فائز بن سلمان الحمدي
ليست الأخطار التي تنزل بالأمم سواءً في صورتها، وإن اشتركت في سوء عاقبتها؛ فمنها خطرٌ يجيء صريحًا مكشوف الوجه، فتراه العيون قبل أن تبلغ آثاره القلوب، وتعرف الأمة جهته، فتتهيأ له بما أودع الله فيها من أسباب المدافعة. ومنها خطرٌ أخفى مسلكًا وأبعد غورًا؛ لا يهدم سورًا في أول أمره، ولا يعبر حدًّا، ولا يرفع سلاحًا، ولكنه يدخل من منافذ الفكر، ويتسلل في ثياب المعاني، ويستعير من الدين ألفاظه، ومن الدعوة اسمها، ومن الإصلاح شعاره، ومن الغيرة على المسلمين حرارتها؛ حتى إذا استقر في العقل صار تصورًا، وإذا استولى على القلب صار ولاءً، وإذا تمكن من النفس صار طاعةً وموقفًا وعملًا.
ومن هذا الباب خطر التحزّب حين يجاوز حدود التعاون المشروع إلى العصبية التنظيمية والولاء الخاص؛ فإنه لا يبدأ غالبًا بإعلان مفارقة جماعة المسلمين، وإنما يبدأ بتكوين جماعة داخل الجماعة، وميزان داخل الميزان، ومرجعية بشرية خاصة تزاحم المرجعية الشرعية؛ حتى يكون للإنسان في جماعة المسلمين جماعةٌ أخص، وفي طاعته طاعةٌ أخرى، وفي ولائه ولاءٌ تنظيمي يزاحم ما أوجبه الله عليه من لزوم الجماعة والسمع والطاعة لولي الأمر في المعروف. وهنا يبدأ الداء من موضع قد لا يشعر به صاحبه؛ لأن التحزّب، قبل أن يكون تنظيمًا ظاهرًا، انحرافٌ في ميزان الاتباع. فالأصل الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم أن يكون الكتاب والسنة حاكمين على الرجال والجماعات والمناهج، وأن يُفهم الدين على ما كان عليه الصحابة ومن تبعهم بإحسان، وألا يُنصب دون رسول الله صلى الله عليه وسلم شخصٌ أو جماعةٌ أو مدرسةٌ يُعقد على قولها الولاء والبراء، ويُمتحن الناس بالقرب منها والبعد عنها. فإذا أُنشئت في مقابل هذا الأصل طريقةٌ محدثة في الدعوة والتغيير، لها رجالها الذين يدور عليهم الاتباع، ومراحلها التي لا تُعرف إلا لأهلها، وأسرارها التي تستتر بها، وبيعتها أو عهدها أو التزامها الخاص، وقيادتها التي تطلب الطاعة، ومواقفها التي يُراد للأتباع أن يلتزموها؛ فقد خرج الأمر من مجرد التعاون على البر إلى بناء عصبية لها سلطانها في النفوس.
وليس كل اجتماع تحزّبًا، ولا كل تنظيم إداري عصبية؛ فإن التعاون على الخير مشروع، وتنظيم الأعمال النافعة من وسائل المصالح، وقد قال الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ). وإنما التحزّب المذموم أن يتحول الاجتماع من وسيلة إلى هوية، ومن تعاون إلى عصبية، ومن ترتيب للعمل إلى ولاء، ومن تنسيق للمهمة إلى طاعة خاصة، ومن خدمة للدين إلى ادعاء تمثيله، ومن وسيلة بشرية يجوز نقدها وتركها إلى جماعة يُمتحن الناس بها، ويوزن الحق بالقرب منها والبعد عنها. وهذا التحول جناية على أصل الاتباع قبل أن يكون خللًا في صورة العمل؛ فإذا صار للتنظيم في نفس صاحبه حقٌّ لم يمنحه الله له، وبدأ يزن الرجال بقربهم منه وبعدهم عنه، ويغفر لأتباعه ما لا يغفره لمخالفيه، ويؤول خطأ جماعته ويضخم خطأ خصومها، ويطلب الدليل بعد الموقف لا قبله؛ فقد خرج من التعاون إلى التحزّب، ومن طلب الحق إلى التعصب للاسم.
