هناك شخصيات لا تختصرها المناصب، ولا تكفي السيرة الذاتية وحدها لتقديم صورتها كاملة؛ لأن حضورها الحقيقي يُقاس بما تتركه من أثر في المكان والإنسان، وبما تضيفه إلى المؤسسة، وبما يبقى من أفكارها حتى بعد أن تتغير المواقع وتتبدل المسؤوليات.
من هذه الشخصيات صاحب السمو الأمير الدكتور عبد العزيز بن محمد بن عياف، الذي ارتبط اسمه بمدينة الرياض خلال مسيرة امتدت أكثر من خمسة عشر عامًا أمينًا لمدينة الرياض، وأمينًا عامًا للهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض تحت مظلة وتوجيهات مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز -حفظه الله- (أمير منطقة الرياض آنذاك) في مرحلة مهمة من مراحل نمو العاصمة وتوسعها العمراني والسكاني والاقتصادي، حيث نالت مدينة الرياض عدة جوائز دولية.
الرياض.. حين تصبح المدينة مشروعًا للإنسان
لم تكن تجربة سموه في الرياض مجرد إدارة لمدينة تتسع، بل كانت رؤية تنموية تنظر إلى المدينة باعتبارها فضاءً للإنسان وحياته واحتياجاته.
ومن هنا برز مفهوم «أنسنة المدن» كأحد المفاهيم التي ارتبطت بمسيرته، حيث اتجه الاهتمام إلى الحدائق والمسطحات الخضراء والساحات البلدية والممرات الرياضية، وتشجيع الأنشطة الرياضية والاجتماعية والثقافية في الفضاءات العامة. كانت جهوده هذه الأساس والرصيد المتين الذي جُنيت ثماره لاحقاً في صياغة توجّهات التنمية العمرانية الحديثة للمملكة، ومستهدفات جودة الحياة التي تتوجها اليوم «رؤية السعودية 2030».
لم يتوقف هذا الاهتمام عند حدود التجربة العملية، بل امتد إلى المجال العلمي والمعرفي، من خلال إطلاق جائزة الأمير عبد العزيز بن عياف «لأنسنة المدن»، دعمًا للبحث العلمي وتشجيعًا للأكاديميين والطلاب المهتمين بهذا المجال.
قائدٌ تتقاطع في تجربته الدولة والمدينة والجامعة
خلال مسيرته المهنية، تنقل سمو الأمير الدكتور عبد العزيز بن عياف بين مواقع قيادية متعددة، فعمل نائبًا مكلفًا لوزير الحرس الوطني، ومستشارًا خاصًا لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، ونائبًا مكلفًا لوزير الداخلية، إلى جانب عضويته في عدد من مجالس إدارات الهيئات الحكومية والشركات الحكومية.
هذه التجارب المتنوعة لم تكن مجرد محطات وظيفية متفرقة، بل شكلت تراكمًا معرفيًا وقياديًا وإداريا عزز قدرته على قراءة مؤسسات الدولة من الداخل، وفهم متطلبات التنمية، والتعامل مع التحولات الكبرى برؤية تتجاوز اللحظة الراهنة إلى استشراف المستقبل.
التعليم العالي.. خبرة مؤسسية أخرى
يحمل سموه كذلك مسيرة رائدة في مجال التعليم العالي، فقد أشرف على تأسيس جامعة الأمير سلطان بتكليف من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وشغل منصب رئيس مجلس أمنائها، لتصبح الجامعة نموذجًا رائدًا في مجال الجامعات غير الربحية في المنطقة.
وقد أضافت هذه التجربة إلى مسيرته بُعدًا مؤسسيًا مهمًا في مجالات الحوكمة والاستدامة والشراكات وجودة التعليم.
وهنا تتضح ملامح تجربة قيادية تتداخل فيها أربعة مسارات متكاملة:
أكاديمي يفهم الجامعة وأثرها المعرفي والاجتماعي والاقتصادي.
ومخطط يفهم المدينة عمرانيًا واقتصاديًا.
ومسؤول يفهم مؤسسات الدولة والتعامل مع المواطن وتنفيذ توجيهات ولاة الأمر.
وقائد يمتلك خبرة في حوكمة التعليم وعلم الإدارة.
إنجازات وجوائز تختصر جانبًا من المسيرة
حظيت مسيرة سمو الأمير الدكتور عبد العزيز بن عياف بعدد من الجوائز والتكريمات المحلية والدولية، من أبرزها وسام الملك عبد العزيز من الدرجة الأولى بأمر ملكي كريم، إلى جانب جائزة الملك عبد الله الثاني بن الحسين للإبداع، وجائزة محمد بن راشد آل مكتوم للإبداع، وجائزة أفضل أمين مدينة عربية، وجائزة التميز للشخصية الإدارية العربية، وغيرها من الجوائز والتكريمات التي تعكس جانبًا من أثر تجربته القيادية.
