سعدون مطلق السوارج
في جدة لم تكن ليلة السادس من أكتوبر 2026 مجرد موعد لرفع كأس الخليج؛ كانت لحظة استعاد فيها المنتخب السعودي موقعًا غاب عنه طويلًا، وفتح في الوقت نفسه صفحة جديدة في مسيرته. فعندما انتصر «الأخضر» على شقيقه الإماراتي 2-0 في نهائي «خليجي 27»، عادت الكأس إلى السعودية للمرة الرابعة، بعد ألقاب 1994 و2002 و2003، وبعد انتظار امتد أكثر من عقدين.
لكن قيمة الإنجاز لا تختصرها لحظة التتويج. فالطريق إلى الكأس حمل في تفاصيله صورة منتخب عرف كيف يفرض حضوره على البطولة؛ تصدّر مجموعته بثلاثة انتصارات على الكويت وعُمان والعراق، ثم تجاوز قطر في نصف النهائي بركلات الترجيح، قبل أن يحسم النهائي أمام الإمارات بهدفَي همام الهمامي وفراس البريكان ولم يخسر المنتخب أي مباراة، وحافظ على شباكه نظيفة طوال مشواره في البطولة.
وهنا تبدأ القراءة الأبعد.. فـ»خليجي 27» لم تكن بطولة أقيمت في المملكة فحسب؛ كانت مشهدًا خليجيًا احتضنته جدة للمرة الأولى في تاريخ المسابقة، بمشاركة ثمانية منتخبات وخوض 15 مباراة، تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود،-حفظه الله- وفي حضور الأشقاء، بدا الملعب مساحة للتنافس، بينما بقيت الروابط الخليجية أوسع من نتيجة مباراة وأبقى من كأس.
ولذلك فإن عودة الكأس تحمل معنى يتجاوز سجل البطولات إنها تأتي في مرحلة أعادت فيها المملكة تعريف علاقتها بالرياضة؛ فلم تعد الرياضة مجرد مساحة للإنجاز، بل أصبحت جزءًا من مشروع وطني أوسع يرتبط بجودة الحياة، والاستثمار، والسياحة، والاقتصاد، وصناعة الحضور الدولي.
ومنذ إطلاق رؤية السعودية 2030، اتسعت منظومة العمل الرياضي لتشمل تطوير الأندية والاتحادات والمواهب والبنية التحتية، واستقطاب الاستثمارات، ورفع المشاركة المجتمعية، واستضافة البطولات الكبرى، ولم يعد الطموح أن يكون الرياضي السعودي حاضرًا في المنافسة فقط، بل أن تصبح المملكة نفسها مركزًا عالميًا لصناعة الأحداث الرياضية واستدامتها.
وهنا تكتسب كأس الخليج دلالتها الخاصة: الإنجاز لم يعد منفصلًا عن المنظومة التي أنتجته.
فالأجيال التي صنعت ألقاب الأمس تركت إرثًا رياضيًا راسخًا، أما أجيال اليوم فتدخل الملعب في ظل منظومة أكثر اتساعًا، وبطموح يتجاوز حدود البطولة الخليجية نحو آسيا والعالم، ومن جدة، جاءت الكأس لتضع خطًا واضحًا بين مرحلتين: ذاكرة تحفظ المجد، ومنظومة تعمل على تجديده.
كما أن المشهد نفسه يكشف قوة المكانة السعودية في الخليج؛ فالمملكة لم تكن طرفًا في المنافسة فقط، بل كانت الدولة المضيفة التي جمعت الأشقاء، وقدمت بطولة حظيت بإشادة الاتحاد الدولي لكرة القدم من حيث الإثارة والحضور الجماهيري، وانتهت بتتويج صاحب الأرض باللقب الرابع.
وهكذا يصبح «خليجي 27» أكثر من إضافة إلى سجل المنتخب السعودي؛ يصبح علامة زمنية في تاريخ الكرة السعودية: كأس عادت إلى خزائنها، وجيل جديد يكتب حضوره، ومنظومة رياضية تتحرك بثقة نحو استحقاقات أكبر.
فالتاريخ لا يُقاس فقط بعدد الكؤوس التي احتفظت بها الخزائن، وإنما بالقدرة على أن تجعل كل كأس بدايةً لما بعدها.
وفي جدة، لم يستعد «الأخضر» كأس الخليج فحسب؛ بل أثبت أن المنتخب الذي يحمل تاريخًا طويلًا يستطيع، حين تتكامل الرؤية والمنظومة والطموح، أن يحوّل كأسًا من ذاكرة الماضي إلى إشارة واضحة على طريق المستقبل.
** **
- باحث ومؤرِّخ في التراث الكويتي والخليجي