وهنا ينشأ في القلب ميزانان: ميزان الوحي وميزان الحزب؛ ثم لا يزال ميزان الحزب يزاحم ميزان الوحي حتى يضعفه أو يطغى عليه. فإذا بالرجل لا يسأل: ماذا قال الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ وما الذي كان عليه السلف؟ وإنما يسأل أولًا: ما موقف الجماعة؟ ثم يطلب من النصوص ما يسنده. ولا يزن الرجال بالحق، بل يزن الحق برجال التنظيم. وهذه من أقبح جنايات الحزبية على الدين؛ لأنها تقلب وظيفة الدليل: كان الدليل قائدًا فأصبح تابعًا، وكان الوحي حكمًا فأصبح شاهدًا يُستدعى بعد صدور الموقف، وكان الرجال يُعرضون على الحق، فإذا الحق يُعرض على الرجال. ولا فساد في باب الدعوة أخطر من أن يصبح التنظيم واسطةً منهجية بين المسلم والكتاب والسنة، أو أن تصبح القيادة الحزبية عدسةً لا يرى أتباعها الدين والواقع إلا من خلالها. وقد عرف السلف الاختلاف، ولكنهم لم يجعلوا كل اختلاف صناعةً للفرق، ولا الرأي عقدَ ولاء، ولا الاجتهاد جدارًا نفسيًا بين المسلمين. اختلف الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم في مسائل كثيرة، وبقي الأصل الذي يجمعهم أعظم من المسائل التي اختلفوا فيها؛ فلم يجعلوا من كل مسألة راية، ومن الراية جماعة، ومن الجماعة ميزانًا للموالاة والمعاداة. فالاختلاف شيء، والتحزّب للاختلاف شيء آخر؛ والاجتهاد شيء، والعصبية للاجتهاد شيء آخر. قد يخالفك الرجل ويبقى أخاك، أما الحزبية فتبني في القلب جدارًا قبل أن تبني في العقل حجة، وتحول المخالف من صاحب قول يُنظر في دليله إلى خصم تُحدد منزلته بموقفه من الجماعة. ومن هنا كان نصب الأشخاص والجماعات موازين عامة للحق من أبواب العصبية المذمومة؛ فلا أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون قوله أصلًا لا يُراجع، ولا طريقته ميزانًا عامًا يُمتحن الناس بها. الوحي متبوع، والرجال تبعٌ له؛ وكل أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤخذ من قوله ويترك. فإذا صارت الجماعة عند أتباعها فوق النقد، وصار قائدها في نفوسهم معيارًا للحق، وصار الانفصال عنها عندهم قريبًا من الانفصال عن الدين، فقد جاوز التنظيم حد الوسيلة البشرية، وأخذ لنفسه من سلطان الشرع ما ليس له. وهذا من أشد أبواب الفتنة خفاءً؛ لأن العبد قد يغضب لحزبه وهو يحسب أنه يغضب لله، وينتصر لرجاله وهو يظن أنه ينتصر للسنة، ويدافع عن موقف تنظيمي ثم يكسوه ثوب العقيدة والدعوة.
ومن هنا كانت الحزبية جنايةً على الدين قبل أن تكون خطرًا على أمن البلاد؛ لأنها تختزل الإسلام في مشروع بشر، وتربط المقدس بالاجتهاد التنظيمي، وتجعل نقد الجماعة في نفوس بعض أتباعها قريبًا من نقد الدين نفسه.
والإسلام أجل من أن تحتويه جماعة، وأوسع من أن يختصره تنظيم، وأبقى من أن يُعلَّق مصيره بمصير مشروع حركي أو سياسي.
قال الله تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ). فالدين أكبر من التنظيم، والأمة أوسع من الحزب، والكتاب والسنة أغنى من مناهج الجماعات، ومن جعل الإسلام في وعي أتباعه تابعًا لمصير جماعته فقد ضيّق ما وسعه الله، وربط الباقي بالفاني، والمعصوم باجتهاد الرجال. ويشتد الخطر حين تتجاوز الحزبية الميل الفكري إلى الطاعة التنظيمية والبيعة الخاصة؛ لأن المسألة حينئذ لا تعود مجرد رأي، بل تصبح سلطةً في النفس.
