د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
تسببت أزمة ارتفاع أسعار ونقص إمدادات الديزل عالميا في توترات بين واشنطن وأوروبا، وأصبح الديزل يرتفع بوتيرة أسرع من النفط الخام لاعتماد الاقتصاد العالمي الحساس عليه في الشحن والنقل.
هناك ضغوط أمريكية على أوروبا لاستخدام مخزوناتها الطارئة من الديزل لكبح ارتفاع الأسعار، أو تواجه حظرا محتملا على صادرات الولايات المتحدة من الوقود، بينما يسعى دونالد ترمب إلى خفض أسعار الوقود في الولايات المتحدة قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في نوفمبر 2026.
يعد الديزل الوقود الأساسي للاقتصاد العالمي، إذ يشغل الشاحنات والجرارات وقطارات الشحن، والمركبات التجارية الأخرى، وتعد الولايات المتحدة أكبر مصدر لهذا الوقود في العالم، فيما تعد أوروبا مستوردا صافيا للوقود، ففي عام 2025 زودت الولايات المتحدة أوروبا بنحو 13 في المائة من إجمالي واردات أوروبا وبريطانيا وتركيا من الديزل، والبالغة 2.3 مليون برميل يوميا، بحسب بيانات شركة إنرجي أسبيكتس المتخصصة في أبحاث السوق.
أوروبا قلقة من اللجوء إلى احتياطياتها الطارئة قد يجعل أوروبا معرضة لحظر اضطرابات الإمدادات في حال استمرار الحرب في الشرق الأوسط وأوكرانيا، ووزير الطاقة الأمريكي كريس رايت أبدى تحفظات بشأن صادرات الديزل الأمريكية، وأن أمريكا ستطلب من أوروبا الإفراج عن مخزونات الديزل بشكل منسق، مع دخول أمريكا موسم الحصاد وموسم استخدام التدفئة الشتوية فهو الوقت المناسب لضخ المزيد من الديزل خصوصا بعدما تخطت أسعار الديزل في الولايات المتحدة أكثر من ستة دولارات للغالون لأول مرة، بلغ متوسط السعر 6.40 دولار للغالون في 28 سبتمبر 2026، فيما تصاعدت الأسعار في أوروبا إلى الضعف منذ الحرب الأمريكية على إيران أواخر فبراير، وقبل عام كان سعر الديزل في الولايات المتحدة 3.74 دولار وقبل عامين 3.53 دولار. ومما زاد الوضع سوء حظر روسيا صادرات الديزل إلى أوروبا مددته إلى نهاية أكتوبر عقب غارات الطائرات الأوكرانية المسيرة على مصافيها، وقد تشدد الصين على صادراتها من المنتجات النفطية، ويتعين على الدول الأعضاء في أوروبا أن تحتفظ بمخزونات نفطية تعادل 90 يوما من الواردات الصافية، وفي مارس وافقت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية على ضخ 400 مليون برميل من النفط في السوق العالمية، وإن كانت أمريكا تجادل بأن أوروبا لم تف بالتزاماتها في هذا الاتفاق وأن أوروبا لم تطرح سوى أقل من 8 في المائة من إجمالي 64 مليون برميل من المنتجات النفطية بما في ذلك الديزل التي تعهد بتوفيرها خلال فصل الربيع.
وسط ارتفاع مطرد لأسعار الطاقة، وبعد تهديد ترمب بوقف تصدير الديزل، قررت مجموعة السبعة الإفراج عن 100 مليون برميل من النفط الخام والديزل من احتياطيات الطوارئ، لكن السؤال هل يكفي ذلك، فالبنزين وقود لسائقي السيارات بينما الديزل يحافظ على عجلة الاقتصاد ويشغل الشاحنات والآلات الزراعية ومركبات البناء والمنشآت الصناعية، ولذلك في الأغلب ما يكون نقص الديزل على الاقتصاد أشد من تأثير ارتفاع أسعار البنزين.
تعد الولايات المتحدة والصين من أكبر منتجي الديزل في العالم، وتستهلك الصين معظم إنتاجها من الديزل محليا، أما الولايات المتحدة فهي أكبر مصدر، وحمل الرئيس ترمب أوكرانيا جزءا من المسؤولية عن ذلك فقد طالبها أخيرا بالتوقف عن مهاجمة مصافي التكرير الروسية لأن ذلك يتسبب في نقص في وقود الديزل، التي تعد من أكبر مصدري الديزل بعد الولايات المتحدة الذي انخفض بنحو 30 في المائة عن مستواه في عام 2025 وردت موسكو بفرض قيود على الصادرات لضمان إمداداتها الداخلية، حاولت الولايات المتحدة سد هذه الفجوة، لكن ذلك لم يكن كافيا وفي 22 سبتمبر أعلن ترمب أنه يدرس فرض حظر على الصادرات الأمريكية أيضا، لكنه تراجع عن ذلك.
يدفع سائقو الاتحاد الأوروبي في المتوسط 30 يورو إضافية لملء خزان سعة 50 لترا، وتزداد تكلفة الشاحنة المتوسطة في ألمانيا بمقدار 236 يورو أسبوعيا، يكلف هذا الارتفاع اقتصاد الاتحاد الأوروبي 270 مليون يورو يوميا ويعزى 203 ملايين يورو من هذا المبلغ إلى وقود الديزل وحده.
إذا المشكلة في المصافي وليس الخام، يدرك تحالف أوبك + أن المشكلة لا تكمن في كمية النفط بل في قدرة المصافي العالمية على تحويله إلى ديزل، وأعربت لجنة المراقبة الوزارية المشتركة في تحالف أوبك + عن قلقها إزاء الهجمات على البنية التحتية للطاقة، أو تعطيل الممرات البحرية والدولية يقوض أمن الإمدادات ويزيد تقلبات السوق.
** **
- أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى سابقا