إبراهيم أبوهيف
ليست كل مساحة يسيطر عليها الحوثي حوثية، وليست كل مدينة يرفع فوقها رايته قد اختارته، هذه هي الحقيقة التي غابت طويلًا خلف خرائط الحرب في اليمن، فالجماعة تفرض سلطتها اليوم على مناطق يعيش فيها ما بين 60 و65 في المائة من اليمنيين، أي ما يقارب 25 إلى 27 مليون مواطن من إجمالي 42.1 مليون نسمة.
والأرقام هنا أكثر قسوة، ففي مناطق الحوثيين وحدها هناك نحو 12.8 مليون إنسان يواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي خلال التقديرات الممتدة بين سبتمبر 2025 وفبراير 2026، بما يعادل 52 في المائة تقريبًا من السكان في تلك المناطق، وفي مطلع 2026 كانت 63 في المائة من الأسر في مناطق الجماعة عاجزة عن تلبية الحد الأدنى من احتياجاتها الغذائية، وارتفعت نسبة الأسر التي تلجأ إلى وسائل معيشية قاسية أو طارئة إلى 69 في المائة في بيانات لاحقة، فيما تنفق الأسرة اليمنية في المتوسط قرابة 72 في المائة من دخلها على الطعام وحده، أي أن المشكلة بالنسبة لملايين اليمنيين لم تعد رفاهية سياسية حول شكل الحكم، بل باتت تبدأ من السؤال الأبسط، ماذا يتبقى من الدخل بعد شراء الخبز.
وحين ندخل إلى المدرسة تتضح الصورة بصورة أشد قسوة، فالتقرير السنوي للأمين العام للأمم المتحدة الصادر في يونيو 2026 تحقق خلال عام 2025 من 742 انتهاكًا جسيمًا بحق 652 طفلًا يمنيًا، ومن تجنيد واستخدام 262 طفلًا في القتال والأدوار المساندة نُسبت إلى الحوثيين، كما نُسب إلى الجماعة الاستخدام العسكري لـ54 مدرسة ومستشفى من أصل 71 منشأة تم التحقق من استخدامها عسكريًا، إلى جانب استمرار ورود تقارير عن مخيمات صيفية حوثية يتعرض داخلها آلاف الأطفال لمحتوى وأنشطة عسكرية.
والأخطر أن فريق خبراء الأمم المتحدة كان قد خلص في أحدث تقييم تفصيلي لبنية التجنيد الحوثية إلى أن العملية لم تعد حالات فردية، بل منظومة منظمة تمر عبر مؤسسات التعليم والمراكز الصيفية والمدارس الدينية، وتبدأ عملية التلقين فيها مع أطفال لا تتجاوز أعمار بعضهم سبع سنوات، بما يكشف أن الصراع أصبح على الطفل الذي يُعاد تشكيل وعيه قبل أن يبلغ سن الاختيار.
وتزداد خطورة الصورة مع واقع التعليم في 2026، إذ يوجد في اليمن أكثر من 3.2 ملايين طفل بين الخامسة والسابعة عشرة خارج المدرسة، بينما تشير بيانات حكومية نقلتها اليونيسف إلى أن 94.7 في المائة من الأطفال في سن العاشرة لا يستطيعون قراءة نص بسيط وفهمه، وهي فجوة تعليمية تجعل الطفل الفقير والمنقطع عن الدراسة أكثر تعرضًا لأي منظومة تعبئة توفر له الانتماء أو الطعام أو موردًا محدودًا، ومن هنا يتحول انهيار التعليم من نتيجة للحرب إلى أحد أخطر الأدوات التي تسمح باستمرارها.