ومن أصول أهل السنة لزوم جماعة المسلمين وإمامهم، والسمع والطاعة لولاة الأمور في المعروف، وتحريم شق عصا الطاعة ومنازعة الأمر أهله، مع اعتقاد أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وأن ولاة الأمور بشر يخطئون ويصيبون، وأن لهم حق النصيحة بالطرق الشرعية التي تحقق المقصود ولا تفتح أبواب الفتنة. قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم». وقال صلى الله عليه وسلم: «إنما الطاعة في المعروف». فالشريعة لم تجعل لأحد طاعة مطلقة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أنها لم تترك الأمة نهبًا للبيعات المتكاثرة والقيادات المتنازعة؛ بل أقامت الاجتماع على أصل شرعي ظاهر، وربطت الطاعة بالمعروف، وشرعت النصيحة، وحرمت الفوضى وشق العصا. ومن هنا كانت البيعات التنظيمية الخاصة من أخطر أبواب الحزبية؛ لأنها تنشئ داخل الجماعة العامة جماعةً أخص، وداخل الولاية الشرعية طاعةً تنظيمية، وتربي الفرد على أن لقيادته الخاصة حقًا في السمع والالتزام يتجاوز حدود المهمة المباحة.
والعبرة بالحقائق والمعاني لا بمجرد الأسماء؛ فسواء سميت بيعةً أو عهدًا أو التزامًا أو انضباطًا أو ميثاقًا، فإن الاسم لا يغير حقيقة ما ينشأ عنها من سلطان في النفس. فكل رابطة تنشئ ولاءً حزبيًا يزاحم ما أوجبه الشرع من لزوم جماعة المسلمين، أو طاعةً تنظيمية تنازع حق ولي الأمر في السمع والطاعة في المعروف، أو تجعل أمر القيادة الخاصة مقدمًا عند التعارض على الواجب الشرعي؛ فهي باب من أبواب الفتنة وإن زُينت بشعارات الدعوة والإصلاح. والولاءات المتعددة لا تظهر حقيقتها حين تسير كلها في طريق واحد؛ وإنما تُختبر يوم تفترق الطرق: إذا أمر ولي الأمر بمعروف، وخالف أمره توجيه القيادة التنظيمية، فلمن تكون الطاعة؟ وإذا اقتضت مصلحة جماعة المسلمين موقفًا، واقتضت مصلحة الحزب نقيضه، فأي الميزانين يحكم القلب؟
هنا يظهر ما كان مستترًا، وينكشف أن القضية لم تكن درسًا أو نشاطًا أو صحبة فكرية فحسب، بل بناءَ طاعة وولاء ينتظران ساعة الامتحان. ولهذا كان من أصول الإصلاح السلفي أن يبقى المسلم حرًا من رق العصبيات، عبدًا لله، متبعًا لرسوله صلى الله عليه وسلم، معظمًا للكتاب والسنة، مسترشدًا بفهم السلف، لازمًا لجماعة المسلمين، قائمًا بحق ولي أمره في المعروف؛ لا تسلب جماعةٌ عقله، ولا يستأثر تنظيم بولائه، ولا يجعل بينه وبين الوحي رجالًا لا يرى الحق إلا بأعينهم. ولا يعني هذا عصمة الحاكم، ولا عصمة الدولة ومؤسساتها، ولا إغلاق باب النصيحة؛ فالعصمة لكتاب الله ولرسوله صلى الله عليه وسلم فيما بلغه عن ربه، وأما البشر فيخطئون ويصيبون. لكن بين النصيحة الشرعية والتحريض الحزبي من الفرق ما بين الإصلاح والفتنة. فالناصح يريد إزالة الخطأ مع بقاء الجماعة وسلامة البناء، ولا يحتاج إلى تشويه الحسنات حتى يثبت وجود السيئات، ولا إلى إسقاط الهيبة حتى ينكر المنكر، ولا إلى تهييج العامة حتى يؤدي النصيحة. أما صاحب المشروع الحزبي فقد يحول الخطأ الجزئي إلى قصة كلية عن فساد الدولة، ويجعل كل نقص برهانًا على بطلان البناء، وينتقي من الوقائع ما يغذي غضب أتباعه، وربما ضاق بالإصلاح نفسه إذا سلبه المادة التي يحشد بها الناس.
