خالد قاسم أبو بكر
لم تأتِ زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الرياض ولقاؤه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في توقيت عابر، ولا يمكن اختزالها في إطار لقاء ثنائي بين قيادتين عربيتين، فالمشهد السوري يقف أمام مرحلة مفصلية تتحدد فيها ملامح الدولة السورية وموقعها في محيطها العربي وطبيعة علاقاتها الإقليمية، وفي قلب هذه اللحظة تقف المملكة بثقلها السياسي والاقتصادي وقدرتها على التأثير في مسارات المنطقة، لتفتح مع دمشق صفحة جديدة عنوانها استعادة الدولة لدورها، وعودة سوريا إلى محيطها العربي، وتهيئة الظروف التي تسمح لها بتجاوز إرث سنوات الصراع.
إن لقاء الرياض لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد محطة دبلوماسية، وإنما بوصفه مؤشرًا على أن العلاقة السعودية السورية تتجه نحو مرحلة أكثر عمقًا، تتجاوز إدارة الملفات العاجلة إلى المساهمة في صياغة مستقبل سوريا، وتربط بين المسار السياسي والاقتصادي والأمني، في وقت تحتاج فيه دمشق إلى سند عربي قادر على تحويل الانفتاح السياسي إلى خطوات عملية تعيد للدولة فاعليتها، وللاقتصاد قدرته على التعافي، وللسوريين ثقتهم في المستقبل.
ويكتسب اللقاء بين الأمير محمد بن سلمان والرئيس أحمد الشرع أهميته من السياق الذي تأتي فيه الزيارة، ومن تراكم الاتصالات واللقاءات التي شهدتها الفترة الماضية بين الرياض ودمشق، بما يؤكد أن العلاقة بين البلدين لم تعد تتحرك في إطار الاتصالات الطارئة، وإنما تتجه تدريجيًا نحو بناء مسار سياسي أكثر انتظامًا، يقوم على المصالح المشتركة والبحث عن حلول واقعية للملفات التي تواجه سوريا والمنطقة. فالرياض تدرك أن ما يحدث في سوريا لا يبقى داخل حدودها، لأن موقعها الجغرافي يجعلها جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن العربي، وأي فراغ سياسي أو أمني فيها يمكن أن يتحول إلى مصدر اضطراب يمتد إلى دول الجوار والإقليم بأكمله.
إن الانفتاح السعودي على دمشق يحمل دلالة تتجاوز العلاقات الثنائية، لأن المملكة تنظر إلى سوريا باعتبارها دولة عربية محورية، وأن عودتها إلى ممارسة دورها الطبيعي يمكن أن تسهم في الحد من الفراغات التي استغلتها خلال سنوات الأزمة قوى إقليمية ودولية ومجموعات مسلحة متعددة.
ولذلك فإن دعم الدولة السورية وتعزيز قدرتها على إدارة شؤونها لا ينفصل عن رؤية أوسع للأمن العربي، تقوم على تقليص مساحات الفوضى، ومنع تحول الدول العربية إلى ساحات مفتوحة للصراعات بالوكالة، أما دمشق فإن أهمية العلاقة مع الرياض تنبع من حاجة سوريا إلى إعادة وصل ما انقطع بينها وبين محيطها العربي، ليس فقط على المستوى السياسي، وإنما أيضًا على المستويين الاقتصادي والاستراتيجي. فسوريا الخارجة من سنوات طويلة من الحرب تحتاج إلى استعادة نشاط مؤسساتها، وإصلاح بنيتها الأساسية، وتنشيط اقتصادها، وتوفير فرص العمل، وتحسين الخدمات، وكل ذلك يحتاج إلى بيئة عربية داعمة وإلى شركاء يمتلكون القدرة على تحويل الدعم السياسي إلى فرص استثمار وتعاون وتنمية.
وهنا تبرز المملكة بوصفها واحدة من أهم القوى القادرة على الإسهام في هذا المسار، ليس فقط بما تمتلكه من إمكانات اقتصادية، وإنما بما تتمتع به من وزن سياسي يجعلها قادرة على بناء جسور بين دمشق ومحيطها العربي، فالمساهمة في تعافي سوريا ليست مساعدة ظرفية، وإنما يمكن أن تمثل استثمارًا في مستقبل المنطقة نفسها، لأن الدولة السورية القادرة على حماية حدودها، وتوحيد قرارها، وتوفير الخدمات لمواطنيها، ستكون أقل قابلية لأن تتحول أراضيها إلى ساحة لصراعات الآخرين.
