د. أحمد محمود الخضري
اللغة العربية لها رصيد ضخم من المصطلحات العسكرية ؛ لأن العربَ اهتموا بالحرب قبلَ الإسلام وبعدَهُ، وكانت لهم أيامٌ غَرَّاءُ في الفتوحِ، فلا عَجَبَ أن تكثرَ في لغتِهم المصطلحات العسكرية، والمترادفات الحربية.
ومن هذه المصطلحات العسكرية، المصطلحات الخاصة بالرتب والوحدات العسكرية والتي تعد مزيجًا فريدا يجمع بين الأصالة المعجمية والتطور التاريخي، حيث استمدت أسماءها من المعاجم العربية القديمة وأوزانها الصرفية، ثم تطورت وتوسعت لتستوعب المفاهيم والاستراتيجيات العسكرية الحديثة.
ويعد مصطلح اللواء نموذجاً بارزاً للتطور والتغير الدلالي للمصطلحات العسكرية عبر الأزمنة والعصور المتعاقبة، وهو مصطلح عربي محض في أصله وفروعه. ورد في المعجمات اللغوية -قديمها وحديثها- دون أدنى إشارة إلى أنها ليس من نسج العربية، ولم يختلف عليه العلماء؛ بَيْدَ أن الثعالبي (ت429هـ) قد ذكره في الفصل الذي عَقَدهُ في كتابه فقه اللغة [ص338] ويحمل عنوان (في سِيَاقَه أَسمَاء فارِسيَّتُها منْسِيَّةٌ وعَرَبِيَّتُهَا مَحْكيَّةٌ مُستَعْمَلَة) ويفهم من ذلك: أنه عَدَّه من الألفاظ الفارسية الأصل، عرَّبه العرب واستعملوه في أحاديثهم لدرجة أنه قد تُنُوسِىَ الأصل الفارسيّ، وقد أصبح وكأنه عربي، ولم يُشِر إلى معناه، كما لم يبين نطقه في لغته الأصلية، ولم يقل بذلك أحد غيره فيما رجعت إليه من كتب اللغة ومعجماتها.
واللِّوَاء: اسمٌ مفرد يجمع على أَلْويَة، ولواءات، مشتق من الجذر اللغوي (ل و ى) ويذكر ابن فارس (ت395هـ) في مقاييسه أن هذا الجذر وما يتفرع عنه من صيغ وأبنية، قد وُضِعَ في أصل اللغة للدلالة على الإمالة فقال: «اللَّامُ وَالْوَاوُ وَالْيَاءُ أَصْلٌ صَحِيحٌ، يَدُلُّ عَلَى إِمَالَةٍ لِلشَّيْءِ» [5/ 218] وبتتبع مصطلح اللواء في كتب اللغة ومعجماتها التراثية والحديثة، يلاحظ تردد دلالته بين عدة معانٍ، أهمها مايأتي:
أولاً - العَلَم.
من أقدم معاني اللواء ظهورا واستعمالا دلالته على: العَلَم: فهو عبارة عن قطعة قماش كبيرة الحجم معقودة على رمح، أو عود من الخشب، وتلوي عليه، جاء في محيط المحيط: «اللواء: العَلَم، وهو دون الراية، وهو شقَّة ثوب تُلْوي وتُـشَد إلى عود الرمح» [ص832]، ويذكر صاحب المقاييس العِلَّةُ في تسمية اللواء بهذا الاسم محاولاً الربط بينها وبين المعنى العام أو الأصل الاشتقاقي الذي صاغه لهذا الجذر فيقول: «وسُــمِّي لِواءً؛ لأنه يُلْوى على رمحه» [5/ 218]، فلمحظ التسمية متحقق فيه؛ إذ إنه لكبر حجمه يلوى على رمحه، ولا ينشر إلا عند الحاجة.
