م. بدر بن ناصر الحمدان
في ديسمبر 2014، الساعة الخامسة مساء، كنت في طريقي إلى مواقف السيارات استعدادا للمغادرة إلى المنزل بعد نهاية يوم عمل، لفت نظري شاب لبق جدا يركب معي في المصعد تبدو عليه علامات الذكاء والفطنة، لكن ملامحه يظهر عليها شيء من الحزن والإحباط، وقفنا نتحدث لبرهة بعدها عرفت أنه يعمل مراسلا في وظيفة حارس أمن وعقده مع الشركة المشغلة سينتهي خلال يومين ويعيش في حيرة بدأت ولم تنته، تبادلنا معلومات التواصل وغادرت أنا ولم يغادر هو، بقي أسيرا لهمومه في تلك اللحظة.
في اليوم التالي تواصلت معه من أجل مقابلة شخصية للانتقال إلى وظيفة «مراسل» شاغرة بأحد عقود التشغيل في الإدارة التي أعمل بها، شعرت وأنا أتحدث معه أن يمتلك شيئا بداخله يتفوق به على الآخرين لكنه لا يستطيع التعبير عنه، كان ذلك كاف بالنسبة لي لتعيينه على سبيل التجربة، عمل معنا مجرد «مراسل» فترتها وأبدى مهارة غير عادية في تخليص المواضيع وإنجازها مع الإدارات الأخرى بصورة سريعة وقدرة على التعامل مع تفاصيل الأشياء الصغيرة والتي قد تكون معوق لمواضيع ذات أهمية.
مرت الأيام، وواصل هو تطوير نفسه، واستكمال دراسته، واستثمار كل الفرص المتاحة لتعزيز مهاراته، ومحاولاته الجادة في إثبات أنه يستحق أن يكون نسخة أخرى منه، كان ذلك الإصرار عنونا لكل مرحلة يمر بها، وفي مرحلة تحول عام 2020 شغرت وظيفة رسمية بمسمى سكرتير تنفيذي، كان لدي ثقة أنه جدير بها – وإن بدا للآخرين غير ذلك -، هم لا يشاهدون ما أشاهده فيه، قررنا أنا وهو أنه يستحق خوض التجربة، تحملت مسؤولية القرار وتحمل هو مسؤولية الوفاء بالعهد الذي بيننا، كنت قد حذرته حينها إن لم يكن في الموعد فسأكون وراء قرار مغادرته للعمل أيا كانت المبررات، يمكنني القول إنه خاضها بكل نجاح طوال الأعوام التي مرت.
في 2026 تم ترقيته إلى وظيفة «أخصائي تخطيط»، ربما لا يعكس هذا المسمى ما يقوم به فعليا لكن باختصار هو الرجل الذي يقوم بمهام غير ظاهرة، ولكنها مؤثرة، يختصر لك إجراءات بعلاقاته الشخصية بما يغنيك عن عشرات الرسائل الإلكترونية، باختصار لا يمكن أن يستغني عنه أحد، هذا الشاب مثال عملي لشخص قرر أن يتفوق على نفسه وأن يقدم نسخة أفضل منه.
الشيء اللافت في الأمر، وبالرغم من كل تلك الرحلة التي قضيناها معا، إلا انه ما زال يحاول أن يخدعني لكنه لم يفلح حتى الآن، إذ يصدف أن أرسل إليه هاتفيا في بداية اليوم «أين أنت»؟ فيرد علي: «أنا بالمكتب»، ثم أرسل إليه لحظتها صورته وهو يجلس في المقعد الذي أمامي في القطار المتجه إلى مقر عملنا، وأحيانا يحاول أن يوهمني بحاجته للعمل عن بعد لارتباطه بمناسبة في جنوب المملكة ثم أعثر عليه ليلتها في مدرجات «المملكة أرينا»، فضلا أنه «متمرد» جدا، وهذا ما يجعلني أتشبث به.
بيني وبين «نواف» لغة لا يفهمها سوانا.