محمد بن عبدالله آل شملان
تأكيداً لعمق الجذور التاريخية للمملكة العربية السعودية، وفي إطار الاهتمام البالغ الذي توليه القيادة الرشيدة -أيدها الله- لحفظ التراث الثقافي الوطني وتعزيز حضوره العالمي، تُوجت الجهود الوطنية الكبيرة مؤخراً بإعلان منظمة «اليونسكو» إدراج «المنظر الثقافي لمنطقة الفاو الأثرية» ضمن قائمة التراث العالمي.
هذا الإنجاز التاريخي، الذي يترجم مستهدفات رؤية السعودية 2030 بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وعرّاب الرؤية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظهما الله-، لا يُمثل مجرد اعتراف دولي بموقع أثري، بل هو احتفاء رسمي من الدولة برصيدها الحضاري الضارب في أعماق التاريخ.
وبصفتي أحد أبناء وادي الدواسر، الذي تقع هذه الحاضرة الأثرية في نطاقه الجغرافي والتاريخي، لا تزال الذاكرة تحتفظ بتفاصيل زيارتي لقرية الفاو قبل نحو 25 عاماً؛ حينها كانت الرمال تخفي الكثير من أسرارها، واليوم، وبفضل التوجيهات الحثيثة من وزارة الثقافة وهيئة التراث، تحولت الفاو من كنز غافٍ في خواصر الوادي إلى واجهة سياحية وثقافية وعلمية يقصدها الباحثون من كل أنحاء العالم. ومن قلب هذا الاهتمام القيادي، تبرز المكتشفات الأثرية للفاو لتروي للعالم قصة حضارة محلية لم تكن يوماً على هامش التاريخ، بل كانت محوراً تلتقي عنده حضارات الشرق والغرب.
تحت رمال الصحراء، تغفو الحقيقة طويلاً لكنها لا تموت، وحين تقرر الأرض أن تتكلم، فإنها تُعيد كتابة التاريخ وتُصحّح ما أسقطته الكتب.
وكما انتفض تمثال مدينة «سرديس» القديمة من عزلته تحت طريق روماني في تركيا ليعلن صمود الهوية الليدية في وجه النسيان، نفضت قرية الفاو الأثرية «عاصمة مملكة كندة الأولى في قلب الجزيرة العربية « الرمال عن جسدها، لتُخرج للعالم مجموعة مذهلة من التماثيل البرونزية الاستثنائية. هذه المنحوتات لم تكن مجرد قطع فنية للزينة، بل كانت وثائق معدنية قاطعة تُثبت أن هذه البقعة من العالم لم تكن يوماً هامشاً معزولاً، بل كانت جسراً ثقافياً ومحوراً حضارياً يربط الشرق بالغرب.
حين تتأمل التماثيل البرونزية المكتشفة في الفاوـ والتي تتنوع بين قامات بشرية خاشعة، وتماثيل لملوك وآلهة قديمة، ومخلوقات أسطورية كالتنانين والأسود المجنحة ـ تكتشف فوراً حجم التأثر المتبادل بين الحضارات.
لقد جمع الحرفي في الفاو بين عالمين متباعدين ببراعة مذهلة، عبر البصمة الكلاسيكية العالمية التي تظهر بوضوح في النسب التشريحية الدقيقة للأجساد، وتفاصيل خصلات الشعر الملتفة والكثيفة، والثنيات الانسيابية للملابس التي تحاكي أزياء اليونان والرومان «التوجا الإغريقية». وعبر أيضا الهوية العربية المحلية التي تتجلى في الملامح الشخصية للوجوه، واللحى المشذبة بعناية، والمآزر التقليدية، والوضعيات النذرية والتعبدية الصارمة التي كانت تميز إنسان الجزيرة العربية في معابده القديمة.
لم تكن هذه المنحوتات مجرد سلع مستوردة جلبها الأثرياء من الخارج، بل كانت دليلاً على توطين المعرفة التكنولوجية في قلب الصحراء. أثبتت الدراسات الأثرية أن سبّاكي الفاو أتقنوا تقنية «الشمع المفقود» (Lost-Wax Casting)، وهي واحدة من أعقد التقنيات الصناعية في العالم القديم.
كان الفنان ينحت تفاصيل تمثاله على قالب من الشمع، ثم يغلفه بالطين ويحمصه حتى يذوب الشمع ويتسرب خارجاً، تاركاً فراغاً فخارياً دقيقاً يُصب فيه البرونز المصهور «مزيج النحاس والقصدير». هذا الإتقان التكنولوجي يؤكد وجود ورش محلية متطورة في الفاو، قادرة على محاكمة التيارات الفنية العالمية وإعادة إنتاجها بروح وهوية عربية خالصة.
هذا التمازج الفني الرفيع لم يكن لولا طريق البخور واللبان التاريخي، فقد كانت قرية الفاو نقطة ارتكاز استراتيجية تتحكم في مسارات التجارة العالمية؛ فلم تكن القوافل المحملة بالطيب والتوابل تعبر من جنوب الجزيرة إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط والحواضر النبطية دون أن تحط رحالها في أسواق الفاو.
ومع حركة التجارة، لم ينتقل الذهب والبضائع فحسب، بل انتقلت الأفكار، والفلسفات، وأساليب النحت. تحولت الفاو بفضل ذلك إلى مجتمع منفتح ومتطور، يستوعب الفنون الهيلينستية والرومانية ويهضمها، دون أن يذوب فيها أو يفقد خصوصيته.
لفترات طويلة، اختصرت بعض الكتابات الكلاسيكية وسط الجزيرة العربية في صورة فضاء ساكن وقاحل. ولكن، تماماً كما فعل تمثال بسماتيك الأول في «المطرية» بالقاهرة، ومكتشفات «مليحة» و»ساروق الحديد» في الإمارات، جاء برونز الفاو ليقلب المفاهيم ويصحح ما أخطأت فيه الكتب.
إن هذه التماثيل البرونزية هي رسائل حية مصبوبة من معدن صلب يقاوم الفناء، نهضت بعد قرون طويلة من العزلة تحت الرمال لتنتصر لذاكرة أجدادها، وتؤكد للعالم أن التاريخ الحقيقي لا يكتبه الأقوياء بمدادهم فحسب، بل تصححه الأرض حين تقرر أن تكشف عن كنوزها.
واليوم، يقف برونز « الفاو « شاهداً حياً على عمق الإرث الحضاري للمملكة العربية السعودية، ليثبت للعالم أن رمال هذه الأرض الطاهرة لم تكن يوماً غطاء للفراغ، بل كانت وما زالت، حافظة لأمجاد أمة صنعت التاريخ وشاركت في صياغة حضارات العالم.
إن إعادة اكتشاف هذا الإرث ورعايته الرسمية يمثلان جسراً أصيلاً يربط ماضي المملكة العريق بمستقبلها الواعد، وتأكيداً مستمراً على أن كنوز أرضنا لا تنضب، وأن هويتنا الثقافية راسخة بقوة التاريخ وطموح المستقبل.