الناصح يفرح بزوال المنكر ولو زال على يد من يخالفه، أما المتحزب فقد يصبح بقاء المظلمة أنفع لسرديته من زوالها. الناصح يريد سلامة الدين والناس، أما الحزبي فيريد أن ينتصر تفسير الجماعة للواقع.
ولهذا فمن أخطر ألوان التربية أن يُنشَّأ الشاب على إساءة الظن الدائمة بمجتمعه ودولته، وأن يفسر كل خطأ على أنه فساد شامل، وكل نقص على أنه شاهد على انهيار الأصل، وأن يتعلم تحويل النصيحة إلى تأليب، والإنكار إلى تحريض، والنقد إلى صناعة سخط دائم؛ حتى يصبح قلبه مستعدًا لقبول كل خطاب يعده بالخلاص على يد جماعته.
وهذه ليست تربية سلفية على الإصلاح، وإنما صناعة نفس مهيأة للاستقطاب. فمنهج أهل السنة لا يقوم على تقديس الواقع، كما لا يقوم على تثوير الناس عليه؛ بل يقوم على معرفة الحق، ولزوم السنة، والنصيحة، والصبر، والعدل، وجمع الكلمة، وسلوك الطرق الشرعية في الإصلاح. والأمن ثمرة عظيمة من ثمار هذا الاجتماع الشرعي، وليس مجرد مطلب سياسي عابر. قال الله تعالى: (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)، ودعا إبراهيم عليه السلام فقال: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا). فالأمن وعاء لمصالح الدين والدنيا؛ به تقام الصلوات آمنة، وتفتح أبواب العلم، وتحفظ الدماء والأعراض والأموال، وتسير مصالح الناس، ويأمن الحاج والمعتمر والمسافر والمقيم.
ومن أعظم أعدائه التفرق والتنازع. قال الله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)، وقال سبحانه: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ). وهكذا رسم القرآن قانون الضعف: تنازع، ففشل، فذهاب قوة. والجماعات الحزبية المغلقة تحمل في أصل بنائها بذرة هذا التنازع حين تربي أبناءها على رابطة أخص من جماعة المسلمين، ورموز مخصوصة، ومصادر مخصوصة، وخصومات مخصوصة، وسردية تجعل أهل التنظيم أصحاب الفهم والسبق، وتنظر إلى من ورائهم من خلال ميزانها الخاص. وحين تتكاثر هذه الدوائر لا يبقى المجتمع على صفاء اجتماعه، بل يتحول شيئًا فشيئًا إلى جزر نفسية متجاورة؛ لكل جزيرة رجالها، ومراجعها، ومظالمها، وخصومها، وأولوياتها. وهنا يبدأ الصدع في القلوب قبل أن يظهر في الطرقات.
وفي المملكة العربية السعودية يشتد وجوب صيانة هذا الأصل؛ فإن الله منّ على هذه البلاد بالاجتماع بعد فرقة، وبقيام دولة اجتمعت كلمتها على التوحيد وتحكيم الشريعة وخدمة الحرمين الشريفين، وجمع الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله ـ بتوفيق الله ـ أقاليمها بعد شتات طويل تحت ولاية واحدة.