أما عن تاريخ استعمال اللواء والراية في الحروب والمعارك فيمكن القول بأنهما: «قديمان قِدَم الحرب نفسها لأنهما صَاحباها من البداية وعاشا في خضمها منذ أول اشتباك وقع بين جمعين، وكانت الغاية من استعمالهما جمعُ الشَّمْلِ وتوحيد الكلمة، هذا فضلاً عن أنهما الرمز الذي يـُلاذ به ويُلْتَف حوله فإذا رُفِعَا رُفِعَت الرؤوس، وعلا في النفوس الاندفاع للمعركة وأثيرت الهمم، وهما على الرغم من كونهما خِرَقًا على عصى أو رماح فهما أهْيبُ في القلوب، وأهْولُ في الصدور، وأعْظمُ في العيون».
ومن شواهد استعمال هذا المعنى في العربية ما يلي:
قال عنترة بن شداد (ت نحو22 ق.هـ =601م، جاهلي) يصف يوم عُرَاعِر وهو أحد الأيام المشهورة في الجاهلية:
كَتَائِبَ شُهْباً، فَوْقَ كل كتيبةٍ
لِواءٌ كظِلِّ الطَّائِر المُتَصَرِّفِ [الطويل]
وقال العَبَّاس بن مِرْدَاس (ت نحو 18ه=639م) مخضرم:
أَمَامَ رَسُولِ الله يخفقُ فوقَنَا
لِواءٌ كخُذْرُوْفِ السَّحابةِ لامِعُ [الطويل]
وجاء في الحديث الشريف (إسلامي):
عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَأَمَرَ الْمُنَادِيَ أَنْ يُنَادِيَ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم: «ثَابَ خَبَرٌ، ثَابَ خَبَـرٌ، ثَابَ خَبَرٌ، أَلَا أُخْبِـرُكُمْ عَنْ جَيْشِكُمْ هَذَا الْغَازِي؟ إِنَّهُمُ انْطَلِقُوا حَتَّى إِذَا لَقُوَا الْعَدُوَّ، لَكِنَّ زَيْدًا أُصِيبَ شَهِيدًا، فَاسْتَغْفِرُوا لَهُ، ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ جَعْفَرٌ فَشَدَّ عَلَى الْقَوْمِ فَقُتِلَ شَهِيدًا... ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ...، ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ...».
وقالت ليلي الأَخيلِيَّة (ت نحو80هـ =700م) أموية:
حَتَّى إذا رَفَعَ اللِّواءَ رَأَيْتَهُ
تحتَ اللِّواءِ على الخَمِيْسِ زَعِيمَا [الكامل]
ومن قصيدة يمدح بها الشريف الرضي (ت 406هـ =1015م، عباسي) أحد خلفاء الدولة العباسية:
إذا حَمَل الناسُ اللِّوَاءَ عَلامةً
كفاك مثارُ النَّقعِ كُلَّ لِوَاءِ [الطويل]
وقال صُرَّدُرّ بن صرّبَعْر (ت 465هـ =1073م، فاطمي) من قصيدة يمدح بها عميد الدولة بن جهير:
ومَا رَغْبَةُ الرَّكْبِ تَهْدِيهِمُ
ضِيَاؤُكَ في رَايَةٍ أو لِوَاءِ [المتقارب]
وقال الصاحب شرف الدين الأنصاري (ت622ه=1264م) مملوكي:
إن حَلَّ حَلَّ الجُودُ فوقَ سريرِهِ
أو سَارَ سَارَ النَّصرُ تَحتَ لِوَائهِ [الكامل]
وقال علي الجارم: (ت 1368ه=1949م، محدث) مادحا الملك فاروق بمناسبة زفافه:
يا لِوَاءَ البلادِ أيُّ لِوَاءٍ
لا يُفَدِّي لِوَاءَكَ المَعْقُودَا [الخفيف]
ثانيًا - رُتْبَة عسكريَّة رفيعة.
