكن جذب المستثمر، مهما كانت أهميته، لا ينبغي أن ينتهي عند إصدار الترخيص وتأسيس النشاط وضخ رأس المال، بل يجب أن يمتد إلى تساؤل مهم، كيف يقاس سلوك المستثمر بعد دخوله السوق، ومن المسؤول عن ذلك؟
فالاستثمار الناجح لا يقاس بحجم الأموال وحدها، وإنما بجودة الأداء، والوفاء بالالتزامات، واحترام العقود، والمحافظة على حقوق العملاء، والاستدامة المالية، وسرعة معالجة الشكاوى، ومدى التزام المنشأة بالأنظمة والتعليمات. وهناك فرق كبير بين مستثمر يدخل السوق ليبني نشاطاً طويل الأجل ويحافظ على سمعته، وبين منشأة تتكرر حولها الشكاوى والنزاعات والمماطلات والإخلال بالعقود، ثم تستمر في التوسع والحصول على فرص جديدة وكأن سجلها السابق لا وجود له.
وتشير أرقام وزارة التجارة إلى حجم كبير من البلاغات التجارية؛ فقد عالجت الوزارة أكثر من 647 ألف بلاغ خلال عام 2025، كما عالجت 182,884 بلاغاً في الربع الأول من عام 2026، وأكثر من 137 ألف بلاغ خلال الربع الثاني من العام نفسه. وهذه الأرقام لا تعني بالضرورة أن جميع المنشآت محل البلاغات متعثرة أو مخالفة، لكنها تؤكد أن البيانات المتراكمة عن التعاملات التجارية تمثل ثروة معلوماتية يمكن توظيفها بصورة أكبر في قياس جودة الأداء التجاري.
ومن هنا يمكن التفكير في إنشاء منصة وطنية لقياس سلوك وجودة المستثمر، ترتبط بالجهات ذات العلاقة، وتكون صورة متكاملة عن أداء المنشأة أو المستثمر، وفق معايير موضوعية وعادلة، وليس بناءً على مجرد شكوى أو دعوى لم يُفصل فيها.
ويمكن لهذه المنصة، على سبيل المثال، أن تستفيد من البلاغات المثبتة لدى وزارة التجارة، والمخالفات والجزاءات النهائية، والقضايا التجارية والأحكام المكتسبة للصفة النهائية، وحالات التعثر والإفلاس، ومدى الوفاء بالعقود، وتكرار النزاعات مع العملاء والموردين، وسرعة معالجة الشكاوى وتنفيذ الأحكام. ووزارة العدل لديها بالفعل مؤشرات قضائية وبيانات تحليلية تشمل القضايا التجارية وحجمها ونسب الإنجاز فيها، ما يدل على وجود أساس معلوماتي يمكن البناء عليه عند تصميم مثل هذا المؤشر.
ولا ينبغي أن تتحول هذه المنصة إلى قائمة عقوبات أو تشهير بالمستثمرين، بل إلى مؤشر جودة وموثوقية تحكمه ضوابط دقيقة، ويعتمد فقط على الوقائع المثبتة والقرارات النهائية، مع إعطاء المستثمر حق الاعتراض وتصحيح البيانات وإثبات معالجة الملاحظات. فالهدف هو تحسين السوق، وليس الإضرار بسمعة المستثمر الجاد.
ويمكن أن يكون للمؤشر عدة مستويات تعكس درجة الالتزام والاستقرار وجودة التعامل، بحيث تستفيد منه الجهات الحكومية عند دراسة التوسع أو منح بعض المزايا، وتستفيد منه الجهات التمويلية عند تقييم المخاطر، كما يستفيد منه العميل أو المتعامل قبل التعاقد مع منشأة ذات التزامات مالية كبيرة.
بل إن وجود مثل هذا المؤشر قد يخدم المستثمر الجيد أكثر من غيره، لأنه يمنحه سجلاً موثقاً يعكس حسن أدائه ويعزز ثقة البنوك والعملاء والجهات الحكومية به. وفي المقابل، فإنه يدفع المستثمر الذي تتكرر لديه المشكلات إلى مراجعة أدائه ومعالجة أسباب الشكاوى قبل التفكير في مزيد من التوسع.
ومن المهم أيضاً ألا يكون القياس مرتبطاً بجنسية المستثمر؛ فالمعيار يجب أن يشمل المستثمر المحلي والأجنبي معاً، انسجاماً مع مبدأ المساواة الذي يقوم عليه نظام الاستثمار. فالجودة لا ترتبط بجنسية رأس المال، وإنما بالسلوك والالتزام والكفاءة والموثوقية.
وقد حدد التنظيم الأساسي لوزارة الاستثمار ضمن اختصاصاتها تحديد المؤشرات التي تقيس أداء الاستثمار في المملكة وآلية قياسها بالتنسيق مع الجهات المعنية، وهو ما يجعل تطوير مؤشر أكثر تفصيلاً لجودة وسلوك المستثمر فكرة قابلة للنقاش ضمن مسار تطوير البيئة الاستثمارية.
إن المملكة اليوم لا تبحث عن الاستثمار لمجرد الاستثمار، وإنما تسعى إلى استثمار يضيف للاقتصاد، ويوفر الوظائف، وينقل المعرفة، ويحترم الأنظمة، ويحفظ حقوق المتعاملين. ولذلك فإن الخطوة القادمة قد لا تكون فقط في سؤال: كم مستثمراً استقطبنا، بل في سؤال أكثر عمقاً ما هي جودة المستثمر الذي استقطبناه، وكيف كان سلوكه بعد دخوله السوق.
فجاذبية السوق لا تتحقق بكثرة المستثمرين وحدها، وإنما بجودة من يعمل فيه، وثقة من يتعامل معه، وقدرة الأنظمة على مكافأة المستثمر المتميز، وتصحيح مسار المتعثر، والحد من تكرار الممارسات التي تتحول في النهاية إلى شكاوى وقضايا وخسائر كان بالإمكان تجنبها منذ البداية.