ولا يمكن التعامل مع السكان الموجودين في مناطق الحوثيين باعتبارهم كتلة مؤيدة للجماعة لمجرد بقائهم داخل نطاق سيطرتها، فالبيئة التي يُقاس داخلها الرأي العام هناك ليست بيئة طبيعية تسمح بتحويل الصمت إلى تأييد أو كثافة الخطاب المنظم إلى أغلبية شعبية، إذ لا يتجاوز عدد مستخدمي الإنترنت داخل اليمن 7.44 ملايين شخص من أصل 42.1 مليونًا، بما يعادل 17.7 في المائة فقط، فيما تبلغ هويات مستخدمي وسائل التواصل نحو 6.67 ملايين، أي 15.9 في المائة من السكان، وتزيد الفجوة أكثر مع كون نحو 68.8 في المائة من تلك الهويات لرجال، بما يعني أن قطاعات واسعة من النساء وسكان الريف والفئات الأفقر والأقل اتصالًا بالإنترنت لا تدخل أصلًا في الصورة التي يراها العالم عن اليمن عبر المنصات.
غير أن الصورة تصبح أكثر دلالة حين نخرج من حدود الداخل، فوفق الرصد تظهر نحو 4.63 ملايين حساب يمني في الخارج تتبنى خطابًا مناهضًا للحوثيين، وهو رقم لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد كتلة معارضة رقمية، بل باعتباره مؤشرًا على اتساع الفجوة بين اليمن الذي تفرض فيه الجماعة سلطتها واليمن الذي يستطيع أفراده التعبير بعيدًا عن أدواتها المباشرة، فالمواطن الذي يلتزم الصمت داخل صنعاء يفترض أنه يحمل الموقف نفسه الذي يكتبه يمني يعيش بالخارج، لكن تكلفة التعبير في الحالتين مختلفة جذريًا.
وهنا تتشكل واحدة من أهم نتائج التحليل الشعبي، الحوثي يملك القدرة على السيطرة داخل مناطق احتلاله، لكنه لا يملك الدليل على امتلاك المجتمع نفسه، بل إن المقارنة بين الداخل والخارج تشير إلى العكس، فحين تتراجع عوامل الخوف والرقابة والاعتماد الاقتصادي على مؤسسات الجماعة يظهر خطاب يمني أكثر صراحة في رفضها للحوثي، بما يكشف أن جزءًا من الصمت داخل مناطق السيطرة فهو صمت ضرورة لا صمت قبول.
وتزداد أهمية هذه النتيجة لأن عدد الحسابات اليمنية المناهضة للحوثيين في الخارج يقترب من ثلثي إجمالي هويات مستخدمي التواصل داخل اليمن كله، وهي مقارنة لا تعني تطابق الأفراد أو إمكان جمع الرقمين حسابيًا، لكنها تكشف حجم الفضاء اليمني الذي يعمل خارج قدرة الجماعة على ضبطه، وتوضح أن خريطة النفوذ العسكري لا يمكن استخدامها بديلًا عن خريطة الاتجاهات الشعبية.
وبذلك تتراجع إحدى أهم الروايات التي بنت عليها جماعة الحوثيين صورتها السياسية، وهي أن بقاء ملايين اليمنيين تحت سلطتها يمثل قبولًا اجتماعيًا متراكمًا، فالحقيقة أن السيطرة على الجغرافيا تمنحها القدرة على إدارة المدرسة والمنبر والإعلام والشارع، لكنها لا تمنحها بالضرورة القدرة على امتلاك الوعي نفسه، والدليل أن الصوت اليمني يصبح أكثر تنوعًا وانتقادًا كلما انتقل خارج نطاق السيطرة المباشرة للحوثيين.
وتشير التفاعلات إلى أن المزاج الشعبي داخل مناطق سيطرة الحوثيين لم يعد في مرحلة التذمر الصامت، بل يقترب من مستوى احتقان قابل للتحول إلى انفجار شعبي ضد الجماعة، مع اتساع الغضب من الأوضاع المعيشية والجبايات وتراجع الخدمات واستمرار توظيف المجتمع في خدمة اقتصاد الحرب.
