د.عبدالرحمن الحبيب
هناك مادة منسية في ميثاق الأمم المتحدة يظنها كثير من المحللين أنها مجرد إشاعة للتهكم، وهي المادة 47 تتلخص بتكوين لجنة أركان عسكرية مشتركة تديرها الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، ودعوة أي عضو للاشتراك في عملها، للحفاظ على السلام الدولي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 .
هدف هذه المادة كان تكوين جيش عالمي موحَّد، ولكن بطبيعة الحال، مع بدء الحرب الباردة والانقسام بين القوى العظمى، شُلّت أعمال اللجنة ولم تتمكَّن قط من ممارسة أي سلطة عسكرية، إنما يتحتم عليها كقاعدة إجرائية الانعقاد، فيجتمع الملحقون العسكريون بشكل طقسي كل شهر دون وجود جدول أعمال، ثم يفضون الجلسة فوراً ليذهبوا لتناول الغداء، هنيئاً مريئا.
الشاهد هنا أن الشكوى من ضعف أداء هيئة الأمم المتحدة ليس جديداً، بل بدأ منذ إنشائها. وحالياً يستعد قادة العالم لاختيار أمين عام جديد للمنظمة، مع المطالبة بإصلاحها قبل أن تنتهي إلى كيان عفا عليه الزمن وفقد جدواه.
إذن، هل هذه المنظمة عديمة الجدوى تماماً؟ الإجابة هي لا؛ فإذا كان يصعب اتفاق الدول على حل النزاعات بسبب اختلاف المصالح والمواقف، فإنه يمكن إدارة مخاطر مشتركة كتغير المناخ والتلوث والذكاء الاصطناعي، فضلاً عن مكافحة الأمراض والفقر.
حتى أشد منتقدي المنظمة يقرون بقيمتها العالمية، فمثلاً، الباحث جيمس تروب (مركز التعاون الدولي بجامعة نيويورك)، كتب: «قد لا تموت الأمم المتحدة أبداً، لأن مجرد بقائها لأقوى أعضائها له قيمة تفوق قيمة زوالها.. وخير مثال، في نوفمبر الماضي؛ أظهر دونالد ترامب تجاه الأمم المتحدة ازدراءً يفوق ما أبداه أي رئيس أمريكي آخر منذ تأسيسها، لكنه سعى للحصول على مباركة مجلس الأمن لمبادرته الشخصية الرامية إلى إنهاء الحرب بين إسرائيل وحركة حماس» (فورين بوليسي).
غير أن الخبراء يختلفون حول ترتيب أولويات أهداف المنظمة؛ إذ يرى البعض ضرورة إعطاء الأولوية لإنهاء الحروب، باعتبارها السبب الجذري لكوارث كالفقر والجوع؛ بينما يرى آخرون أن التركيز المفرط على النزاعات، مع عدم نجاح حلها، أدى إلى إهمال قضايا أخرى. فما هو أفضل الخيارات؟
الحل في العودة إلى المبادئ الأساسية للأمم المتحدة، وفقاً لدانيال فورتي رئيس شؤون الأمم المتحدة بمجموعة الأزمات الدولية، الذي يرى أنه بدلاً من التركيز على قضايا المناخ أو الفقر والأمراض أو الذكاء الاصطناعي، ينبغي للأمين العام القادم أن يصب تركيزه على تسوية النزاعات وصناعة السلام وحفظ الأمن.
بالمقابل، هناك من يرى ضرورة تحديث أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، وهو رأي يتبناه ديفيد ميليباند، الرئيس والمدير التنفيذي للجنة الإنقاذ الدولية ووزير الخارجية السابق لبريطانيا. ميليباند يرى أن الدول التزمت بالقضاء على الفقر، لكنها لم تضع في الحسبان الحروب التي لا تنتهي، مفترضة وجود دول مستقرة وتجاهلت التأثير المدمر للحروب، في وقت تشهد ميزانيات المساعدات الدولية تقليصاً.
يقترح ميليباند تبسيط الأهداف وجعلها قابلة للتطبيق، والاستثمار فيما ثبت نجاحه مثل المساعدات النقدية، وتبسيط علاجات سوء التغذية، وتوفير نماذج تعليمية مرنة تتناسب مع أوضاع اللاجئين. كما يقترح تصميم إطار يضع النزاعات في مركز اهتمامه، ويتميز بعدد أقل من الأهداف، وفترة زمنية أقصر، وتمويلات تُلتزم مسبقاً بدلاً من الوعود المؤجلة.
أما البروفيسور تشارلز كوبتشان (جامعة جورجتاون، مجلس العلاقات الخارجية) فيقترح نظاماً دولياً جديداً يجمع بين الإشراف المركزي من أعلى (مجلس قيادي من الدول الكبرى) والحوكمة من أسفل (ممثلو الأقاليم)؛ للتغلب على شلل المؤسسات الدولية في عالم متعدد الأقطاب، ولبناء توافق في الآراء. إضافة للتعاون البراغماتي بين الدول ذات النظم المختلفة لمعالجة القضايا الملحة دون السعي لفرض نموذج أيديولوجي واحد.