ومن فقه هذه النعمة معرفة قدر الاجتماع الذي أوجده الله بعد التفرق، والحذر من كل منهج يعيد، تحت أسماء معاصرة، أسبابًا من جنس ما أفسد حياة الناس زمن الشتات. فمن لم يفهم تاريخ الوحدة لم يفهم فداحة صناعة الولاءات الصغيرة داخلها. وليس من شكر نعمة الاجتماع أن يعيش المرء في ثمراتها ثم يفتح قلبه لفكر يعيد العصبيات، ولا أن ينتفع بالأمن ثم يسلم قراره لقيادة حزبية، ولا أن يكون تحت ولاية شرعية ظاهرة ثم يعقد في السر ولاءً لقيادة تنظيمية عابرة للحدود. ثم إن لهذه البلاد من الخصوصية ما يزيد أمر اجتماعها وأمنها شأنًا؛ ففيها الحرمان الشريفان، وإليها تفد أفئدة المسلمين من أقطار الأرض، ويرتبط باستقرارها أمن الحجاج والمعتمرين والزائرين ومصالح عظيمة للمسلمين. فحفظ أمنها واجتماعها ليس شعارًا سياسيًا، بل يدخل في حفظ مصالح شرعية عظيمة. ومن هنا فإن كل قيادة سرية تستلب قرار المسلم من ولي أمره، وكل بيعة حزبية تنشئ طاعةً موازية، وكل مرجعية تنظيمية عابرة للحدود تطلب أن يكون لها في قلب ابن البلاد من السلطان ما تنازع به واجبه الشرعي تجاه جماعته وولي أمره؛ إنما تفتح بابًا من أبواب الفتنة وإن لبست عباءة الدعوة.
ومن فقه السنة ألا نعيد بأسماء جديدة ما حذرت منه الشريعة بأوصافه؛ فلا تعود العصبية باسم الدعوة، ولا البيعة المحدثة باسم التربية، ولا التنظيم السري باسم العمل الإسلامي، ولا منازعة الولاية باسم الإصلاح، ولا استثارة العامة باسم إنكار المنكر.
فالأسماء لا تطهر الحقائق الفاسدة.
فالتحزّب، حين يستقر منهجًا في التربية، ليس خطأ جزئيًا؛ بل مصنع يعيد إنتاج نفسه: يختار رموزه، ويبني قاموسه، ويحدد خصومه، ويصنع ذاكرته الخاصة، ويعيد تفسير النصوص والوقائع بما يخدم بنيته، ثم يخرج إلى المجتمع بأفراد يظنون أنهم ينظرون إلى الواقع مباشرة، وهم كثيرًا ما ينظرون إليه من النافذة التي فتحها التنظيم لهم.
ولهذا لا يكون علاج الحزبية بمجرد حظر الأسماء؛ فالأسماء تموت، والأفكار قد تبقى، والتنظيم قد يزول ويبقى منهجه في النفوس.
إنما العلاج بالرجوع إلى الأصل: أن يُربّى المسلم على الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، وأن يعرف أن الوحي فوق الرجال، وأن يكون ولاؤه للحق لا للأسماء، وأن يلزم جماعة المسلمين وإمامهم، وأن يسمع ويطيع لولي أمره في المعروف، وأن يناصح بالشرع لا أن يحرض باسم النصيحة، وأن يعرف قدر الأمن والاجتماع. وأن يعلم أن الدعوة إلى الله لا تحتاج إلى بيعة سرية، ولا إلى قيادة مستترة، ولا إلى تنظيم يحتكر الإسلام، ولا إلى تسليم العقل لرجل أو جماعة؛ وأن نصرة المسلمين لا تعني فتح القلب لكل قيادة عابرة للحدود، وأن محبة المسلمين في كل مكان لا تسقط الحقوق الشرعية الخاصة التي أوجبها الله عليه تجاه جماعته وولي أمره وبلده وأهله.
ويحتاج المجتمع إلى خطاب سلفي واضح يكشف للشباب آليات الاستقطاب الحزبي: تقديس الرموز، وصناعة المظلومية، وتقسيم المجتمع إلى «نحن وهم»، والانتقاء من الوقائع، وربط التدين بالانتماء، وتحويل كل حدث إلى شاهد على صحة الجماعة، وتصوير الخروج من التنظيم كأنه تراجع عن الدين.
فهذه الأدوات إذا كُشفت فقدت كثيرًا من سلطانها، وإذا جُهلت دخلت إلى العقل في صورة مبادئ، وهي في حقيقتها قيود.
والحصون ليست كلها من حجر.