ومن هنا يمكن قراءة المجتمع الواقع تحت الحوثي بصورة مختلفة تمامًا، هناك ملايين من المتكيفين اضطرارياً مع الأمر الواقع، وملايين تحاصرهم أولوية الطعام والراتب والعمل، وشباب يبحثون عن طريق إلى حياة طبيعية، وآباء يتذكرون دولة كان لها من النقص الكثير لكنها كانت دولة، ثم كتلة هي الأخطر والأهم تضم ملايين الأطفال الذين لم يختاروا الحوثي ولم يختاروا الحرب ولم تكن لهم يد في سقوط صنعاء، لكنهم وجدوا أنفسهم يدفعون الحساب من تعليمهم وطفولتهم ومستقبلهم.
وهنا تحديدًا تُقرأ السياسة السعودية تجاه اليمن من زاوية مختلفة، فالمملكة لا تواجه شعبًا على حدودها الجنوبية، ولا مشروعها أن تستبدل سلطة يمنية بأخرى، بل ظل المعلن في سياساتها وبرامجها دعم مؤسسات الدولة اليمنية، وهو فارق تستطيع الأرقام ترجمته بعيدًا عن الخطاب، ففي 2026 أعلنت المملكة حزمة تنموية جديدة بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي تضم 28 مشروعًا ومبادرة في التعليم والصحة والطاقة والنقل، بالتوازي مع 27 مشروعًا يجري تنفيذها و240 مشروعًا ومبادرة مكتملة، وشملت الحزمة بناء وتجهيز 30 مدرسة جديدة، ومستشفيات وكليات ومعاهد وطرقًا ومحطات كهرباء ومياه، إلى جانب مشروعات مرتبطة بالمقر الحكومي والمجمع الرئاسي بما يدعم قدرة مؤسسات الدولة نفسها على العودة إلى أداء وظائفها.
وهنا تتضح المسافة بين مشروعين دون حاجة إلى كثير من الكلام، هناك من يحتاج الطفل في معسكر تعبئة، وهناك من يحتاجه في مدرسة، هناك من تتسع سلطته كلما ضعفت الدولة، وهناك من ينفق لإعادة بناء مؤسساتها، هناك من يعيش على استمرار الأزمة، وهناك من تصبح مصلحته في يمن مستقر قادر على إدارة حدوده واقتصاده ومدارسه ومستشفياته بنفسه، ولهذا لم تعد عودة الدولة اليمنية مطلبًا سعوديًا مرتبطًا بأمن الحدود فقط، بل مصلحة يمنية قبل أي شيء، لأن اليمني هو أول من دفع ثمن غيابها.
لقد استطاع الحوثي خلال أكثر من عقد أن يسيطر على صنعاء وأن يراكم السلاح وأن يمد نفوذه إلى ملايين السكان، لكنه لم يستطع أن يحول هؤلاء الملايين إلى حوثيين، وأرقام الجوع والتعليم والإنترنت والاعتقالات تقول إن خلف صورة الحوثيين مجتمعًا آخر لا يظهر بالقدر نفسه، مجتمعًا يريد راتبًا قبل الشعار، ومدرسة قبل المعسكر، ووظيفة قبل الجبهة، ودولة يستطيع أن يختلف معها ويحاسبها بدل جماعة يصبح الاختلاف معها مخاطرة.
ولهذا فإن الرقم الأهم في اليمن ليس عدد ميليشيا الحوثي، بل نحو 20 مليون طفل وشاب يعيشون اليوم داخل المناطق التي يسيطر عليها، هؤلاء هم اليمن القادم، وهم أيضًا المسافة الفاصلة بين أن يبقى اليمن ساحة تتوارثها ميليشيا الحوثيين أو أن يعود دولة عربية مستقرة بجوار المملكة، ومن هنا يصبح دعم السعودية للدولة اليمنية أكبر من حسابات الحرب نفسها، لأن الرهان في النهاية ليس على استعادة صنعاء وحدها، بل على استعادة جيل كامل، وحين يعود اليمني إلى دولته، تعود صنعاء إلى اليمن، ويعود اليمن السعيد إلى أهله.