العودة إلى جامعة الملك سعود.. عودة الابن بخبرة رجل الدولة
عندما صدرت الموافقة السامية الكريمة بتعيين سموه رئيسًا لمجلس إدارة جامعة الملك سعود، لم تكن العودة مجرد عودة رجل غادر الجامعة قبل سنوات طالبًا ثم أكاديميًا؛ بل كانت عودة أحد أبنائها وقد حمل معه حصيلة واسعة من الخبرات في الإدارة والتنمية والتخطيط والحوكمة.
هنا تكمن أهمية هذه العودة. فسمو الأمير الدكتور عبد العزيز بن عياف يعرف الجامعة من الداخل، ويدرك طبيعة البيئة الأكاديمية والبحثية، وفي الوقت ذاته يمتلك خبرة تنفيذية واسعة اكتسبها من إدارة مدينة كبرى، والعمل في مواقع حكومية كثيرة وتنموية متعددة، تحت قيادة مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وسمو ولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان.
إنها خبرة تجمع بين المعرفة الأكاديمية والتجربة التنفيذية والرؤية التنموية والقدرة المؤسسية؛ وهي عناصر تبدو اليوم بالغة الأهمية في مرحلة تتطلع فيها الجامعات إلى تعزيز جودة مخرجات التعلم، والارتقاء بالبحث العلمي والابتكار، وتوسيع الشراكات، وتحقيق حضور عالمي أكثر تنافسية.
ولعل أجمل ما يمكن أن يُقرأ في مسيرة سموه أن القيادة لديه لم تكن مرتبطة بالموقع وحده، وإنما بالأثر الذي يتركه القائد في نفوس الناس ومؤسسات الدولة.
جامعة الملك سعود.. إلى مرحلة جديدة
إن جامعة الملك سعود ليست مجرد مؤسسة تعليمية عريقة؛ إنها جزء من ذاكرة الوطن، وبيت علم ومعرفة تخرجت منه أجيال من أبناء المملكة، وأسهمت في مسيرة التنمية الوطنية.
ومن هنا فإن وجود قيادة تجمع بين معرفة الجامعة وخبرة الدولة وتجربة المدينة وفهم الحوكمة يمثل فرصة مهمة لمرحلة جديدة من العمل المؤسسي. مرحلة يكون فيها الطموح أكبر، والعمل أكثر تكاملًا، والهدف واضحًا، جامعة تنافس عالميًا في جودة مخرجات التعلم، والبحث العلمي، والابتكار العلمي، والشراكات، وخدمة المجتمع.
قائد يقرأ المستقبل من خلال التجربة
إن القراءة المتأنية في مسيرة صاحب السمو الأمير الدكتور عبد العزيز بن عياف تؤكد أننا أمام تجربة تجمع بين الأكاديمي ورجل الدولة والقائد التنموي والمخطط الإداري؛ تجربة تستوعب متطلبات المرحلة، وتقرأ المستقبل بوضوح.
لقد برهن سموه في المواقع التي شغلها أن القيادة الحقيقية تتجاوز الشكليات الإدارية، لتصل إلى جوهر العمل وعمق الأثر، واستدامة الإنجاز، والمخرج النهائي الذي يلمسه الوطن والمواطن.
اليوم، ومع عودة سموه إلى جامعة الملك سعود، يعود معها الأمل بأن تكون هذه المرحلة امتدادًا لمسيرة عطاء طويلة، وأن تتحول الخبرة المتراكمة إلى مشروع مؤسسي يليق بتاريخ الجامعة ومكانتها وطموحات أبنائها. وتحقيق طموحات رؤية السعودية 2030 والتي يقودها سيدي ولي العهد الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله-.
فجامعة الملك سعود تستحق أن تتطلع إلى المستقبل بثقة، وأن تراهن على قدراتها، وأن تمضي نحو العالمية بعقل منفتح، وإرادة طموحة، وقيادة تعرف قيمة الماضي، لكنها لا تتوقف عنده.
في هذه المرحلة، تبدو روح التفاؤل التي يحملها سمو الأمير الدكتور عبد العزيز بن عياف أكثر من مجرد شعور إنها رؤية للمستقبل، وإيمان بقدرة الجامعة على صناعة مرحلة جديدة من التميز العلمي والتنافسية المعرفية والاقتصادية.
أسأل الله العلي القدير التوفيق والسداد لسمو الأمير الدكتور عبد العزيز بن عياف، وأن يعينه على حمل هذه المسؤولية، وأن يكتب على يديه لجامعة الملك سعود مزيدًا من التقدم والريادة، وأن تواصل هذه الجامعة العريقة حضورها العلمي والمعرفي بما يليق بمكانتها في وطن طموح، وفي عهد يقوده الطموح نحو المستقبل.
** **
د. عادل بن محمد السيف - كلية علوم الأغذية والزراعة - جامعة الملك سعود
adelsaif@ksu.edu.sa