فللوطن حدود يحرسها الجندي، ولجماعة المسلمين حدود من المعاني يحرسها العالم والمعلم والأب والأم والمربي. وقد يكون اختراق الفكرة أخطر من اختراق الأرض؛ لأن العدو إذا دخل الأرض عُرف، أما المنهج المنحرف إذا دخل العقل فقد يجعل صاحب العقل جنديًا له وهو يظن أنه جندي للسنة والإصلاح. والفتنة لا تقول لأصحابها دائمًا: أنا الفتنة. قد تدخل باسم النصيحة ثم تنتهي تحريضًا، وباسم الدعوة ثم تصبح عصبية، وباسم الأخوة ثم تصبح ولاءً تنظيميًا، وباسم التربية ثم تصبح بيعة، وباسم الإصلاح ثم تصبح منازعة، وباسم نصرة الدين ثم يصبح الدين مطيةً لمطامع التنظيمات وصراعها على السلطان. وقد جمع الله أصل هذا الباب في قوله سبحانه: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ). آية من كلمات معدودة، وفيها تاريخ أمم: طاعة، واجتماع، وتحذير من التنازع؛ فإن وقع التنازع جاء الفشل، ثم ذهبت القوة. فالأمم لا تُهزم دائمًا لأن عدوها أقوى منها؛ فقد تضعف لأنها قسمت اجتماعها بين أحزابها، ووزعت طاعتها بين قياداتها، وربطت عقول أبنائها بمراجع متنازعة، حتى صار بأسها بينها. فليُصن هذا الأصل العظيم: الاجتماع على الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، ولزوم جماعة المسلمين وإمامهم، والسمع والطاعة في المعروف، والنصيحة بالطرق الشرعية، والبراءة من العصبيات والبيعات المحدثة.
وليُصن أمن هذه البلاد بعلم يكشف الشبهة قبل أن تستقر، وبصيرة تعرف الحزبية وإن غيرت أسماءها، وعدل لا تفسده الخصومة، ودعوة لا تحتكرها التنظيمات، وطاعة شرعية لا تنازعها بيعة مستترة، وعقول لا تستلبها القيادات الحزبية. وليبق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فوق الجميع؛ فوق الرجال والجماعات والمدارس والتنظيمات. فالحق أكبر من كل حزب. والسنة أغلى من كل اسم. والإسلام أبقى من كل جماعة. وجماعة المسلمين أولى من جماعات التنظيم. والدعوة أطهر من أن تُتخذ مطيةً لمطامع التنظيمات وصراعها على السلطان. وأمن البلاد أعز من أن يكون ميدانًا لمشروعات الأحزاب. وعقول الشباب أثمن من أن تُستودع في خزائن القيادات الحزبية.
إن التحزّب لا يبني جماعة المسلمين؛ لأنه يبدأ بتجزئتها. ولا يخدم السنة؛ لأنه يجعل بينها وبين الناس رجالًا يُتعصب لهم. ولا يحفظ أمنًا؛ لأنه يفتح في المجتمع أبواب الطاعة المتعددة.
ولا يصنع طالب حق حرًا؛ لأنه يربي في داخله عينًا تنظر قبل الدليل: ماذا تريد الجماعة؟
ولهذا فإن أخطر ما تفعله الحزبية أنها لا تكتفي بأن تنشئ تنظيمًا داخل المجتمع، بل تحاول أن تنشئ داخل الإنسان جماعةً أخرى، وولايةً نفسيةً أخرى؛ لها رجالها، ومراجعها، وأوامرها، وخصوماتها، وأولوياتها. فإذا قامت الولاية الثانية في القلب، لم تعد الفتنة محتاجةً إلى أن تقيم لها حدودًا على الأرض. والحصن المبني من الحجر يحرس ناحيةً من الوطن، أما الحصن المبني من السنة والبصيرة في العقل فيحرس الدين والجماعة والوطن جميعًا.
فإذا حُرس العقل بالكتاب والسنة، وحُرس القلب من العصبية، وحُرست الجماعة بلزوم السنة والعدل، وحُفظ حق ولي الأمر في المعروف، وحُفظ باب النصيحة من التحريض، ماتت الفتنة في فكرتها قبل أن تولد في الشارع.
فحراسة جماعة المسلمين وأمن الأوطان تبدأ من حيث تبدأ الفتن: من العقيدة والمنهج، ثم من العقل والقلب.