كما أن البعد الاقتصادي يمكن أن يصبح أحد أهم أعمدة المرحلة الجديدة في العلاقات السعودية السورية. فإصلاح الطرق والموانئ والطاقة والمرافق والخدمات وخلق فرص العمل لا يمثل ملفًا اقتصاديًا فقط، وإنما يساهم في استعادة قدرة الدولة على أداء وظائفها، وإعادة وصل المجتمع بمؤسساته، وفتح الطريق أمام عودة النشاط التجاري والاستثماري. وإذا توافرت البيئة السياسية والأمنية المناسبة، فإن العلاقات السعودية السورية يمكن أن تفتح مجالات واسعة للتعاون والاستثمار والربط الاقتصادي، بما يعيد سوريا تدريجيًا إلى دورة الاقتصاد العربي.
لكن نجاح هذا المسار لن يتوقف على الدعم الخارجي وحده، وإنما على قدرة السوريين أنفسهم على بناء توافق وطني واسع، وترسيخ مؤسسات الدولة، وحماية وحدة البلاد، وإدارة التنوع الداخلي بما يمنع عودة الصراع إلى دورة جديدة. فالدعم العربي يمكن أن يوفر مساحة للحركة، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الإرادة الوطنية، والدولة القوية لا تُبنى من الخارج، وإنما تحتاج إلى توافق داخلي يجعل المؤسسات فوق الانقسامات، والقانون فوق السلاح، والمصلحة الوطنية فوق الحسابات الفئوية، ومن هنا تأتي أهمية الدور السعودي؛ فالمملكة لا تحتاج إلى سوريا ضعيفة أو مضطربة، كما أن سوريا لا تحتاج إلى عزلة عن محيطها العربي، وإنما يحتاج الطرفان إلى علاقة تقوم على المصالح المتبادلة واحترام السيادة ودعم مؤسسات الدولة. وهذه المعادلة يمكن أن تمنح العلاقة بين الرياض ودمشق بعدًا استراتيجيًا يتجاوز الملفات الآنية، لتصبح جزءًا من إعادة ترتيب المشهد العربي على أساس الدولة والتنمية والتعاون.
إن مستقبل سوريا يرتبط بصورة مباشرة بأمن المنطقة، فكلما استعادت الدولة السورية قدرتها على ضبط حدودها وأراضيها، تراجعت فرص استخدام الجغرافيا السورية منصة للصراعات الإقليمية أو لنشاط الجماعات المسلحة والشبكات غير الشرعية، وكلما تحسن الاقتصاد السوري، تقلصت البيئة التي يمكن أن تستغلها الفوضى والاقتصاد الموازي. ولذلك فإن دعم سوريا يحمل في جوهره بعدًا أمنيًا عربيًا يتجاوز حدود العلاقات الثنائية، وفي هذا السياق، فإن لقاء الأمير محمد بن سلمان والرئيس أحمد الشرع يمكن أن يُقرأ باعتباره خطوة جديدة في مسار طويل، لا باعتباره نهاية لمسار أو إعلانًا عن نتائج نهائية. فالعلاقات بين الدول لا تُبنى بلقاء واحد، وإنما تتشكل عبر تراكم الثقة والتنسيق والمصالح والمشروعات المشتركة، وقدرة الطرفين على تحويل التفاهم السياسي إلى خطوات عملية تمس حياة الناس وتعيد تنشيط المؤسسات وتفتح آفاق الاقتصاد.
والأهم أن سوريا تقف اليوم أمام فرصة لإعادة تعريف علاقتها بمحيطها العربي، والمملكة أمام فرصة للمساهمة في تحويل هذه اللحظة إلى مسار مستدام من التعاون والتعافي. وإذا نجحت الرياض ودمشق في تحويل التقارب السياسي إلى شراكة عملية في الأمن والاقتصاد والتنمية، فإن العلاقة بينهما لن تكون مجرد علاقة ثنائية بين دولتين، وإنما يمكن أن تصبح أحد مكونات العمل العربي في مرحلة تحتاج فيها المنطقة إلى دول قوية بمؤسساتها، قادرة على حماية سيادتها، ومتصلة بمحيطها، لا إلى ساحات جديدة مفتوحة أمام الأزمات.
فالرياض لا تبحث عن سوريا ضعيفة، ودمشق لا تحتاج إلى عزلة عربية، والمنطقة بأكملها تحتاج إلى سوريا تستعيد مؤسساتها ودورها الطبيعي. ومن هنا تتجاوز أهمية لقاء ولي العهد السعودي بالرئيس السوري حدود البروتوكول والسياسة اليومية، لتصبح عنوانًا لمرحلة يمكن أن تنتقل فيها العلاقة بين البلدين من إدارة تداعيات الماضي إلى بناء المستقبل؛ مستقبل تكون فيه سوريا أكثر قدرة على إدارة شؤونها، وأكثر اتصالًا بمحيطها العربي، وتكون فيه المملكة شريكًا في دعم هذا المسار، بما يخدم الشعب السوري ويعزز أمن المنطقة ويفتح صفحة جديدة في العمل العربي المشترك.