من معاني اللواء في اصطلاح العسكريين: من يقود أو يترأس فرقة من فرق الجيش، وهى رتبة عسكرية رفيعة من فئة رتب الضباط في معظم الجيوش العربية، موقعها بين بنات حقلها من الرتب العسكرية في أكثر الجيوش العربية فوقَ العميد ودون الفريق، وفي الجيوش العالمية «تعادل رتبة جنـرال» و»شَارَة اللِّواء مكونة من نسر وسَيْفَين متقاطعين على الكتفين» بالنسبة للأنظمة الجمهورية العربية، وصورة التاج أو شعار الدولة بدلا من النسر في الأنظمة الملكية، وقد أثبت المعجم الوسيط تلك الدلالة العسكرية على أنها محدثة [ص881].
ومن الشواهد التي تؤرخ لبدء استعمال هذا المعنى في العصر الحديث ما يلي:
قال صالح مجدي (ت1298ه=1881م، محدث):
وَانعَم بمرتبةِ اللِّواءِ فأنتَ في
وَقتِ الوَغَى والسِّلمِ من أُمَرَائهِ [ الكامل]
ثالثًا - وحدة عسكرية تتألف
من عدد معين من كتائب الجيش.
من معاني مصطلح اللواء في العرف العسكري: تشكيل أو وحدة عسكرية تعبوية تتألف من عدد معين من الكتائب، تعمل مستقلة أو ضمن تشكيل الفرقة تحت قيادة موحدة، وللواء علم خاص يرفع مكان تواجده، وهو من التشكيلات الأساس في تكوين وتنظيم الجيوش، وهى كسابقتها من الدلالات المحدثة التي لم يكن للغويين القدامى عهد بها، ومن شواهد هذا المعنى:
جاء في العدد (11104) الصادر من جريدة الأهرام سنة 1914م تحت عنوان (دفاع أبطال البلجيكيين عن لياج): «وبعد أن فشلوا في هجومهم عليها ليلة الثلاثاء بفضل هجوم لواء الجنرال براتران عليهم من الجهة الشمالية عادوا إلى مهاجمة تلك الحصون».
وبعد عرض أشهر معاني لفظ اللواء، وتتبع الشواهد الدالة على استعمال تلك المعاني، والمُؤَرَّخَة لبدء ظهورها، إذ الغرض الرئيس من سوق هذه الشواهد على اختلافها في هذا المقال هو: تحديد تاريخ ظهور الألفاظ أو المعاني الجديدة لألفاظ موجودة سابقا، وتوضيح تطورها عبر التاريخ، يتجلى لنا أن اللواء: لفظ عربيّ المبني والمعنى، وأن أقدم دلالاته ظهور واستعمالا هو المعنى الحسي (العَلَم)؛ ثم أصابه تغيـر دلاليٌّ فأطلق في العصر الحديث على تلك الرتبة العسكرية عن طريق الانتقال الدلالي،أو تغير مجال الاستعمال على سبيل المجاز لعلاقة المُجَاوَرة، وتفسير ذلك: أن هذا اللواء (العَلَم) الذي يُرْفَع في الحروب؛ لينتظم المقاتلين تحته ويجتمعوا حوله؛ لكونه رمزا للجيش، كان يحمله قائد أو رئيس الجيش، ثم صار يُحْمَل على رأسه ويدور معه حيث دار، قد انتقلت دلالته في عرف العسكريين حديثا ليطلق على: قائد فرقة من فرق الجيش تضم مجموعة كتائب، وذلك من باب تسمية هذا القائد باسم الشيء الذي كان مجاورا وملازما له في الحرب وهو اللواء (العلم).
ولم يقف الأمر عند ذلك فحسب بل تطور مرة أخرى ليطلق على: تشكيل عسكرى يضم عددا من الكتائب، واتجاه هذا التطور والتغير في دلالة اللواء مثل سابقه، وهو: انتقال المعنى على سبيل المجاز، ولكن العلاقة التي سَوَّغَت هذا الانتقال مختلفة هنا، وهى علاقة الجزئية، وذلك من باب تسمية الشيء باسم جزء منه؛ لأن هذه الفرقة من الجيش ذات لواء أو راية يرفع مكان تمركزها وتواجدها.